Laskar Informasi

Pencarian Daftar Isi

الكتاب : دفع شبه التشبيه لابن الجوزي- تحقيق حسن السقاف

13 Dec 2015

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة


    الكتاب : دفع شبه التشبيه لابن الجوزي- تحقيق حسن السقاف
    أقوال الائمة الاربعة ليست في صالحهم والحمد لله رب العالمين. واختم هذا
    الفصل بسرد أسماء كتب المجسمة التي يجب التحذير منها
    ===========================================================================

    [75]

    ثم أردف ذلك بذكر أسماء الكتب التي ينبغي أن يرجع إليها فأقول وبالله تعالى
    التوفيق: جميع الكتب التي أطلق عليها كتب " السنة " (1) هي في الحقيقة
    مليئة بالاحاديث الموضوعة والتالفة والمنكرة والضعيفة وما أشبه ذلك ومنها:
    1 - كتاب " السنة " المنسوب لابن أحمد والذي في سنده: الخضر بن المثنى وهو
    : مجهول. 2 - كتاب السنة للخلال. 3 - السنة للالكائي. و " اعتقاد اهل
    السنة " له أيضا. 4 - كتب عثمان بن سعيد الدارمي التي منها: " الرد على
    بشر المريسي ". 5 - الابانة لابن بطة الوضاع. كما في كتابنا " إلقام الحجر
    " ص (4). 6 - إبطال التأويل لابي يعلى المجسم. 7 - التوحيد لابن خزيمة
    الذي ندم على تصنيفه كما روى عنه ذلك الحافظ البيهقي في " الاسماء والصفات "
    ص (267). 8 - كتاب " الصفات " وكتاب " الرؤية " المنسوبين غلطا للدارقطني.
    9 - " الايمان " لابن منده. 10 - " شرح العقيدة الطحاوية " لابن أبي العز،
    وقد بينا ما فيها في عدة كتب من كتبنا أهمها: " التنبيه والرد على معتقد
    قدم العالم والحد " و " التنديد بمن عدد التوحيد " فاقرأهما فإن فيهما كشف
    تلك الاخطاء الجسيمة التي في " شرح العقيدة الطحاوية ". 11 - كتب ابن تيمية
    ، فإن جميعها لا يخلو من التشبيه. 12 - كتب ابن قيم الجوزية تلميذ ابن
    تيمية.

    ===========================================================================
    (1) وكانوا يعنون بقولهم كتاب " السنة " أي: العقيدة. (*)
    ===========================================================================

    [76]

    13 - كتاب " العلو " للذهبي الذي بينا أنه صنفه في أول حياته ثم تبين له خطأ

    (1/59)

    ما قاله فرجع عنه في كتبه الاخرى. 14 - كل كتاب في العقيدة على نسق عقيدة
    هؤلاء، وغالب ما فيها يدور حول ما أبطلناه في مقدمة هذا الكتاب والتعليق
    عليه. وفي نفس الوقت نرغب أن يطلع غير العوام من العلماء وطلبة العلم على
    هذه الكتب ليتحققوا من التجسيم الذي فيها، ومن سخافة عقول مصنفيها، ومن
    استدلالاتهم التي هي في غير محلها. تعليق سريع على مختصر العلو ولا بأس هنا
    أن أعلق على كتاب " مختصر العلو " الذي اختصره ذلك المتناقض!! وقال عنه في
    " صحيحته " (2/ 632) ما نصه: " وفي ذلك ألف الحافظ الذهبي كتابه " العلو
    للعلي الغفار " وقد انتهيت من اختصاره قريبا ووضعت له مقدمة ضافية، وخرجت
    أحاديثه وآثاره، ونزهته من الاخبار الواهية، يسر الله طبعه " اه‍. قلت:
    مقدمته للكتاب يمكن الرد عليها بسهولة جدا فإنه قد ملاها بسباب الامام
    المحدث الكوثري رحمه الله تعالى، ووصف الله فيها بما لم يرد في كتاب ولا في
    سنة كلفظ " الجهة " و " بذاته " (1) ونحو ذلك ولي رد عليها يسر الله طبعه،
    لكن هذه المقدمة والتعليقات التي وضعتها على " دفع شبه التشبيه " تعتبر أيضا
    ناسفة لذلك الكتاب.

    ===========================================================================
    (1) التي انكرها الذهبي فيما بعد في " سير أعلام النبلاء " (19/ 607) كما
    سيمر في التعليق رقم (53). (*)
    ===========================================================================

    [77]

    وأما قوله (ونزهته من الاخبار الواهية) فكلام غير صحيح فهو ملئ بالاخبار
    المنكرة الواهية والآثار التالفة والتي أبطلنا بعضها قبل قليل، مثل نقله عن
    أبي حنيفة عقائد غير صحيحة بأسانيد مظلمة تالفة من طريق أبي مطيع الكذاب،
    ونوح الجامع الوضاع وقد اعترف هو بذلك، انظر " مختصر العلو " ص (135 - 137)
    ومن ذلك حديث قتادة بن النعمان ص (98) برقم (38) من " مختصر العلو " صححه

    (1/60)

    على شرح البخاري نقلا عن ابن القيم، ثم تناقض فحكم بنكارته في " ضعيفته "
    (2/ 177 حديث رقم 775) كما بينت ذلك بوضوح في كتابي " التناقضات ". فعلى
    هذا وغيره مما لم أذكره يجب اجتناب كتاب " مختصر العلو " لما فيه من عقائد
    فاسدة وآثار وأخبار تالفة والله الموفق (1).

    ===========================================================================
    (1) وانظر لزاما ما علقه المحدث الكوثري على السيف الصقيل ص (157 - 111).
    (*)
    ===========================================================================

    [78]

    الكتب التي نحض على قرائها ودراستها لفهم العقيدة الاسلامية الصافية لقد ألف
    العلماء جزاهم الله عنا خيرا كتبا كثيرة ذكروا فيها الاعتقاد الصحيح،
    ودفعوا فيها وردوا ما أثاره المشبهة والمجسمة وأشباههم من أمور باطلة، وقد
    حذونا على نسقهم واقتدينا بصالح عملهم، على أننا غير ملزمين بقول أحد كائنا
    من كان، وإنما نحن متبعون للدليل حسب قواعد الاصول ومن تلك الكتب: 1 -
    كتاب " الاسماء والصفات " للامام الحافظ البيهقي، والذي علق عليه الامام
    المحدث الكوثري رحمه الله تعالى تعليقات نفيسة وتقريرات جيدة. 2 - كتاب "
    أصول الدين " للامام العلامة عبد القاهر البغدادي. 3 - خاتمة كتاب: "
    الفرق بين الفرق " له. 4 - كتاب قواعد العقائد من " إحياء علوم الدين "
    للامام الغزالي رحمه الله تعالى، وقد قمت بالتعليق على أوله وهو جملة أصول
    الاعتقاد منه وقدمت لها، وأفردته كتابا مستقلا سميته: " عقيدة أهل السنة
    والجماعة ". . وهو كتاب نافع انتفع به خلق لا أكاد أحصيهم والحمد لله رب
    العالمين. 5 - شرح كتاب قواعد العقائد من شرح الاحياء للمحدث الزبيدي
    المسمى " اتحاف السادة المتقين " وهو غالب المجلد الثاني منه. 6 - " مقالات
    الكوثري " رحمه الله تعالى، وهو كتاب مفيد جدا فيه عدة مقالات يستفيد منها

    (1/61)

    طالب العلم في أبواب العقائد، ولا يستغنى عن هذا الكتاب طالب علم. (*)
    ===========================================================================

    [79]

    7 - تعليقات المحدث الكوثري على كتاب الامام السبكي " السيف الصقيل في الرد
    على ابن زفيل " وهي المسماة ب‍" تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم "
    وهو كتاب نفيس جدا، ينبغي أن يقرأه طلاب العلم كرات ومرات، والمجسمة
    يحاولون إبعاد أتباعهم عن هذا الكتاب لان كل من قرأه وكان يريد الوصول للحق
    سيكتشف عند قراءته بطلان مذهب التجسيم والتشبيه الذي يدعو إبيه الشيخ
    الحراني وتلميذه ابن زفيل. 8 - بعض شروح الجوهرة مثل: شرح الباجوري عليها
    الذي حققه الشيخ اديب الكيلاني والشيخ تتان جزاهما الله خيرا، فإنه جيد على
    هنات فيه. 9 - متن عقيدة الطحاوي للامام أبي جعفر الطحاوي. 10 - كتاب "
    الاعتقاد " للامام الحافظ البيهقي. 11 - شرحنا على جوهرة التوحيد المسمى "
    عقد الزبرجد النضيد في شرح جوهرة التوحيد " أسأل الله أن ييسر طبعه، فإن
    فيه ما سيغني أهل السنة والجماعة في هذا الباب إن شاء الله تعالى، وإنني
    أقول ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى. 12 - وهناك كثير من الكتب التي لم أذكرها
    والتي يضيق المقام عن سردها كشرح كتاب " الايمان " وكتاب " التوحيد " من "
    فتح الباري " ومؤلفات سعد الدين التفتازاني وغير ذلك.
    ===========================================================================

    [80]

    المحدث الكوثري يعتبر مجدد التوحيد في هذا القرن الذي نقوله وندين الله
    تعالى به أن الامام المحدث محمد زاهد الكوثري عليه الرحمة والرضوان هو مجدد
    التوحيد في القرن الماضي، وهو على رأس من أبطل ورد ما حاولت المجسمة
    وأذنابهم تثبيته عند عوام المسلمين من العقائد الفاسدة. وقد ألف الامام
    الكوثري رحمه الله تعالى كتبا، وحقق وعلق على أخرى، تعليقات نفيسة تغني عن

    (1/62)

    عشرات المجلدات كشف فيها تلاعبات وتضليلات وتمويهات قامت بها فئة المتمسلفين
    والشيخ الحراني وتلميذه ابن زفيل الزرعي المسمى بابن القيم. ولهذا الجهد
    العظيم الذي قام به جزاه الله به عنا خير الجزاء تجد المجسمة والمشبهة من
    بعد مماته لا يتركون سبه وشتمه أينما لاحت لهم الفرص، وخصوصا الشيخ
    المتناقض!! فإنه لا يخلو كتاب له تقريبا من شتم الامام الكوثري رحمه الله
    والنيل منه، أو تخطئته مع أن أكثر تلك التخطئآت والمؤآخذات غير صحيحة، وقد
    بينا في كتب عديدة لنا من أجلها " التناقضات " أن ذاك المتناقض من أكثر
    الناس خطأ!! وخبطا!! وتناقضا!! ولله في خلقه شؤون!! وإنني أحض طلبة
    العلم على قراءة كتاب " المقالات " و " تبديد الظلام المخيم من نونية ابن
    القيم " للامام الكوثري رحمه الله تعالى وأن يعتنوا بها اعتناء كبيرا
    ويعرفوا ما فيها من الادلة والمسائل والله تعالى الموفق لذلك.
    ===========================================================================

    [81]

    خاتمة هذه المقدمة ولا بد هنا من إعطاء لمحة عن عملنا في كتاب " دفع شبه
    التشبيه " وما يتعلق بذلك فنقول: لقد طبع الكتاب قديما بتعليق المحدث
    الكوثري رحمه الله تعالى وتصدير الشيخ محمد أبو زهرة، ووقفنا على نسخة من
    هذه الطبعة طبع المكتبة التوقيفية / القاهرة كتب في ص (94) منها: " رقم
    الايداع بدار الكتب 4774/ 1976 " وهذه النسخة فيها تحريف وسقط والذي يظهر
    لي أن هذه النسخة لم يشرف على طباعتها الامام المحدث الكوثري رحمه الله
    تعالى، لان المعهود منه دقة ما يحقق ويعلق عليه وقلة الخطأ وندوره فيه.
    وهناك نسخة أخرى مطبوعة من " دفع شبه التشبيه " طبع دار الجنان / بيروت سنة
    1407 ه‍تحقيق محمد منير الامام وقد سماها " الباز الاشهب المنقض على مخالفي
    المذهب " وهذه التسمية خطأ محض وذلك لان هذا الاسم هو لكتاب في الفقه صنفه

    (1/63)

    الحافظ ابن الجوزي كما ذكر في مقدمة " دفع شبه التشبيه " ص (33) من طبعة دار
    الجنان، وقد انغر المحقق بنسخة مخطوطة من الكتاب كتب ناسخها غالطا على
    غلافها " البازي الاشهب المنقض على مخالفي المذهب ". وإنني من باب النصيحة
    الواجبة أقول: لا يجوز الاعتماد على نسخة دار الجنان وتحقيق الاستاذ محمد
    منير الامام لكثرة ما فيها من تحريف وسقط، وعدم ضبط، وأمثال هذه الاشياء،
    لانها تغير المعنى ولا أترك ضرب
    ===========================================================================

    [82]

    بعض الامثلة على ذلك حتى لا يقال بأننا ادعينا دعوى لا دليل عليها فأقول
    ساردا لبعضها مختصرا: 1 - في المتن ص (33) من طبعة دار الجنان: " ورأيت من
    أصحابنا من تكلم في الاصول بما يصلح " اه‍. والصحيح أن يقول: " بما لا
    يصلح " كما في النسخ المخطوطة ونسخة المحدث الكوثري ص (26)، ولان القاضي
    وابن حامد وابن الزاغوفي تكلموا بما لا يصلح في نظر الحافظ ابن الجوزي،
    فهذا فيه تغيير للمعنى بلا شك. 2 - في المتن ص (34) في السطر (4) مذكور ما
    نصه: " وفما ولهوات وأضراسا وجهة هي السبحات ويدين. . . " اه‍. والصحيح:
    " وفما ولهوات وأضراسا، وأضواء لوجهه هي السبحات، ويدين. . " اه‍وعلى
    ذلك أمثلة كثيرة جدا يمكن تتبعها بقراءة المتن المذكور هناك مع المتن
    المذكور في هذا الكتاب. 3 - وقع غلط في عزو بعض الآيات. 4 - عدم اتقان
    التخريج بل عدم تخريج ما يحتاج لتخريج في أكثر الاحاديث، والتي خرجها
    المحقق!! خرجها بأسقم طرق العزو!! وأشهد بأنه لا يتقن هذه الصناعة البتة
    !! ويمكن مقارنة ذلك بتخريجنا وتخريجه في أحاديث كثيرة منها حديث رقم (26)
    مثلا. 5 - عدم ضبط أسماء الرواة من الصحابة عن سيدنا رسول الله صلى الله
    عليه وسلم، فمثلا الحديث رقم (2) قال:
    ===========================================================================

    [83]

    (1/64)

    " روى عبد الرحمن بن عياش رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
    :. . . . ". والصحيح عبد الرحمن بن عائش، ثم أخذ في الحاشية يترجم عبد
    الرحمن بن عياش، وأقول عنه كيف يكون صحابيا يروي عن النبي صلى الله عليه
    وسلم وتنقل فيه قول الامام أحمد: متروك؟!! والحق أن المحقق خلط بين اسم
    صحابي وبين اسم أحد الرواة المتروكين!! 6 - أثبت المحقق!! ص (91) في
    الحديث رقم (15) قوله: " روى القاضي أبو يعلى: عن عبد الله بن عمر موقوفا
    . . " اه‍. وأخذ المحقق في الحاشية يترجم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي
    الله عنهما!! ولم يخرج الحديث الذي جاء به بزعمه!! والصحيح أنه: عبد
    الله بن عمرو بن العاص، فتأملوا هذا الخطأ الفاحش!! 7 - أثبت المحقق ص
    (57) في المتن في آخر سطر قوله: " عن شريك عن أبي نمر عن. . . " اه‍. ثم
    أخذ يترجم شريك النخعي بن عبد الله!! والصحيح: " عن شريك بن أبي نمر "
    وليس " عن أبي نمر " فهذا رجل واحد جعله رجلين ثم أخذ في الحاشية يترجم غيره
    !! وهناك أشياء كثيرة لا أود الآن الاطالة بها والله الموفق.
    ===========================================================================

    [84]

    وقد حاولنا أقصى الممكن في ضبط متن الكتاب " دفع شبه التشبيه " وشكل ما
    يحتاج للحركات كما أننا زدنا لفظة المجسم في حق الثلاثة الذين وصفهم الحافظ
    ابن الجوزي بالتجسيم بين قوسين للتوضيح، وكذلك جعلنا كل عبارة أصلحناها
    لعدم انتظامها بين قوسين، فكل ما بين قوسين هو من تصرفنا وإصلاحنا لكلام
    الحافظ الذي رأيناه غير منتظم، فهو عبارة عن تصحيح كلمة أو نحوها في جملة
    غير منتظمة المعنى، وقد خرجت أحاديث الكتاب، ونثرت فيها من الفوائد
    التوحيدية والحديثية والاصولية وغيرها ما لا يستغني عنها طالب علم ولا محقق
    وغير ذلك، راجيا من الله تعالى الاثابة على هذا العمل وأن يجعل أجره في

    (1/65)

    صحيفتي، وأن يثيب كل من ساعد في إخراجه وأن يختم لنا بالحسنى وبالسعادة
    وأختم بقولي: يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه
    الواصفون، ولا تغيره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال،
    ومكاييل البحار، وعدد قطر الامطار، وعدد ورق الاشجار، وعدد ما أظلم عليه
    الليل وأشرق عليه النهار، لا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا بحر
    ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتيمه
    ، وخير أيامي يوم ألقاك فيه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم، والحمد
    لله رب العالمين. حسن بن علي السقاف
    ===========================================================================

    [85]

    صورة غلاف " دفع شبه التشبيه " من نسخة استنبول مكتبة شهيد علي
    ===========================================================================

    [86]

    صورة آخر صفحة من " دفع شبه التشبيه " من نسخة استنبول مكتبة شهيد علي
    ===========================================================================

    [87]

    غلاف نسخة " دفع الشبه " المخطوطة في مكتبة كربريلي في استنبول تحت رقم 1202
    / 2 مجاميع
    ===========================================================================

    [88]

    الصفحة الاولى من مخطوطة استنبول / كوبريلي
    ===========================================================================

    [89]

    الصفحة الاخيرة من مخطوطة استنبول / كوبريلي
    ===========================================================================

    [90]

    صورة غلاف نسخة " دفع شبه التشبيه " المخطوط في مكتبة أوقاف بغداد تحت رقم
    1377/ 1 مجاميع
    ===========================================================================

    [91]

    صورة الصفحة الاولى من الكتاب من نسخة مكتبة أوقاف بغداد

    (1/66)

    ===========================================================================

    [92]

    صورة آخر صفحة من الكتاب من نسخة مكتبة أوقاف بغداد
    ===========================================================================

    [93]

    دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه تأليف الامام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن
    الجوزي الحنبلي المتوفى سنة 597 ه‍
    ===========================================================================

    [95]

    بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة اعلم وفقك الله تعالى أني لما تتبعت مذهب
    الامام أحمد (1) رحمه الله تعالى رأيته رجلا كبير القدر في العلوم، قد بالغ
    رحمة الله عليه في النظر في علوم الفقه ومذاهب القدماء، حتى لا تأتي مسألة
    إلا وله فيها نص أو تنبيه إلا أنه على طريق السلف (2)، فلم يصنف إلا
    المنقول، فرأيت مذهبه خاليا من التصانيف التي كثر جنسها عند الخصوم. فصنفت
    تفاسير مطولة منها " المغنى " مجلدات و " زاد المسير "، و " تذكرة الاريب "
    ، وغير ذلك.

    ===========================================================================
    (1) ولد سنة 164 ه‍وتوفي سنة 241 ه‍ببغداد أي أنه عاش 77 سنة تقريبا. (2)
    وخصوصا في الصفات فإنه كان يؤول ما يحتاج لتأويل ويفوض الباقي، فقد ثبت عنه
    أنه أول قوله تعالى: (وجاء ربك) بجاء ثوابه، رواه عنه الحافظ البيهقي كما
    نقل ذلك عنه ابن كثير في البداية (10/ 327). وله تأويلات أخرى ليس هذا
    مكان بسطها، وأما ما يدعيه بعض الناس اليوم من أنه هو والسلف كانوا يثبتون
    المعنى أو الظاهر من اللنظ ويفوضون الكيف فليس بصحيح، وخصوصا أن كلامه -
    الامام أحمد - رحمه الله ينافي ذلك صريحا. فقد روى الخلال بسند صحيح عن
    الامام احمد وقد سئل عن أحاديث الصفات فقال: " نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف
    ولا معنى " وهذا هو التفويض بعينه وهو الاعلم (*)

    (1/67)

    ===========================================================================

    [96]

    وفي الحديث: كتبا منها " جامع المسانيد "، و " الحدائق "، و " نفي النقل
    "، وكتبا كثيرة في الجرح والتعديل، وما رأيت لهم " تعليقة " في الخلاف إلا
    أن القاضي أبا يعلى (3) قال: كنت أقول ما لاهل المذاهب يذكرون الخلاف مع
    خصومهم ولا يذكرون أحمد؟ ثم عذرتهم، إذ ليس لنا تعليقة في الفقه. قال:
    فصنفت لهم تعليقة.

    ===========================================================================
    والاحكم والاسلم. لا سيما وأئمة السلف ينفون عن الله تعالى الكيف كما سيأتي
    عن الامام مالك، وأما المجسمة فيثبتون الكيف فيقولون: " ونفوض الكيف " مع
    أن الله تعالى لا كيف له، وهم يصرون على أن لله تعالى كيفا، وينقلون عن
    الامام مالك رحمه الله تعالى كلمة محرفة عنه ليوهموا البسطاء ويقنعوهم
    بإثبات الكيف فيقولون: قال مالك: " الاستواء معلوم والكيف مجهول ". وهذا
    افتراء على الامام مالك رحمه الله تعالى لانه لم يقل ذلك ولكنه قال كما في
    الفتح (13/ 406 - 407): " الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ولا يقال
    عنه كيف وكيف عنه مرفوع " وهذا قول السيدة أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه
    وسلم وهي أول من سئل عن ذلك، وقد ذكرنا في كتابنا - عقيدة أهل السنة
    والجماعة - نقلا عن " الفتح " أن البيهقي روى باسناد جيد عن عبد الله بن وهب
    قال: كنا عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله: (الرحمن على العرش
    استوى) كيف استوى؟ فقال مالك: " الرحمن على العرش استوى كما وصف به نفسه
    ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع وما أراك إلا صاحب بدعة أخرجوه " اه‍. فأنت
    ترى أن السيدة أم سلمة والامام مالك ينفيان الكيف عن الله وكذلك أحمد بن
    حنبل يقول: " ولا كيف ولا معنى " وقد نقل الحافظ في " الفتح " ذلك عن ربيعة
    الرأي رحمه الله تعالى أيضا، وكل ذلك ينسف ما قدمناه من قول المجسمة

    (1/68)

    المتظاهرين بالتمسك بطريق السلف. والله الموفق. (3) هو محمد بن الحسين بن
    محمد بن خلف الفراء البغدادي (أبو يعلى) وابنه هو صاحب الطبقات الحنابلة ".
    قال الحافظ ابن الاثير في كامله في حوادث سنة تسع وعشرين وأربعمائة ما نصه:
    (*)
    ===========================================================================

    [97]

    قلت: وتعليقته لم يحقق فيها بيان الصحة والطعن في المردود، وذكر فيها
    أقيسة طردية. ورأيت من يلقي الدرس من أصحابنا من يفزع إلى تعليقة الاصطلام
    أو تعليقة أسعد، أو تعليقة العاملي، أو تعليقة الشريفة ويستعير منها
    استعارات. فصنفت لهم تعاليق منها " كتاب الانصاف في مسائل الخلاف " ومنها "
    جنة النظر وجنة الفطر " ومنها " عمدة الدلائل في مشهور المسائل "، ثم رأيت
    جمع أحاديث التعليق التي يحتج بها أهل المذاهب، وبينت تصحيح الصحيح، وطعن
    المطعون فيه وعملت كتابا في المذاهب أدخلتها فيه، وسميته " الباز الاشهب
    المنقض على مخالفي المذهب " وصنفت في الفروع كتاب " المذهب في المذهب "
    وكتاب " مسبوك الذهب " وكتاب " البلغة " وكتاب " منهاج الوصول إلى علم
    الاصول " وقد بلغت مصنفاتي مائتين وخمسين مصنفا. ورأيت من أصحابنا من تكلم
    في الاصول (4) بما لا يصلح، وانتدب

    ===========================================================================
    " وفيها أنكر العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات
    الله سبحانه وتعالى، المشعرة بأنه يعتقد التجسيم، وحضر أبو الحسن القزويني
    الزاهد بجامع المنصور وتكلم في ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا
    كبيرا ". اه‍وقال في حوادث سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ما نصه: " وفيها
    توفي أبو يعلى الفراء الحنبلي، وهو مصنف كتاب الصفات، أتى فيه بكل عجيبة،
    وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك ". اه‍قلت: وقد

    (1/69)

    طبع الآن الجزء الاول من كتاب أبي يعلى هذا الذي أتى فيه بكل عجيبة ونحن نود
    أن يطلع أهل العلم عليه، ليدركوا حقيقة التجسيم الذي وقعت فيه هذه الطائفة
    وقد جعل ابن الجوزي رحمه الله تعالى كتابه هذا " دفع شبه التشبيه " ردا
    على ذلك الكتاب خاصة وعلى كتب المجسمة عامة. وأبطل لهم استدلالاتهم بما
    يسمونه بأحاديث الصفات. (4) أي في علم التوحيد الذي هو أصل الدين. (*)
    ===========================================================================

    [98]

    للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد (5). وصاحبه القاضي (6)، وابن

    ===========================================================================
    (5) قال الامام المحدث الكوثري رحمه الله تعالى مترجما له في تعليقه على "
    دفع شبه التشبيه " هو شيخ الحنابلة أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي
    البغدادي الوراق المتوفى سنة ثلاث وأربعمائة، كان من أكبر مصنفيهم، له شرح
    أصول الدين، فيه طامات سيورد المصنف بعضها، ولديه تخرج القاضي أبو يعلى
    الحنبلي اه‍. قلت: ترجمه الذهبي في " سير أعلام النبلاء " في المجلد (17)
    وذكره ابن الاثير في الكامل (9/ 242) وغيرهما. (6) قال الامام المحدث
    الزاهد الكوثري رحمه الله تعالى في ترجمته: هو القاضي أبو يعلى محمد بن
    الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الحنبلي المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة
    ، وفيه يقول أبو محمد التميمي ما معناه: لقد شان أبو يعلى الحنابلة شينا لا
    يغسله ماء البحار، على ما نقله ابن الاثير وأبو الفداء. وعزا في طبقاته
    إلى الامام أحمد ما يبعد أن يصح عنه كل البعد. ونقل ابن بدران الدشتى في
    جزء إثبات الحد عن كتاب الاصول لابي يعلى هذا ما هو أفظع مما سينقله المصنف
    عنه في التشبيه على تضارب في أقواله بين تنزيه وتشبيه. ولا يخفى على الناظر
    أنه غير الحافظ أبي يعلى أحمد بن علي الموصلي صاحب المسند وراوي كتب أبي

    (1/70)

    يوسف عن بشر بن الوليد. اه‍. والعجيب الغريب وإن كان لا عجب من حشوية
    الحنابلة أن الحافظ أبا بكر ابن العربي قال في العواصم (2/ 283): " أخبرني
    من أثق به من مشيختي أن القاضي أبا يعلى الحنبلي كان إذا ذكر الله سبحانه
    يقول فيما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى: " ألزموني ما شئتم فاني
    التزمه إلا اللحية والعورة " قال بعض أئمة أهل الحق وهذا كفر قبيح واستهزاء
    بالله تعالى وقائله جاهل به تعالى لا يقتدى به ولا يلتفت إليه ولا متبع
    لامامه الذي ينتسب إليه ويتستر به بل هو شريك للمشركين في عبادة الاصنام
    فإنه ما عبد الله ولا عرفه، وإنما صور صنما في نفسه تعالى الله عما يقول
    الملحدون والجاحدون علوا كبيرا " اه‍. وفي كامل ابن الاثير (10/ 52) نقلا
    عن العلامة أبي محمد التميمي ما معناه: " لقد شان أبو يعلى الحنابلة شينا
    لا يغسله ماء البحار ". اه‍. فانظرها هناك لزاما. (*)
    ===========================================================================

    [99]

    الزاغوني (7) فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب (8)، ورأيتهم قد نزلوا إلى
    مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس (9). فسمعوا أن الله تعالى
    خلق آدم على صورته، فأثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات، وعينين وفما
    ولهوات وأضراسا وأضواء لوجهه هي السبحات ويدين

    ===========================================================================
    (7) هو أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر الزاغوني الحنبلي المتوفى سنة
    (527) ه‍وهو من مشايخ ابن الجوزي رحمه الله تعالى الذين رد عليهم كما تجده
    في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، له كتاب " الايضاح " فيه من غرائب
    التشبيه ما يحار فيه النبيه. قال الذهبي في ترجمته من " سير أعلام النبلاء
    " (19/ 607): " ورأيت لابي الحسن بخطه مقالة في الحرف والصوت عليه فيها
    مآخذا والله يغفر له، فيا ليته سكت " اه‍أي ولم ينطق بذلك التخليط. (8)

    (1/71)

    وكمثل كتب " السنة " التي صنفوها ومعناها عندهم: كتب العقائد، احتجوا فيها
    لاثبات عقائدهم بالموضوعات والواهيات والاسرائيليات من الاخبار، بل احتجوا
    بأقوال بعض التابعين التي لم تثبت عنهم والتي تفيد التشبيه، بل تنص على
    التشبيه الصريح وجعلوا من ينكرها كافرا زنديقا جهميا، ومثال ذلك: ما يجده
    من يطالع " سنة " الخلال الذي نقل في كتابه ذاك عن مجاهد أنه قال في معنى
    قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) أن المقام المحمود هو إجلاس
    سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بجنب ربهم على العرش الذي يزعمون أن معبودهم
    عليه، وذلك في الفراغ المتبقي بعد جلوس الرب عليه بزعمهم، والبالغ أربعة
    أصابع!! فلا ندري هل هي بأصابع معبودهم أم بأصابع سيدنا محمد صلى الله
    عليه وسلم أم بأصابع الخلال أم أبي يعلى!! وجعل الخلال في كتابه المذكور
    منكر ذلك كافرا جهميا زنديقا!! وأعرض عن الاحاديث الصحيحة الثابتة في
    الصحيحين في تفسير المقام المحمود بالشفاعة فلا ندري ما موقف أمثال الخلال
    من أحاديث الصحيحين تلك!! (9) وهم يتخيلون معبودهم على صورة إنسان وعلى
    ذلك يقيسون لان القياس لا يدخل عندهم في العبادات وانما يدخل في العقائد،
    ولا عجب فقد أظهر لنا بعض مقلديهم في هذا الزمان كتابا سماه " عقيدة أهل
    الايمان في خلق آدم على صورة الرحمن " فإذا لم يكن هذا تشبيها فما ندري ما
    هو التشبيه!! (*)
    ===========================================================================

    [100]

    وأصابع وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا وساقين ورجلين. وقالوا: ما سمعنا
    بذكر الرأس. وقالوا: يجوز أن يمس ويمس، ويدني العبد من ذاته. وقال بعضهم
    : ويتنفس. ثم يرضون العوام بقولهم: لا كما يعقل (10). وقد أخذوا بالظاهر
    في الاسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من
    النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى

    (1/72)

    المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث،
    ولم يقنعوا بأن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها
    صفات ذات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة مثل يد على نعمة وقدرة (11)
    ومجئ وإتيان على معنى بر ولطف (12)، وساق على شدة (13)، بل قالوا: نحملها
    على

    ===========================================================================
    (10) ومن الامعان في التيه أيضا ذكرهم لآية (ليس كمثله شئ) بعد كلامهم فيما
    يريدون من إثبات التشبيه والتمثيل، وكذا قول بعضهم التشبيه هو أن تقول:
    رجل كرجلي ويد كيدي وهذا كلام غمر لا يعرف أن هذا هذيان فارغ، فإذا أثبت
    رجلا وقدما وذراعين وصدرا وعينين ووجها وغير ذلك إلا اللحية والعورة كما قال
    أحد أئمتهم فأي معنى لقولهم بعد ذلك: بلا تشبيه ولا تمثيل؟!!. . رزقنا
    الله الفهم. (11) وقد ثبت في اللغة أن جمع يد وهي الكف أيد كما في القاموس
    وغيره في مادة (يدى) وقد استعملت العرب (الايد) بمعنى القوة، وهي جمع يد،
    لان الانسان يستعمل قوته في أغلب أحيانه بواسطة يديه. ومنه (أم لهم أيد
    يبطشون بها) (12) وقد ثبت كما قدمنا أن الامام أحمد رحمه الله تعالى أول قول
    الله تعالى (وجاء ربك) بمعنى (جاء ثوابه) كما هو ثابت عنه بالاسناد الصحيح
    في البداية والنهاية (10/ 327). (13) ثبت عن سيدنا ابن عباس رضي الله
    عنهما كما في تفسير الطبري وغيره تأويل (*)
    ===========================================================================

    [101]

    ظواهرها المتعارفة والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين، والشئ إنما يحمل
    على حقيقته إذا أمكن، ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم
    ويقولون: نحن أهل السنة (14)، وكلامهم صريح في التشبيه وقد تبعهم خلق من
    العوام. فقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل

    (1/73)

    وإمامكم الاكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: " كيف أقول ما لم يقل "
    فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، ثم قلتم في الاحاديث، تحمل على
    ظاهرها (15). وظاهر القدم الجارحة، فإنه لما قيل في عيسى

    ===========================================================================
    قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) أي يوم يشتد الامر كما تقول العرب في الحرب
    عند اشتدادها: كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصراح وقد بسط الكلام فيه
    الحافظ في " فتح الباري " (13/ 428) وحديث ابن عباس أخرجه البيهقي في
    الاسماء والصفات ص (437) بسند صحيح. وأما لفظة " ساقه " بإثبات الهاء فهي
    لفظة غير محفوظة وهي مردودة كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح (8 /
    664) نقلا عن الحافظ الاسماعيلي وأقره. هذا معنى كلامه. (14) ويتفلسف
    بعضهم فيقول: " علامة المعطلة أنهم يرمون أهل السنة بالحشوية والمشبهة
    والمجسمة " وهذا كلام لا معنى له ولا قيمة له عندنا، ومن ثبت عليه التشبيه
    فإنه لن ينفعه ترديد مثل هذه العبارة. (15) وبعضهم يقول على حقيقتها،
    وأسخف من ذلك من أنكر المجاز في لغة العرب وفي القرآن وفي السنة، وقد
    التقيت بأعمى من هذه الطائفة ينكر المجاز في القرآن ويثبته باسم آخر فيسميه
    : ما يجوز في اللغة، فسألته قائلا: إذا كنت ممن يقولون أنه لا مجاز في
    القرآن الكريم وأن الالفاظ على ظواهرها دائما فما تقول في قوله تعالى: (ومن
    كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا)؟ فتلجلج لسانه ولم يدر ما
    يقول!! (*)
    ===========================================================================

    [102]

    روح الله اعتقدت النصارى أن لله صفة هي روح ولجت في مريم، ومن قال: استوى
    بذاته فقد أجراه مجرى الحسيات، وينبغى أن لا يهمل ما يثبت به الاصل وهو
    العقل (16)، فإنا به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم
    :

    (1/74)

    نقرأ الاحاديث ونسكت، ما أنكر عليكم أحد، إنما حملكم إياها على الظاهر
    قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه. ولقد كسيتم
    هذا المذهب شينا قبيحا حتى صار لا يقال حنبلي إلا مجسم (17)، ثم زينتم
    مذهبكم أيضا بالعصبية ليزيد بن معاوية (18) ولقد علمتم أن صاحب المذهب أجاز
    لعنته، وقد كان أبو محمد التميمي يقول في بعض أئمتكم: لقد شان المذهب شينا
    قبيحا لا يغسل إلى يوم القيامة.

    ===========================================================================
    (16) وقد مدح الله تعالى في كتابه أولي الالباب والذين يتفكرون في خلق
    السموات الارض ولا يتأتى ذلك إلا بالعقل الذي هو مناط التكليف. وقد صنف بعض
    أئمة المجسمة كتابا ادعى فيه الجمع بين صحيح المنقول وصريح المعقول ليظهر
    أنهم يستعملون عقولهم في فهم كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم
    ولكن لم يوفق لذكر العقيدة السليمة في كتابه ذاك، إذ أثبت فيه قدم العالم
    نوعا كما أثبت الحركة والحد لله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
    (17) قال الامام التاج عبد الوهاب السبكي المتوفى سنة 771 في كتابه " معيد
    النعم ومبيد النقم " ص (62): " وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء
    الحنابلة ولله الحمد في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة،
    يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الاشعري رحمه الله تعالى لا
    يحيد عنها إلا. . . رعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم. . . " اه‍
    باختصار. (18) قال العلامة ابن الاثير في كتابه " الكامل " (3/ 487): "
    قال الحسن البصري: أربع خصال كن في معاوية، لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت
    موبقة: إنتزاؤه على هذه الامة بالسيف حتى أخذ الامر من غير مشورة وفيهم
    بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه - يزيد - سكيرا خميرا (*)
    ===========================================================================

    (1/75)

    [103]

    ===========================================================================
    يلبس الحرير ويضرب بالطنابير - أي العود وهو من آلات اللهو - وادعاؤه زيادا
    ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ".
    وقتله حجرا - وهو أحد الصحابة العباد - وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر!
    ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر! " انتهى كلام ابن الاثير وما بين الشرطتين
    إيضاح مني. وحجر بن عدي رضي الله عنه صحابي مترجم في " سير أعلام النبلاء "
    (2/ 463) والاصابة (1/ 329 طبعة دار الكتب العلمية). وقد فشا النصب بين
    الحنابلة وهو بغضهم لآل البيت أو عدم احترامهم لهم وموالاة طائفة معاوية أو
    الدفاع عنها بالحجج التي هي أوهى من بيت العنكبوت، ويأبى الله إلا أن يتم
    نوره، ونحن نجد في هذه الايام من يفتخر بالانتساب لآل النبي صلى الله عليه
    وسلم وخصوصا لسيدنا الحسن ولسيدنا الحسين إبني سيدنا علي والسيدة فاطمة
    عليهم السلام والحمد لله تعالى، ولا نجد من يفتخر بالانتساب إلى معاوية
    وذريته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقد ثبت في صحيح مسلم (4/ 1873
    برقم 2408) وغيره من حديث سيدنا زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: " قام رسول
    الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا. بماء يدعى خما بين مكة والمدينة
    ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: " أما بعد. ألا أيها
    الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين
    : أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث
    على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: " وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي،
    أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ". وفي رواية الترمذي
    (5/ 663 برقم 3788) " عترتي " ولفظه " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن
    تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى

    (1/76)

    الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف
    تخلفوني فيهما ". فقال له حصين - وهو الراوي عن سيدنا زيد بن أرقم - ومن
    أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن
    أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل،
    وآل جعفر، وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وارجع إلى
    التعليق الآتي برقم (181) فإن فيه بعض توسع في هذه المسألة، وتفصيل ذلك في
    رسالة مستقلة آتية إن شاء الله تعالى. (*)
    ===========================================================================

    [104]

    فصل قلت: وقد وقع غلط المصنفين الذين ذكرتهم في سبعة أوجه: أحدها: أنهم
    سموا الاخبار أخبار صفات، وإنما هي إضافات، وليس كل مضاف صفة، فإنه قال
    سبحانه وتعالى: (ونفخت فيه من روحي " الحجر: 29. وليس لله صفة تسمى روحا
    ، فقد ابتدع من سمى المضاف صفة. الثاني: أنهم قالوا: إن هذه الاحاديث من
    المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم قالوا: نحملها على ظواهرها،
    فواعجبا!! ما لا يعلمه إلا الله أي ظاهر له. .؟! فهل ظاهر الاستواء إلا
    القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال. . الثالث: أنهم أثبتوا لله تعالى
    صفات، وصفات الحق لا تثبت إلا بما يثبت به الذات من الادلة القطعية. وقال
    ابن حامد (المجسم): من رد ما يتعلق به بالاخبار الثابتة فهل يكفر؟ على
    وجهين، وقال: غالب أصحابنا على تكفير من خالف الاخبار في الساق والقدم
    والاصابع والكف ونظائر ذلك وإن كانت أخبار آحاد لانها عندنا توجب العلم (19)
    قلت: هذا قول من لا يفهم الفقه ولا العقل.

    ===========================================================================
    (19) خبر الآحاد - الواحد - لا يوجب العلم إنما يوجب العمل ولا يفيد إلا
    الظن رغم محاولة بعض المجسمة وأتباعهم قلب الحقائق، والمقرر في الكتاب

    (1/77)

    والسنة والذي عليه عمل الصحابة وأئمة السلف والمحدثين أن خبر الآحاد يفيد (*)
    ===========================================================================

    [105]

    الرابع: أنهم لم يفرقوا في الاحاديث بين خبر مشهور كقوله: " ينزل إلى
    السماء الدنيا " وبين حديث لا يصح كقوله: " رأيت ربي في أحسن صورة " بل
    أثبتوا بهذا صفة وبهذا صفة.

    ===========================================================================
    الظن ولا يفيد العلم، وأنه لا تثبت به أصول العقائد ولنذكر بعض أدلة ذلك:
    ثبت في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين للناس:
    (أصدق ذو اليدين ا؟! وهو خبر واحد وهو ثقة صحابي ولم يفد ذلك عند رسول
    الله صلى الله عليه وسلم إلا الظن، فلما تأكد من الناس من خبره تيقن أنه
    صلى ركعتين فأتم ركعتين. . وهذا شئ مشهور وأما الصحابة: فقال الحافظ
    الذهبي في تذكرة الحفاظ (1/ 2): " وكان - أبو بكر - أول من احتاط في قبول
    الاخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذويب أن: الجدة جاءت إلى أبى بكر
    تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله
    صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة، فقال:
    حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟
    فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه " رواه أحمد
    (4/ 225) وابن الجارود (959) والحاكم (4/ 338) وصححه وأقره الذهبي وهو
    ثابت. وكذا ثبت في البخاري (فتح 11/ 27) ومسلم وعند غيرهم أن سيدنا عمر
    رضي الله عنه طلب من أبي موسى أن يأتيه ببينة على حديث " إذا سلم أحدكم
    ثلاثا فلم يجب فليرجع " وصح في المسند (1/ 10) وغيره أن سيدنا علي كان
    يستحلف من حدثه، وكل ذلك وغيره كثير مما بسطته في " عقد الزبرجد النضيد في
    شرح جوهرة التوحيد " يثبت أن خبر الواحد كان لا يفيد العلم عند الصحابة

    (1/78)

    وانما يفيد الظن. وكذلك أئمة المحدثين من السلف والخلف كالبخاري (الفتح 13
    / 231) والشافعي التمهيد (1/ 7) والخطيب البغدادي (الكفايه ص 432) وابن عبد
    البر التمهيد (1/ 7) والبيهقي (الاسماء والصفات ص 357) والحافظ ابن حجر
    الفتح (13/ 231) والنووي والذهبي (تذكرة الحفاظ 1/ 2). (*)
    ===========================================================================

    [106]

    الخامس: أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -
    وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا. السادس
    : أنهم تأولوا بعض الالفاظ في موضع ولم يتأولوها في موضع آخر كقوله: " من
    أتاني يمشي أتيته هرولة ". قالوا: هذا ضرب مثل للانعام. وروي عن عمر بن
    عبد العزيز أنه قال: " إذا كان يوم القيامة جاء الله يمشي " (20) فقالوا:
    نحمله على ظاهره. قلت: فواعجبا!! ممن تأول حديث رسول الله صلى الله عليه
    وسلم ولا يتأول كلام عمر بن عبد العزيز (21). السابع: أنهم حملوا الاحاديث
    على مقتضى الحس فقالوا: ينزل بذاته (22) وينتقل ويتحرك، ثم قالوا: لا كما
    يعقل. فغالطوا من يسمع

    ===========================================================================
    (20) وهذا كذب مروي عن عمر بن عبد العزيز وضعه عليه بعض أعداء الاسلام الذين
    كانوا قد اندسوا بين الرواة. (21) أي على فرض ثبوته عنه، مع أن قول
    التابعي ليس من حجج الشرع. (22) وزبادة لفظة بذاته خطيرة جدا في باب
    التوحيد، لانها توجب التجسيم الصريح، لا سيما وأنها لم ترد في كتاب ولا
    سنة، والاصل: لا يجوز وصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، فأين وردت
    لفظة " بذاته " في الكتاب والسنة؟!! وإنني أعجب جد العجب ممن يمنع إطلاق
    لفظة " ستار " على الله تعالى ويقول بل: " ستير " مع أنه لا فرق بينهما
    تقريبا ثم يأتي بلفظة " بذاته " فيضيفها إلى الله تعالى، ويزيد عليها

    (1/79)

    الحركة والانتقال ليتم تحقيق التجسيم في أعرض صوره، والعجب من ابن تيمية
    الذي يثبت الحركة والانتقال في " الموافقة " (2/ 4) بهامش منهاج سنته
    وينسبه للسلف وليس الامر كما قال، وكلام السلف ليس من حجج الشرع!! (*)
    ===========================================================================

    [107]

    فكابروا الحس والعقل فحملوا الاحاديث على الحسيات، فرأيت الرد عليهم لازما
    لئلا يتسب الامام إلى ذلك، وإذا سكت نسبت إلى اعتقاد ذلك، ولا يهولني أمر
    عظيم في النفوس لان العمل على الدليل، وخصوصا في معرفة الحق لا يجوز فيه
    التقليد (23). فصل فإن قال قائل: ما الذي دعى رسول الله صلى الله عليه
    وسلم أن يتكلم بألفاظ موهمة للتشبيه؟ قلنا: إن الخلق غلب عليهم الحس فلا
    يكادون يعرفون غيره، وسببه المجانسة لهم في الحديث، فعبد قوم النجوم
    وأضافوا إليها المنافع والمضار، وعبد قوم النور وأضافوا إليه الخير،
    وأضافوا الشر إلى الظلمة، وعبد قوم الملائكة، وقوم الشمس وقوم عيسى، وقوم
    عزير، وعبد قوم البقر والاكثرون الاصنام فآنست نفوسهم بالحس المقطوع بوجوده
    ولذلك قال قوم (سيدنا) موسى عليه السلام: (إجعل لنا إلها) الاعراف: 137،
    فلو جاءت الشرائع بالتنزيه المحض جاءت بما يطابق النفي فلما قالوا: " صف
    لنا ربك " نزلت (قل هو الله أحد) الاخلاص: 1، ولو قال لهم ليس بجسم ولا
    جوهر ولا عرض ولا طويل ولا عريض ولا يشغل الامكنة ولا يحويه مكان ولا جهة من
    الجهات الست وليس بمتحرك ولا ساكن ولا يدركه الاحساس لقالوا: حد لنا النفي
    بأن تميز ما تدعونا إلى عبادته عن النفي وإلا فأنت تدعو إلى عدم.

    ===========================================================================
    (23) فأين هذا التحقيق العلمي الدقيق الذي تعضده الادلة من كلام من يجعل
    قولا لعبد الله بن المبارك وقولا لابي زرعة وغيرهما من الحجج التي لا تقبل
    الرد في باب التوحيد وغيره؟!! (*)

    (1/80)

    ===========================================================================

    [108]

    فلما علم الحق سبحانه ذلك جاءهم بأسماء يعقلونها من السمع والبصر والحلم
    والغضب، وبنى البيت وجعل الحجر بمثابة اليمين المصافحة، وجاء بذكر الوجه
    واليدين والقدم والاستواء والنزول لان المقصود الاثبات فهو أهم عند الشرع من
    التنزيه، وإن كان التنزيه منها، ولهذا قال للجارية: أين الله (24)، وقيل
    له: أيضحك ربنا (25)؟ قال: نعم، فلما أثبت وجوده بذكر صور الحسيات نفى
    خيال التشبيه بقوله (ليس كمثله شئ) الشورى: 11، ثم لم يذكر الرسول
    الاحاديث جملة وإنما كان يذكر الكلمة في الاحيان فقد غلط من ألفها أبوابا
    على ترتيب صورة غلطا قبيحا (26)، ثم هي بمجموعها يسيرة، والصحيح منها

    ===========================================================================
    (24) هذا لو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا اللفظ: (أين الله)
    ولم يثبت مع أنه في صحيح الامام مسلم رحمه الله تعالى، وذلك لانه ورد في
    غير صحيح مسلم بأسانيد صحيحة أنه قال لها: " أتشهدين أن لا إله إلا الله "
    فتبين أن الاختلاف من تصرف الرواة الذين رووا الحديث، فصار لفظ " أين الله
    " محل احتمال، وما طرأ فيه الاحتمال سقط به الاستدلال، وفرق بين " أين
    الله " التي تدل على المكان الذي يتعالى الله أن يحل فيه، وبين " أتشهدين
    أن لا إله إلا الله " الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يطالب به الناس
    ويمتحنهم به. ونحن نقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لفظ " أين
    الله " وانما قال: " أتشهدين ان لا إله إلا الله " الذي رواه احمد في مسنده
    (3/ 452) وعبد الرزاق في المصنف (9/ 175) والبزار (1/ 14 كشف الاستار)
    والدارمي (2/ 187) والبيهقي (10/ 57) والطبراني (12/ 27) وابن الجارود
    (931) وابن أبي شيبة (11/ 20) وغيرهم بأسانيد صحيحه. (25) لقد أول الامام

    (1/81)

    البخاري رحمه الله تعالى " الضحك " بالرحمة فيما نقله عنه الحافظ البيهقي في
    كتابه العظيم " الاسماء والصفات " (ص 298 بتحقيق الامام المحدث الكوثري رحمه
    الله تعالى) ويصح تأويله أيضا بالرضى. (26) كابن خزيمة في كتابه التوحيد
    الذي سماه الامام الفخر الرازي في تفسيره (14/ 27 / 151) كتاب الشرك، وقد
    ندم ابن خزيمة على تصنيفه ورجع عنه (*)
    ===========================================================================

    [109]

    يسير: ثم هو عربي (27) وله التجوز (28)، أليس هو القائل: " تأتي البقرة
    وآل عمران كأنهما غمامتان أو فرقان من طير صاف " (29)، " ويؤتى بالموت في
    صورة كبش أملح فيذبح " (30)؟!. فإن قيل لم سكت السلف عن تفسير الاحاديث
    وقالوا: أمروها كما جاءت (31)؟

    ===========================================================================
    كما جاء عنه بإسنادين في كتاب " الاسماء والصفات " للحافظ البيهقي (ص 267
    بتحقيق المحدث الكوثري)، ومثل كتاب التوحيد لابن خزيمة كتاب " السنة "
    المنسوب لابن أحمد وكذلك " سنة الخلال " وأمثال هذه الكتب التي تحمل في
    طواياها تجسيما صريحا وروايات تالفة. (27) يعني سيدنا النبي صلى الله عليه
    وسلم. (28) أي له أن يستعمل المجاز الذي ينكره بعض المبتدعة. (29) هو حديث
    مسلم (1/ 553 برقم 804) عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول
    الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إقرأوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة
    شفيعا لاصحابه. إقرأوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم
    القيامة كأنهما غمامتان. أو كأنهما غيايتان. أو كأنهما فرقان من طير صواف
    ، تحاجان عن أصحابهما. إقرأوا سورة البقرة. فإن أخذها بركة، وتركها حسرة
    ، ولا يستطيعها البطلة ". قال معاوية بن سلام أحد رواة هذا الحديث: بلغني
    أن البطلة: السحرة. هكذا وقع في مسلم. قلت: والغياية: كل شئ أظل

    (1/82)

    الانسان فوق رأسه، ومعنى صواف: هو جمع صاف في الهواء، لان الطير تصف في
    الهواء أجنحتها. وهذا الحديث في مسند أحمد (5/ 249) أيضا، وتاريخ الخطيب
    (6/ 537) بنحوه وغيرهما. وجاء عن أحمد أنه أول هذا الحديث فقال: " جاء
    ثوابهما " أنظر ص (14). (30) رواه البخاري (فتح 8/ 428) ومسلم وغيرهما.
    (31) والحق كما نقل المصنف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب أن السلف أولوا
    بعض الاضافات ولم يعتبروها صفات لله تعالى فالتأويل والتفويض قد وردا عن
    السلف بطرق لا يستطيع إنكارها أحد. ومنه يتبين فساد قول من قال: " إن
    التفويض من شر أقوال أهل البدع والالحاد " (*)
    ===========================================================================

    [110]

    قلت لثلاثة أوجه: أحدها: أنها ذكرت للايناس بموجود فإذا فسرت لم يحصل
    الايناس مع أن فيها ما لا بد من تأويله كقوله تعالى (وجاء ربك) الفجر: 22،
    أي جاء أمره (32). وقال أحمد بن حنبل: وإنما صرفه إلى ذلك أدلة العقل فإنه
    لا يجوز عليه الانتقال. والوجه الثاني: أنه لو تأولت اليد بمعنى القدرة
    جاز أن يتأول بمعنى القوة فيحصل الخطر بالصرف عما يحتمل. والثالث: أنهم لو
    أطلقوا في التأويل اتسع الخرق فخلط المتأول، فإذا سأل العامي عن قوله تعالى
    : (ثم استوى على العرش) الاعراف: 53، قيل له: الاستواء معلوم (33) والكيف
    غير معقول (34) والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وإنما فعلنا هذا لان
    العوام لا يدركون الغوامض.

    ===========================================================================
    وكذلك قول من يضلل المؤولين والمفوضين، أنظر موافقة صريح المعقول المطبوع
    على هامش منهاج البدعة (1/ 118) والتعليق على سنة ابن أبي عاصم ص (212 من
    طبعة المكتب الاسلامي الثانية)!!. (32) وقد ثبت هذا التأويل عن الامام
    أحمد الذي تتظاهر المجسمة بالانتساب إليه بالاسناد الصحيح في كتاب: " مناقب

    (1/83)

    أحمد " للحافظ البيهقي (مخطوط) وقد نقله منه ابن كثير في " البداية والنهاية
    " (10/ 327) بسند البيهقي الصحيح عن الامام أحمد. (33) أي معلوم ذكره في
    القرآن في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى). (34) والذي يقول: "
    والكيف مجهول " غلط غلطا كبيرا، لانه بذلك يثبت لله تعالى كيفية لكنها
    مجهولة لنا، والامام مالك الذي ينقلون عنه هذه العبارة ويضعون فيها لفظ "
    والكيف مجهول " لم يقل ذلك وانما قال كما هو ثابت عنه " والكيف غير معقول "
    فتنبه، وقد بسطت ذلك في كتابي: " عقيدة أهل السنة والجماعة " وقد تقدم ذلك
    ، وانظر الفتح (13/ 406 / 13 و 407). (*)
    ===========================================================================

    [111]

    فصل وكان الامام أحمد يقول: أمروا الاحاديث كما جاءت وعلى هذا كبار أصحابه
    كإبراهيم الحربي (35)، ومن كبار أصحابنا أبو الحسن التميمي، وأبو محمد رزق
    الله بن عبد الوهاب (36)، وأبو الوفاء ابن عقيل (37) فنبغ الثلاثة الذين
    ذكرناهم ابن حامد، والقاضي أبو يعلى، والزاغوني. وقد سئل الامام أحمد عن
    مسألة فأفتى فيها فقيل له: هذا لا يقول به ابن المبارك، فقال: ابن
    المبارك لم ينزل من السماء (38). وقال الامام الشافعي رضي الله عنه:
    استخرت الله تعالى في الرد على الامام مالك (39).

    ===========================================================================
    (35) الامام الحافظ المشهور المتوفى سنة 285 ه‍، ترجمته في " سير أعلام
    النبلاء " (13/ 356) وهو الذي قال كما في ترجمة معروف الكرخي في " سير
    أعلام النبلاء " (9/ 343): " قبر معروف الترياق المجرب " كما نقلناه عنه
    في كتابنا " الاغاثة " ص (34). (36) مترجم في " السير " (18/ 609) توفي
    سنة 488 ه‍. (37) مترجم في " سير أعلام النبلاء " (19/ 443) توفي سنة 513
    ه‍. (38) وذلك صحيح جدا لان قول رجل من السلف أو أكثر ليست حجة شرعية ومن

    (1/84)

    ذلك يتبين أن ما روي عن ابن المبارك في الحد لو صح عنه ليس نازلا من السماء
    كما بيناه بتوسع وتفصيل في كتابنا: " التنبيه والرد على معتقد قدم العالم
    والحد ". (39) مع كون الامام مالك رحمه الله تعالى من أئمة السلف، فليعتبر
    بذلك من ينقل عنه لفظة: " والكيف مجهول " مع أنه لم يقلها. (*)
    ===========================================================================

    [112]

    ولما صنف هؤلاء الثلاث كتبا، وانفرد القاضي أبو يعلي فصنف الاحاديث التي
    ذكرتها على ترتيبه (40)، وقدم عليها الآيات التي وردت في ذلك (رأيت أن أرد
    كلامه في تلك الاحاديث والآثار مقدما الآيات الشريفة التي وردت في ذلك):

    ===========================================================================
    (40) في كتابه - أعني أبا يعلى - المسمى ب‍" إبطال التأويل " وفيه من أنواع
    التجسيم العجب العجاب، وعندنا نسخة خطية منه رأينا فيها طامات غريبة، وقد
    وقفنا على الجزء المطبوع منه. ونرجو من طلاب العلم أن يطلعوا عليه ليعرفوا
    من أين أتى الحراني بعقائده تلك. وقد تقدم في التعليقات السابقة نقل كلام
    جماعة من أهل العلم كابن الاثير وغيره في ذم أبي يعلى وكتابه المذكور. نسأل
    الله تعالى السلامة. (*)
    ===========================================================================

    [113]

    باب ما جاء في القرآن العظيم من ذلك 1) قال الله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو
    الجلال والاكرام) الرحمن: 27. قال المفسرون: معناه يبقى ربك، وكذا قالوا
    في قوله: (يريدون وجهه) الانعام: 52 أي يريدونه. وقال الضحاك وأبو عبيدة
    في قوله: (كل شئ هالك إلا وجهه) القصص: 88، أي إلا هو، وقد ذهب الذين
    أنكرنا عليهم إلى أن الوجه صفة تختص باسم زائد على الذات. قلت: فمن أين
    قالوا هذا وليس لهم دليل إلا ما عرفوه من الحسيات. . .؟ وذلك يوجب التبعيض
    ،

    (1/85)

    ولو كان كما قالوا: كان المعنى: أن ذاته تهلك إلا وجهه. وقال ابن حامد
    (المجسم): أثبتنا لله وجها ولا نجوز إثبات رأس (1). قلت: ولقد اقشعر بدني
    من جراءته على ذكر هذا فما أعوزه في التشببه غير الرأس. 2) قلت: ومن ذلك
    قوله: (ولتصنع على عيني) طه: 39، (واصنع الفلك بأعيننا) هود: 37. قال
    المفسرون: بأمرنا، أي بمرأى منا، قال أبو بكر بن الانباري: أما جمع
    العين على مذهب العرب في إيقاعها الجمع على الواحد

    ===========================================================================
    (1) وإذا كان المجسمة يثبتون بهذه الآية وأمثالها صفة الوجه فهل يقولون
    بفناء يد معبودهم وساقيه وجنبيه وما إلى ذلك من اعضاء أثبتوها له بقوله
    سبحانه (كل شئ هالك إلا وجهه)؟! (*)
    ===========================================================================

    [114]

    يقال: خرجنا في السفر إلى البصرة. وإنما جمع لان عادة الملك أن يقول:
    أمرنا ونهينا. وقد ذهب القاضي أبو يعلى (المجسم) إلى أن العين صفة زائدة
    على الذات وقد سبقه أبو بكر بن خزيمة فقال في الآية: " لربنا عينان ينظر
    بهما " (41).!! قلت: وهذا ابتداع لا دليل لهم عليه وإنما أثبتوا عينين
    من دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام: " وان الله ليس بأعور ".
    وإنما أراد نفي النقص عنه تعالى، ومتى ثبت أنه لا يتجزأ لم يكن لما يتخيل
    من الصفات وجه. 3) ومنها قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) ص: 75. اليد في
    اللغة: بمعنى النعمة والاحسان. قال الشاعر: متى تناخي عند باب بني هاشم
    تريحي فتلقي من فواضله يدا ومعنى قول اليهود (يد الله مغلولة) المائدة: 64
    ، أي: محبوسة عن النفقة، واليد: القوة، يقولون: ما لنا بهذا الامر من
    يد، وقوله تعالى:

    ===========================================================================
    (41) وهذه من ورطات الحافظ ابن خزيمة في كتابه " التوحيد " الذي ندم على

    (1/86)

    تأليفه أخيرا، كما روى ذلك عنه الحافظ البيهقي في " الاسماء والصفات " ص
    (267) وكتاب " التوحيد " لابن خزيمة يسميه الفخر الرازي في تفسيره (14/ 27
    / 151) بكتاب (الشرك) لما أتى به فيه من مستشنعات، ولله في خلقه شؤون، وقد
    طبع كتاب ابن خزيمة هذا الحشوية كرات ومرات ووزعوه مجانا ليروجوا به عقائدهم
    الفاسدة!! (*)
    ===========================================================================

    [115]

    (بل يداه مبسوطتان) المائدة: 64، أي نعمته وقدرته. وقوله: " لما خلقت
    بيدي " أي: بقدرتي ونعمتي، وقال الحسن في قوله تعالى: (يد الله فوق
    أيديهم) الفتح: 10، أي: منته وإحسانه. قلت: هذا كلام المحققين. وقال
    القاضي أبو يعلى (المجسم): " اليدان صفتان ذاتيتان تسميان باليدين " اه‍.
    قلت: وهذا تصرف بالرأي لا دليل عليه. وقال ابن عقيل: معنى الآية لما خلقت
    أنا، فهو كقوله: (ذلك بما قدمت يداك) الحج: 10 أي بما قدمت أنت. وقد قال
    بعض البله: لو لم يكن لآدم عليه السلام مزية على سائر الحيوانات بخلقه
    باليد التي هي صفة لما عظمه بذكرها وأجله فقال (بيدي). ولو كانت القدرة لما
    كانت له مزية، فإن قالوا القدرة لا تثنى (42). وقد قال (بيدي). قلنا:
    بلى قالت العرب: ليس لي بهذا الامر يدان، أي ليس لي به قدرة، وقال عروة
    بن حزام في شعره: فقالا شفاك الله والله مالنا بما ضمنت منك الضلوع يدان
    وقولهم: ميزه بذلك عن الحيوان، نفاه قوله عزوجل: (خلقنا لهم مما عملت
    أيدينا أنعاما) يس: 71، ولم يدل هذا على تمييز الانعام على

    ===========================================================================
    (42) قلنا مجيبين: بل تثنى: ويراد بها الذات، ومنه قوله تعالى: (تبت يدا
    أبي لهب) والمراد بذلك ذاته بلا شك. (*)
    ===========================================================================

    [116]

    (1/87)

    بقية الحيوان (43). قال الله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون)
    الذاريات: 47 أي بقوة (44). ثم قد أخبر أنه نفخ فيه من روحه (45)، ولم
    يرد إلا الوضع بالفعل والتكوين، والمعنى: نفخت أنا، ويكفي شرف الاضافة.
    ، إذ لا يليق بالخالق جل جلاله سوى ذلك لانه لا يحتاج أن يفعل بواسطة، فلا
    له أعضاء وجوارح يفعل بها، لانه الغني بذاته، فلا ينبغي أن يتشاغل بطلب
    تعظيم آدم مع الغفلة عما يستحقه الباري سبحانه من التعظيم (والتنزيه) بنفي
    الابعاض والآلآت في الافعال، لان هذه الاشياء صفة الاجسام، وقد ظن بعض
    البله أن الله يمس، حتى توهموا أنه مس طينة

    ===========================================================================
    (43) أي إذا قلتم بأن سيدنا آدم عليه السلام مخصوص بأنه مخلوق بيد الله عز
    وجل بدليل قوله تعالى لابليس: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) قلنا: ليس
    الامر كما تتوهمون، وإنما المراد ما منعك أن تسجد لما خلقت أنا ولم يخلقه
    غيري وأنا ربك وربه، بدليل أن الانعام من خيل وإبل وحمير وبقر وغيرها
    مخلوقة بيد الله تعالى أيضا بنص القرآن وذلك في قوله تعالى: (أولم يروا أنا
    خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون) يس: 71. (44) مع أن
    لفظة (أيد) في اللغة هي جمع يد وهي الكف المعروفة. كما تجد ذلك في مادة
    (يدى) من القاموس ثم أطلقت مجازا على القوة لان اليد آلة للقوة في العادة
    كما تجد ذلك المعنى المجازي في مادة (أيد) من القاموس وأصلها في مادة (يدى)
    فتدبر. وقال بعض المبتدعة: (أيد) لا تعرف في اللغة إلا بمعنى القوة وهذا
    غلط محض وخطأ فاحش يظهر عند مطالعة مادة (يدى) في القاموس المحيط وغيره.
    ومنه قوله تعالى: (أم لهم أيد يبطشون بها). (45) معنى من روحه: أي الروح
    التي خلقها وأضافها إلى نفسه ليشرفها كما أضاف الكعبة إليه ليشرفها فقال:
    (أن طهرا بيتي للطائفين) وكل الناس يعرفون أنه لا يسكنه وأنه تعالى عن ذلك

    (1/88)

    فقولنا: بيت فلان يخالف تماما قولنا: بيت الله وهكذا فتأمل. (*)
    ===========================================================================

    [117]

    آدم بيد هي بعض ذاته، وما فطنوا أنه من جملة مخلوقاته جسما يقابل جسما
    فيتحد به ويفعل فيه، ومن السحر من يعقد عقدا فيتغير به الشئ حالا وصفة!!
    أفتراه سبحانه جعل أفعال الاشخاص والاجسام تتعدى إلى الاجسام البعيدة، ثم
    يحتاج هو في أفعاله إلى معاناة الطين. وقد رد قول من قال هذا بقوله تعالى:
    (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) آل عمران
    : 59. 4) ومنها قوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه) آل عمران: 28 وقوله
    تعالى على لسان عيسى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) المائدة: 116
    قال المفسرون: ويحذركم الله إياه. وقالوا: " تعلم ما عندي ولا أعلم ما
    عندك ". قال المحققون: المراد بالنفس هاهنا الذات، ونفس الشئ ذاته، وقد
    ذهب القاضي أبو يعلى (المجسم) إلى أن لله نفسا، وهي صفة زائدة على ذاته.
    قلت: وقوله هذا لا يستند إلا إلى التشبيه، لانه يوجب أن الذات شئ والنفس
    غيرها، وحكى ابن حامد (المجسم) أعظم من هذا فقال: ذهبت طائفة في قوله
    تعالى: (ونفخت فيه من روحي) الحجر: 29، إلى إن تلك الروح صفة من ذاته
    وأنها إذا خرجت رجعت إلى الله تعالى. قلت: وهذا أقبح من كلام النصارى فما
    أبقى هذا من التشبيه بقية.
    ===========================================================================

    [118]

    5) ومنها قوله تعالى: (ليس كمثله شئ) الشورى 11. ظاهر الكلام أن له مثلا،
    فليس كمثله شئ، وليس كذلك، وإنما معناه عند أهل اللغة: أن يقام المثل
    مقام الشئ نفسه. يقول الرجل: مثلي لا يكلم مثلك، وإنما المعنى: ليس كهو
    شئ. 6) ومنها قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) القلم: 42. قال ابن عباس
    ومجاهد وإبراهيم النخعي وقتادة وجمهور العلماء: يكشف عن شدة (46)، وأنشدوا
    :

    (1/89)

    " وقامت الحرب بنا على ساق ". وقال آخرون: إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا
    (47). قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج

    ===========================================================================
    (46) وقد ثبت ذلك عن ابن عباس بثلاثة أسانيد صحيحة. انظر فتح الباري (13 /
    428) والاسماء والصفات للامام البيهقي (ص 437). فهكذا أول هذه الآية
    الصحابة والسلف. وأما الحديث الذي وردت فيه لفظة (ساقه) فقد قال الحفاظ في
    شرحه أن لفظة (ساقه) غير محفوظة والمحفوظ لفظة (ساق) الموافقة للآية
    القرآنية، وأما لفظة (ساقه) فتسوق إلى التجسيم هذا معنى كلام الحافظ في
    الفتح (8/ 664) ولذا نقطع أن هذه اللفظة لم يقلها صلى الله عليه وسلم ومتى
    طرأ الاحتمال سقط الاستدلال وقد أفاد غالب ما ذكرته هنا الحافظ ابن حجر في
    فتح الباري ونقله عن الحافظ الاسماعيلي فليراجع. (47) هذا شطر بيت لجرير
    وهو: ألا رب سام الطرف من آل مازن إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا (*)
    ===========================================================================

    [119]

    إلى معاناة الجد (48) فيه، شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة.
    وبهذا قال الفراء وأبو عبيد، وثعلب واللغويون. وروى البخاري ومسلم في
    الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم: " إن الله عزوجل يكشف عن ساقه "
    (49). هذه إضافة إليه معناها: يكشف عن شدته وأفعاله المضافة إليه ومعنى
    يكشف عنها: " يزيلها ". وقال عاصم بن كليب: رأيت سعيد بن جبير غضب وقال:
    يقولون يكشف عن ساقه، وإنما ذلك عن أمر شديد، وقد ذكر أبو عمر الزاهد

    ===========================================================================
    (48) قال ابن مالك: والجد والد الاب والجد ضد اللعب والجد عند العرب البئر
    ذات الخرب وقال قطرب وابن زريق: سام رفيع الجد أعماله بالجد لقيته بالجد

    (1/90)

    كالمعطل المخرب بالفتح والد الاب والكسر ضد اللعب والضم بعض القلب كان لبعض
    العرب (49) وقد تقدم عن الحافظ ابن حجر والاسماعيلي أن لفظة (ساقه) غير
    محفوظة وذلك مذكور في الفتح (8/ 664) وهذا نص كلامه: " وقع في هذا الموضع
    " يكشف ربنا عن ساقه " وهو من رواية سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم
    فأخرجها الاسماعيلي كذلك ثم قال: في قوله " عن ساقه " نكرة ثم أخرجه من
    طريق حفص بن ميسره عن زيد بن أسلم بلفظ: " يكشف عن ساق " قال الاسماعيلي:
    هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن في الجملة، لا يظن أن الله ذو أعضاء وجوارح
    لما في ذلك من مشابهة المخلوقين، تعالى الله عن ذلك ليس كمثله شئ " اه‍
    كلام الحافظ من الفتح ولفظ سعيد بن هلال هذا شاذ. (*)
    ===========================================================================

    [120]

    ان الساق بمعنى " النفس " وقال: ومنه قول علي رضي الله عنه لما قالت البغاة
    : لا حكم إلا لله فقال: لا بد من محاربتهم ولو تلفت ساقي. . . فعلى هذا
    يكون المعنى يتجلى لهم، وفي حديث أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
    انه قال: " يكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون لله سجدا،
    ويبقى أقوام في ظهورهم مثل صياصي البقر، يريدون السجود فلا يستطيعون " *.
    فذلك قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) القلم
    : 42، وقد ذهب القاضي أبو يعلى (المجسم) إلى أن الساق صفة ذاتية. وقال
    مثله في " يضع قدمه في النار ": وحكى عن ابن مسعود: ويكشف عن ساقه اليمنى
    فتضئ من نور ساقه الارض (50). قلت: وذكر الساق مع القدم تشبيه محض، وما
    ذكر عن ابن مسعود محال، ولا تثبت لله صفة بمثل هذه الخرافات، ولا توصف
    ذاته سبحانه بنور شعاع تضئ به الارض، واحتجاجه بالاضافة ليس بشئ لانه إذا
    كشف عن شدته، فقد كشف عن ساقه، وهؤلاء وقع لهم أن معنى يكشف " يظهر "

    (1/91)

    وإنما المعنى " يزيل ويرفع ". قال ابن حامد (المجسم): يجب الايمان بأن لله
    تعالى ساقا صفة لذاته، فمن جحد ذلك كفر.

    ===========================================================================
    * لم اجده بهذا اللفظ للآن. (50) وهذا كلام مكذوب على سيدنا عبد الله بن
    مسعود ولم يثبت عنه. (*)
    ===========================================================================

    [121]

    قلت: ولو تكلم بهذا عامي جلف كان قبيحا، فكيف بمن ينسب إلى العلم؟! فإن
    المتأولين أعذر منهم لانهم ردوا الامر إلى اللغة، وهؤلاء أثبتوا ساقا للذات
    ، وقدما حتى يتحقق التجسيم والصورة. 7) ومنها قوله تعالى: (ثم استوى على
    العرش) الاعراف: 54. قال الخليل بن أحمد: العرش: السرير، فكل سرير ملك
    يسمى عرشا، والعرش مشهور عند العرب في الجاهلية والاسلام قال الله تعالى:
    (ورفع أبويه على العرش) يوسف: 100. وقال تعالى: (أيكم يأتيني بعرشها)
    النحل: 38. واعلم أن الاستواء في اللغة على وجوه منها: الاعتدال. قال
    بعض بني تميم فاستوى ظالم العشيرة والمظلوم. أي اعتدلا، والاستواء: تمام
    الشئ قال الله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى) القصص: 14، أي تم.
    والاستواء: القصد إلى الشئ قال تعالى: (ثم استوى إلى السماء) البقرة: 29
    أي قصد خلقها، والاستواء الاستيلاء على الشئ قال الشاعر: قد استوى بشر
    على العراق من غير سيف ودم مهراق (51) وقال الآخر: إذا ما غزى قوما أباح
    حريمهم وأضحى على ما ملكوه قد استوى

    ===========================================================================
    (51) وبعض المبتدعة يقولون: هذا البيت هو للاخطل وكان نصرانيا فهل تبنون (*)
    ===========================================================================

    [122]

    وروى إسماعيل بن أبي خالد الطائي قال: العرش ياقوتة حمراء. قلت: وجميع

    (1/92)

    السلف على امرار هذه الآية كما جاءت من غير تفسير ولا تأويل (52). قال عبد
    الله بن وهب: كنا عند مالك بن أنس فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله (الرحمن
    على العرش استوى) كيف استوى؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء ثم رفع رأسه فقال:
    الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه ولا يقال له كيف، وكيف عنه مرفوع وأنت
    رجل سوء صاحب بدعة فأخرجوه فأخرج.

    ===========================================================================
    عقائدكم على قول نصراني؟! ونجيبهم فنقول: نحن نستدل أيضا في فهم لغة
    العرب من أقوال عبدة الاصنام الجاهليين فضلا عن الاخطل النصراني، وإن
    السؤال المبني على نوع من التبله لن يجديكم أيها المبتدعة، وذلك لان الله
    تعالى أنزل هذا القرآن الكريم بلغة العرب الاقحاح الذين كانوا يعبدون
    الاوثان والاصنام فنحن إذا أتينا بأشعارهم وأرجازهم فإنما نأتي بها لنفهم
    المعنى المراد من الآية الكريمة التي نزلت بلغة أولئك، وقدوتنا في ذلك
    سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يستنشد بعض الصحابة أبياتا
    لبعض الجاهليين ويقول كلما فرغ القائل من بيت: (هيه) حتى يأتي بالذي بعده
    وقد ثبت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود الطيالسي ص (179).
    وأصحابه رضي الله تعالى عنهم قدوتنا في ذلك أيضا وهذا ابن عباس رضي الله
    عنهما يقول فيما روى عنه البيهقي في " الاسماء والصفات ": " إذا خفي عليكم
    شئ من القرآن فاتبعوه من الشعر. . " وإذا كانت المبتدعة قد سئمت قول الاخطل
    هذا فقد أورد لهم ابن الجوزي بيتا آخر بعده وأزيدهم بيتا ثالثا لبعض العرب
    فأقول: إذا ما علونا واستوينا عليهم جعلناهم مرعى لنسر وطائر (52) ذكر
    الحافظ أبو حيان رحمه الله تعالى في تفسيره " النهر الماد " (1/ 254)
    المطبوع في ثلاثة مجلدات مستقلة عند تفسير قوله تعالى: (وسع كرسيه السموات
    والارض) أن ابن تيمية قال في رسالة له كما قرأها الحافظ أبو حيان وهي بخط

    (1/93)

    ابن تيمية معاصره: " إن الله يجلس على العرش وقد أخلى مكانا (*)
    ===========================================================================

    [123]

    ===========================================================================
    يقعد فيه معه رسول الله صلى الله عليه وسلم " عياذا بالله تعالى وهذا الكلام
    محذوف من الطبعة التي بهامش " البحر المحيط " لان مصححه بدار السعادة حذفها
    لاستشناعها وطلب من الامام المحدث الكوثري والامام المحدث سيدي عبد الله بن
    الصديق الغماري أن يسجلا ذلك عليه عندما راجعاه وقد نبها على ذلك في بعض
    كتبهما. وكلام ابن تيمية هذا ثابت في كتاب تلميذه ابن القيم " بدائع
    الفوائد " (4/ 39) ونقله عن بعض السلف وهو مردود على قائله لو ثبت عنه،
    كما نقله عن الدارقطني في أبيات ذكرها هنالك ولا تصح نسبتها للدارقطني لان
    في سندها إليه كذابان حنبليان مجسمان وهما ابن كادش والعشاري وكان على ابن
    القيم لو كان يعرف الجرح والتعديل والرجال أن يرد تلك الابيات ويبين أنها
    منحولة زورا على الدارقطني لكنه إما أنه لا يعلم ذلك وإما انه تغاضى عنه
    وأحلاهما مر. وأعود فأقول: لقد ثبت تأويل الاستواء عن السلف، ففي تفسير
    الحافظ ابن جرير السلفي (1/ 192) تأويل الاستواء بعلو الملك والسلطان وهو
    تأويل مقبول، وفي البخاري تأويل أبي العالية الاستواء بالارتفاع فإن كان
    يريد إرتفاع الربوبية على رتبة العبودية بعلو الملك والسلطان والقهر والعظمة
    كما يقول الحافظ ابن جرير السلفي فتأويل مقبول لا ترفضه قواعد الشريعة ولا
    لغة العرب، وأما إن كان مراده ارتفاع الذات المتخيلة فهو تأويل مردود، وما
    أظن أن أبا العالية أراد ذلك ولا قصده. ونحن نقول: معنى (الرحمن على العرش
    استوى) أي: الرحمن صاحب الملك والارادة والقهر في هذا العالم من عرشه إلى
    فرشه، وذكر العرش هنا دون غيره لانه أعظم المخلوقات وأكبرها فإذا كان مستو

    (1/94)

    عليه بالقهر والربوبية اقتضى أنه مستو على كافة خلقه بهذا المعنى من باب
    أولى، فالاستواء عندنا هنا هو الاستيلاء والقهر أو تفويض معناه إلى الله
    وتنزيهه عن كل ما يخطر في الذهن وعن ما تزعمه المجسمة كالحراني وأضرابه من
    القعود والاربع أصابع، وهذا الذي تقتضيه لغة العرب مع نصوص الكتاب والسنة،
    أما لغة العرب: ففي " مفردات " الراغب في مادة (سوا) ص (251) " الاستواء -
    متى عدي بعلى اقتضى معنى الاستيلاء كقوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)
    "، وأما في الكتاب الكريم: فقوله - تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) فبين
    أن فوقيته واستواءه بالقهر لا بالمكان، وأما السنة: فثبت في (*)
    ===========================================================================

    [124]

    ===========================================================================
    صحيح مسلم (4/ 61) وغيره: " اللهم أنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن
    فليس دونك شئ " قال الحافظ البيهقي في " الاسماء والصفات " (400): " استدل
    بعض أصحابنا بهذا الحديث على نفي المكان عن الله تعالى، فإذا لم يكن فوقه
    شئ ولا دونه - أي تحته - شئ لم يكن في مكان، اه‍وما بين الشرطتين من
    توضيحي، وكل هذه النصوص تنفي وتبطل لفظة " بذاته " التي يوردها بعض المجسمة
    في قولهم: " الله على عرشه استوى بذاته "!! وتثبت معنى الاستيلاء والقهر
    والعلو المعنوي كما قدمنا، وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 136) أيضا
    : " ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله أن لا يوصف بالعلو،
    لان وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس " اه‍وقد
    ذكر الحافظ في الفتح (1/ 508) عند شرح حديث: " إن أحدكم إذا قام في صلاته
    فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته. . .
    " الحديث قال ابن حجر: " وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته ". فإن

    (1/95)

    قال قائل: " إن قولكم: معنى استوى قهر واستولى وملك يقتضي المغالبة، أي
    أنه لم يكن قاهرا للعرش ثم غلب على الامر فقهر واستولى أليس كذلك؟ "!!
    قلنا: لا وإنما هذا خيال فاسد وتصور باطل قام بذهنك وسمعته أو قرأته من بعض
    كتب المجسمة فظننته حقا، وهذا الخيال والتصور باطل بصريح العقل والنقل ونحن
    نضرب لك مثالا لبيان بطلانه حتى تتحقق من ذلك فنقول لك: ألم تعلم أن الله
    تعالى يخبرنا عن يوم القيامة فيقول لنا في كتابه العزيز: (لمن الملك اليوم
    ؟!) فنقول لك: هل كان الملك قبل ذلك اليوم لغير الله تعالى؟!! الجواب:
    لا قطعا. إذن لم يلزم من قول الله تعالى: (لمن الملك اليوم) أن الملك قبل
    ذلك اليوم كان لغيره سبحانه، وكذلك قولنا: استوى معناه: قهر واستولى،
    ولا يلزم منه أنه لم يكن مستوليا أو قاهرا قبل ذلك والله الموفق والهادي
    للصواب. ونستأنس فنقول لقد وردت أقوال عن الصحابة وأبي الحسن الاشعري تؤيد
    ما ذهبنا إليه ودللنا عليه وتعضده منها: ما روى الامام الربيع بن حبيب
    الازدي (*)
    ===========================================================================

    [125]

    ===========================================================================
    البصري في " جامعه الصحيح " وهو كتاب محفوظ منقول بالاعتناء عند أهل مذهبه
    ككتب الفقه المنقولة عن الائمة المقتدى بهم ففيه (3/ 35) ما نصه: وأخبرنا
    أبو ربيعة زيد بن عوف العامري البصري قال أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت
    البناني عن أبي عثمان النهدي ان أبا موسى الاشعري قال كنا مع رسول الله صلى
    الله عليه وسلم في سفر لما دنونا من المدينة كبر الناس ورفعوا أصواتهم فقال
    النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن
    الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم " ثم قال صلى الله عليه وسلم: " يا
    أبا موسى هل أدلك على كنز من كنوز الجنة " قال قلت وما هو يا رسول الله قال

    (1/96)

    " لا حول ولا قوة إلا بالله " قال جابر ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم
    عندنا " ان الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم " وذلك ان الله تعالى يقول
    : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من
    ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) وقال (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)
    والتشبيه والتحديد لا يكون الا لمخلوق لان المخلوق إذا قرب من موضع تباعد من
    غيره وإذا كان في مكان عدم من غيره لان التحديد يستوجب الزوال والانتقال
    والله تعالى عز عن ذلك. قال جابر بن زيد حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله
    صلى الله عليه وسلم قال " يوشك الشرك أن ينتقل من ربع إلى ربع ومن قبيلة إلى
    قبيلة " قيل يا رسول الله وما ذلك الشرك قال " قوم يأتون بعدكم يحدون الله
    حدا بالصفة ". قال جابر بن زيد سئل ابن عباس عن قوله تعالى (الرحمن على
    العرش أستوى) فقال ارتفع ذكره وثناؤه على خلقه لا على ما قال المنددون ان له
    أشباها وأندادا تعالى الله عن ذلك. قال وحدثنا اسماعيل ابن ابراهيم قال
    حدثنا ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عبد الله بن عمر انه سئل عن الصخرة التي
    كانت في بيت المقدس فقال له ان ناسا يقولون فذكر قولهم سبحانه وتعالى عما
    يقولون علوا كبيرا فارتعد ابن عمر فرقا وشفقا حين وصفوه بالحدود والانتقال
    فقال ابن عمر ان الله أعظم وأجل أن يوصف بصفات المخلوقين هذا كلام اليهود
    أعداء الله انما يقولون (الرحمن على العرش أستوى) أي استوى أمره وقدرته فوق
    بريته. (*)
    ===========================================================================

    [126]

    ===========================================================================
    قال ليث قال محمد بن الحنفية: قاتل الله أهل الشام ما أكفرهم أو قال ما
    أضلهم يقولون وضع الله قدمه على صخرة بيت المقدس وقد وضع عبد من عباده يعني

    (1/97)

    ابراهيم عليه السلام قدمه على حجر فجعله قبلة للناس تكذيبا لقولهم وردا
    لباطلهم وقال الحسن ارتفع ذكره وثناؤه ومجده على خلقه ولا يوصف الله تبارك
    وتعالى بزوال من مكان إلى مكان. قال: وسئل هشيم عن ذلك وقال كان أصحابنا
    يقولون قهر العرش. وقال الحسن في قوله (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) أي
    استوى أمره وقدرته إلى السماء وقوله (ثم أستوى على العرش) يعني استوى أمره
    وقدرته ولطفه فوق خلقه ولا يوصف الله بصفات الخلق ولا يقع عليه الوصف كما
    يقع على الخلق. وكان عبد الله بن مسعود وعائشة وابن عمر وابن الحنفية وعروة
    بن الزبير ينكرون ما يقول أهل الشام في الصخرة وينهون عنه ويشددون فيه. اه‍
    ومنها: ما في كتاب " الابانة " لابي الحسن الاشعري وهو من أول مؤلفاته
    خلافا لما تزعمه المجسمة أنه آخر مؤلفاته في النسخة المحققة على أربع نسخ
    خطية ما نصه: " وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله،
    وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة والاستقرار، والتمكن
    والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته
    ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شئ إلى تخوم الثرى، فوقية لا
    تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع
    الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من
    حبل الوريد، وهو على كل شئ شهيد " انتهى كلام أبي الحسن الاشعري من "
    الابانة ". وهذا النص من الابانة ليس موجودا في النسخ المطبوعة المتداولة
    بأيدي الناس، وأنما هو ثابت في مخطوطة نسخة بلدية الاسكندرية وهو منقول
    ثابت في النسخة المطبوعة التي حققتها الدكتورة فوقية حسين محمود طبع دار
    الانصار بالقاهرة الطبعة الاولى 1397 ه‍فتنبه. وينبغي التنبيه أيضا ههنا
    على: أن كتاب " الابانة " يعتبر من الكتب الهادمة لعقائد المجسمة والمشبهة
    ،

    (1/98)

    ويدل على ذلك أشياء كئيرة فيه موجودة ومسطرة حتى في جميع النسخ المتداولة
    المطبوعة التي بأيدي الناس ونذكر بعضها (*)
    ===========================================================================

    [127]

    وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الصفة على مقتضى الحس فقالوا: " استوى على
    العرش بذاته "، وهي زيادة لم تنقل (53)، إنما فهموها من إحساسهم، وهو ان
    المستوي على الشئ إنما تستوي عليه

    ===========================================================================
    فنقول: ذكر أبو الحسن الاشعري في مقدمة الابانة ما نصه: " ليست له صورة
    تقال ولا حد يضرب له مثال " اه‍وهذا يهدم ما تزعمه المجسمة من أن لله تعالى
    صورة وحد، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وفي كتابنا (إلقام الحجر) ص
    (17 - 20) ذكر باقي المسائل ببعض توسع فليراجعها من شاء. وأما رد الامام
    ابي الحسن الاشعري تفسير الاستواء بالاستيلاء فنحن لا نوافقه في ذلك أبدا،
    ونقول إنه قال ذلك: بسبب ردة فعل حصلت عنده من المعتزلة، وهم وإن لم
    نوافقهم في كثير من مسائلهم إلا أننا هنا نوافقهم ونعتقد أنهم مصيبون في هذه
    المسألة، لما دللنا عليه وأوضحناه. وهنا أمر مهم جدا وهو: أننا لا نقول
    بأن الله تعالى موجود في كل مكان البتة بل نكفر من يقول ذلك ونعتقد أن الله
    سبحانه موجود بلا مكان، لانه خالق المكان. (53) الغريب أن المبتدعة يقولون
    : لا نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، ثم يقولون: استوى على العرش
    بذاته، فمن أين جاءوا بلفظة " بذاته " هذه؟! وأين وردت في الكتاب والسنة
    ؟! وهي لفظة تفيد التجسيم صراحة وتؤيد قول أئمتهم " بجلوس معبودهم على
    العرش حتى يفضل منه مقدار أربع أصابع "!! وقد وقع بذلك الخلال فنقل في
    كتابه " السنة " وما أحراه بأن يسمى كتاب البدعة عن مجاهد بسند ضعيف أكثر من
    خمسين مرة تفسير المقام المحمود الوارد في قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك

    (1/99)

    مقاما محمودا) بجلوس الرب تعالى عما يقولون على العرش واجلاسه سيدنا محمد
    صلى الله عليه وسلم بجنبه في الفراغ المقدر عندهم بأربع أصابع، وهذه هي
    عقيدة الشيخ الحراني كما نقلها الحافظ أبو حيان من خطه في تفسيره (النهر
    الماد) كما ذكرنا ذلك قريبا، كما أنها عقيدة تلميذ الحراني: ابن القيم كما
    ذكرها في " بدائع فوائده " (4/ 39 - 40) وهما بعد ذكر هذه العقيدة لن يبرءا
    من التجسيم مهما نقلا من نصوص في ذم التشبيه، وخصوصا أن الشيخ الحراني يقول
    في " تأسيسه " (1/ 109): " وإذا كان كذلك فإسم المشبهة ليس له ذكر بذم في
    الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين " اه‍ويقول في تأسيسه (1
    / 101) أيضا: " وليس في (*)
    ===========================================================================

    [128]

    ذاته، قال أبو حامد (المجسم): الاستواء مماسته وصفة لذاته، والمراد به
    القعود، قال: وقد ذهبت طائفة من أصحابنا إلى أن الله سبحانه وتعالى على
    عرشه قد ملاه، وأنه يقعد، ويقعد نبيه صلى الله عليه وسلم معه على

    ===========================================================================
    كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الامة وأئمتها أنه ليس بجسم وأن
    صفاته ليست أجساما وأعراضا؟! فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي
    ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل جهل وضلال "!!! وقوله أيضا في تأسيسه (1
    / 111): " والباري سبحانه وتعالى فوق العالم فوقية حقيقة ليست فوقية الرتبة
    " قلت: وقد بين لنا فيما نقله من خطه الحافظ أبو حيان ما هي الفوقية
    الحقيقة عنده وعند تلميذه ابن زفيل صاحب بدائع الفوائد وأنها قصة الاصابع
    الاربع، فهذا الذي نقلناه في شرح وبيان لفظة " بذاته " التي يزيدونها بعد
    الاستواء أو العلو من كيسهم وبيان المراد بها عند الخلال الذي يفسرها خلاف
    تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين للمقام المحمود بالشفاعة

    (1/100)

    ومقلديه كالشيخ الحراني وتلميذه ابن زفيل ومقلدهما المحدث!! المتناقض!!
    وأضرابهم إن لم يكن تجسيما صريحا فما هو التجسيم إذن؟! وخصوصا أن الحراني
    بتشديد الراء!! يقول في تأسيسه (1/ 568): " ولو قد شاء - الله - لاستقر
    على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم " اه‍وهو
    وان كان قد نقله عن بعض أسلافه الذين يوصي بكتبهم أشد الوصية لما حوت بزعمه
    من خالص التوحيد كرد الدارمي على بشر المريسي فهو مقر لذلك الهذيان غير منكر
    له، وناقل الكفر المقر له والذي لم ينكره وإنما يودعه في كتبه ومصنفاته
    لترويجه كافر أيضا عند جميع العقلاء، على أننا قد بينا في غير هذا الموضع
    أنه يقول أيضا مثل هذا الذي ينقله فهو كلامه الاصلي بلا مرية ولا شك. وقد
    أنكر الحافظ الذهبي - الذي تعدل مزاجه فيما بعد شبابه ورجع عما أسلف - في
    كتابه " سير أعلام النبلاء " على من زاد لفظة " بذاته " بعد العلو أو
    الاستواء ونحوهما فقال هنالك (19/ 607) ما نصه: " قد ذكرنا أن لفظة بذاته
    لا حاجة إليها وهي تشغب النفوس. . " اه‍وأزيد فأقول: وتقود إلى الكفر
    وترمي صاحبها في النار نسأل الله تعالى السلامة والوفاة على الايمان الكامل
    والعقيدة الصافية الصحيحة. آمين. (*)
    ===========================================================================

    [129]

    العرش (54) يوم القيامة. قال أبو حامد: والنزول هو انتقال. قلت: وعلى ما
    حكى تكون ذاته أصغر من العرش (55) فالعجب من قول هذا، ما نحن مجسمة. .؟؟
    !! وقيل لابن الزاغوني (المجسم): هل تجددت له صفة لم تكن له بعد خلق العرش
    .؟ قال: لا إنما خلق العالم بصفة التحت، فصار العالم بالاضافة إليه
    أسفل فإذا ثبت لاحدى الذاتين صفة التحت تثبت للاخرى صفة استحقاق الفوق قال:
    وقد ثبت أن الاماكن ليست في ذاته، ولا ذاته فيها، فثبت انفصاله عنها، ولا

    (1/101)

    بد من شئ يحصل به الفصل، فلما قال: (ثم استوى) علمنا اختصاصه بتلك الجهة.
    قال ابن الزاغوني (المجسم): ولا بد أن تكون لذاته نهاية وغاية يعلمها. قلت
    : وهذا رجل لا يدري ما يقول لانه إذا قدر غاية وفصلا بين الخالق والمخلوق
    فقد حدده، وأقر بأنه جسم، وهو يقول في كتابه: إنه ليس بجوهر، لان الجوهر
    ما تحيز ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه. قلت: وهذا كلام جهل من قائله،
    وتشبيه محض، فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق، وما يستحيل عليه. فإن
    وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والاجسام التي لا بد لها من حيز، والتحت
    والفوق إنما

    ===========================================================================
    (54) فإذا لم يكفر من يقول بهذا ومثله فمن يكفر إذن؟!! (55) وهؤلاء كان
    اللازم في حقهم أن يقولوا: (العرش أكبر)!!! بدل قولهم: (الله أكبر)
    تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (*)
    ===========================================================================

    [130]

    يكون فيما يقابل ويحاذي، ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحاذي أو
    أصغر أو مثله، وان هذا ومثله إنما يكون في الاجسام، وكل ما يحاذي الاجسام
    يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الاجسام ومباينتها فهو حادث، إذ قد ثبت
    أن الدليل على حدوث الجواهر قبولها للمباينة والمماسة. فإذا أجازوا هذا
    عليه، قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا جواز هذا عليه، لم يبق لنا طريق
    لاثبات حدوث الجواهر، ومتى قدرناه مستغنيا عن المحل والحيز ومحتاجا إلى
    الحيز، ثم قلنا، إما أن يكونا متجاورين أو متباينين، كان ذلك محالا. فإن
    التجاور والتباين من لوازم التحيز في المتحيزات، وقد ثبت أن الاجتماع
    والافتراق من لوازم المتحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز، لانه
    إن كان متحيزا لم يخل إما أن يكون ساكنا في حيزه، أو متحركا عنه، ولا يجوز
    أن يوصف بحركة ولا سكون، ولا اجتماع ولا افتراق، وما جاور أو باين فقد

    (1/102)

    تناهى ذاتا، والمتناهي إذا خص بمقدار، استدعى مخصصا، وكذا ينبغي أن يقال
    ، ليس بداخل في العالم وليس بخارج منه، لان الدخول والخروج من لوازم
    المتحيزات وهما كالحركة والسكون وسائر الاعراض التي تختص بالاجرام. وأما
    قولهم: خلق الاماكن لا في ذاته، فثبت انفصاله عنها. قلنا: ذاته تعالى لا
    تقبل أن يخلق فيها شئ، ولا أن يحل فيها شئ، والفصل من حيث الحس يوجب عليه
    ما يوجب على الجواهر، ومعنى الحيز أن الذي يختص به يمنع مثله أن يوجد،
    وكلام هؤلاء كله مبني على الحس، وقد حملهم الحس على التشبيه والتخليط حتى
    قال بعضهم: إنما ذكر الاستواء على العرش لانه أقرب الموجودات إليه!!
    ===========================================================================

    [131]

    وهذا جهل أيضا. لان قرب المسافة لا يتصور إلا في حق الجسم. وقال بعضهم:
    جهة العرش تحاذي ما يقابله من الذات ولا تحاذي جميع الذات، وهذا صريح في
    التجسيم والتبعيض، ويعز علينا كيف ينسب هذا القائل إلى مذهبنا؟ واحتج
    بعضهم بأنه على العرش بقوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح
    يرفعه) * فاطر: 10. وبقوله: (وهو القاهر فوق

    ===========================================================================
    * والصحيح في معنى قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح
    يرفعه) هو ما قاله الحافظ المتقن أبو حيان في تفسيره " البحر المحيط " (7 /
    303) حيث قال: " وصعود الكلام إليه تعالى مجاز في الفاعل وفي المسمى إليه
    لانه تعالى ليس في جهة، ولان الكلم ألفاظ لا توصف بالصعود، لان الصعود
    يكون من الاجرام، وإنما ذلك - أي معنى الآية -: كناية عن القبول، ووصفه
    بالكمال، كما يقال: علا كعبه وارتفع شأنه، ومنه: ترافعوا إلى الحاكم
    ورفع الامر إليه، وليس هناك علو في الجهة " اه‍وما بين الشرطتين من إيضاحي
    وقد ظنت المجسمة من ظاهر هذه الآية أنها دليل على أن معبودهم في السماء أو

    (1/103)

    فوق السماء على العرش وأن الاعمال تصعد إليه!! ولم ينظروا إلى أساليب
    العربية، ولا إلى كلام العرب الذين نزل القرآن الكريم بلغتهم، ولم يلحظوا
    أن هؤلاء العرب كانوا يستعملون الاستعارات والمجاز والتفنن في التعبير حتى
    أنهم تميزوا بهذه الفصاحة عن سائر الامم. ونحن في مثل هذا المقام لا بد لنا
    أن نذكر بعض الآيات التي أخذت المجسمة بظواهرها لتستدل بها على العلو الحسي
    الذي تعتقده، ثم نردف ذلك بذكر بعض الآيات والاحاديث التي تبطل لهم
    استدلالهم والتي يشير ظاهرها على أنه سبحانه موجود في كل مكان، وهذه عقيدة
    باطلة أيضا، ليدرك أهل العلم وطلابه أن أولئك المجسمة يؤولون الآيات التي
    لا تدل على عقيدتهم الفاسدة التي تنص على أنه سبحانه في السماء أو على العرش
    حقيقة، ولا يؤولون الآيات الاخرى التي يؤخذ (*)
    ===========================================================================

    [132]

    ===========================================================================
    من ظاهرها أنه سبحانه عما يقولون حال في السماء أو فوق العرش، والحق في
    الجميع أي في هذين القسمين أن الظاهر غير مراد وأن الله سبحانه موجود بلا
    مكان لانه خالق المكان ولا يجوز أن يحل فيه، وأنه منزه عن أن يكون في كل
    مكان أو على العرش أو في السماء، وإن جاز أن تطلق هذه الظواهر مجازا ويراد
    منها غير ظاهرها وذلك حسب سياق النصوص التي وردت فيها، فهي إطلاقات عربية
    صحيحة غير مراد ظاهرها عند من تذوق هذه اللغة الفصيحة. ومن تلك الآيات التي
    يستدل بها المجسمة أيضا قوله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه) أي: تعرج
    الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم وهو في السماء، لان السماء محل بره
    وكرامته، وهذا تماما كقول الله تعالى حكاية عن سيدنا ابراهيم عليه السلام
    (إني ذاهب إلى ربي) أي إلى الموضع الذي أمرني به، أو إلى مفارقتكم للتفرغ

    (1/104)

    لعبادة ربي وطاعته، وبمثل الذي قلناه قال القرطبي في تفسيره (18/ 281).
    قال الحافظ ابن حجر في الفتح (13/ 416): " قال البيهقي: صعود الكلام
    الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول، وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في
    السماء. . ". ومن تلك الآيات أيضا قوله تعالى: (إني متوفيك ورافعك إلي)
    ومعناها ورافعك إلى السماء الثانية، كما جاء في الصحيحين في حديث الاسراء
    أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد سيدنا عيسى في السماء الثانية. فيكون
    معنى الآية إني رافعك إلى مكان لا يستطيعون أن يصلوا إليك فيه، ولا يعني أن
    سيدنا عيسى عليه السلام رفع إلى مكان فيه رب العالمين عند جميع العقلاء،
    كما لا يعني أنه الآن عند الله حقيقة أو جالس مثلا بجنبه تعالى الله عن ذلك
    علوا كبيرا، وهذا تماما كقوله تعالى في الظل في سورة الفرقان: (ثم قبضناه
    إلينا قبضا يسيرا) فقوله (إلينا) لا يعني أن الظل في الليل يذهب عند الله
    وأن الله في مكان فليتيقظ أولوا الالباب، وليبتعدوا عمن يفهم القرآن
    بالعجمية والظواهر، وليفهمه بالعربية الفصحى وبأساليبها في المجازات
    الاستعارية، والدقائق البلاغية. ومن تلك الآيات أيضا قوله تعالى: (ءأمنتم
    من في السماء) ومعناهاء أمنتم من شأنه عظيم، لان العرب إذا أرادت أن تعظم
    شيئا وصفته بالعلو فتقول: فلان اليوم في السماء، وفي المقارنة تقول: أين
    الثرى من الثريا، والثريا نجم عال في السماء. فيكون معنى الآية ءأمنتم من
    العظيم الجليل صاحب الرفعة والربوبية والبطش أن (*)
    ===========================================================================

    [133]

    ===========================================================================
    يخسف بكم الارض، أو يكون المراد بقوله تعالى: (من في السماء) سيدنا جبريل
    أو أي ملك يرسله الله ليخسف أي قرية أو أي موضع من الارض، كما أرسل الملك

    (1/105)

    الذي خسف الارض بقوم سيدنا لوط عليه السلام، والملائكة مسكنها السماء.
    بصريح أدلة كثيرة منها ما رواه البخاري (فتح 2/ 33) ومسلم (برقم 632)
    مرفوعا: " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة
    الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بهم -:
    كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون " هذا
    مع قول الله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة، قالوا
    أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فالعربي يفهم من هذا أن الملائكة
    ليسوا في الارض. وأما الآيات التي فيها ذكر النزول كقوله تعالى: (نزل به
    الروح الامين) الشعراء: 192 وقوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) فلا
    دلالة فيها لما تريده المجسمة البتة، وإنما فيها أن الملائكة تنزل من
    السماء إلى الارض، وأن القرآن نقله سيدنا جبريل عليه السلام من السماء أو
    من اللوح المحفوظ الذي هو فوق السماء السابعة إلى الارض بأمر الله تعالى.
    وكل ما أنعم الله به علينا من نعم ورزق أمدنا به يقال: أتانا من الله أو
    أنزله الله تعالى الينا، ومنه قوله تعالى (وأنزل الحديد) مع أن الحديد
    يستخرج من باطن الارض، ويقال: نزل الامر بهم، ومنه قوله تعالى: (فإذا
    نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين) ومنه قوله تعالى: (وأنزل لكم من الانعام
    ثمانية أزواج) الزمر: 6، وهذه الانعام لم تمطر السماء بها قط، ومعنى أنزل
    هنا جعل كما في تفسير الحافظ السلفي ابن جرير (23/ 194). ثم لنعلم جميعا
    أن هناك نصوص كثيرة في الكتاب والسنة الصحيحة يوهم ظاهرها أن الله في الارض
    وفي كل مكان منها: قوله تعالى: (والله معكم) محمد: 35، وقوله: (وهو
    معكم أين ما كنتم) الحديد: 4 والضمائر مثل (هو) تعود على الذوات لا على
    الصفات أصلا كما هو مقرر في العربية والآية التي قبلها (والله معكم) تثبت

    (1/106)

    ذلك قطعيا، وقوله تعالى: (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الارض
    ، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من
    ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا) المجادلة: 7 (*)
    ===========================================================================

    [134]

    ===========================================================================
    فلقائل أن يقول: قول من قال (إلا هو رابعهم): بالعلم، باطل، وهو تأويل
    ركيك، وقول الله بعد ذلك: (إلا هو معهم أين ما كانوا) ينسف هذا التأويل
    بالعلم نسفا، وله أن يقول: إن الصفات لا تفارق الموصوفات. فإن قال قائل:
    إن قلتم أنه في كل مكان لزم منه أن يكون في الاماكن النجسة والمستقذرة!!
    قال له خصمه: كلا بل هو متجاف عنها كما أن أحدنا يمكن أن يكون في أي مكان
    أو كل مكان إلا أنه لا يكون ما دام عالما مختارا في القذر أو النجس. وهذا
    افتراض لجدل باطل وتعالى الله عن ذلك. وقوله تعالى: (ونحن أقرب إليه منكم
    ولكن لا تبصرون) أي ولو كشف الحجاب لابصرتم، فهذا ينفي التأويل للآية
    السابقة بالعلم، وكذلك ينفيه قوله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى) والاصل
    في العربية في لفظة (إنني) أنها تعود على الذات الموصوفة بالسمع والرؤية.
    ويؤكد ذلك كله من القرآن قوله تعالى في شأن سيدنا موسى: (فلما أتاها نودي
    من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله
    رب العالمين، وأن ألق عصاك، فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب
    ، يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين) القصص (30 - 31). فماذا تقول
    المجسمة في (نداء سيدنا موسى من شاطئ الوادي)؟!! (ومن الشجرة)؟!!
    والمنادي سبحانه يقول: (أنا الله رب العالمين) ويقول لسيدنا موسى: (أقبل
    ولا تخف)؟!! ألا يدل ظاهر قوله: (أقبل ولا تخف) بعد قوله: (إني أنا

    (1/107)

    الله رب العالمين) على أن الله سبحانه كان في الارض في تلك الناحية؟!!!
    وبماذا يمكن أن يعدل عن ظاهر هذه الالفاظ؟! ثم إن هناك أحاديث صحيحة تؤيد
    ظواهر مثل هذه الآية منها: حديث البخاري (الفتح 1/ 509) عن عبد الله بن
    عمر مرفوعا: " إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه إذا
    صلى ". وفى رواية أخرى للبخاري من حديث سيدنا أنس مرفوعا: " إن أحدكم إذا
    قام في صلاته فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم
    قبل قبلته. . " (الفتح 1/ 508) قال الحافظ ابن حجر هناك: " فيه الرد (*)
    ===========================================================================

    [135]

    عباده) الانعام: 18 وجعلوا ذلك فوقية حسية، ونسوا أن الفوقية الحسية إنما
    تكون لجسم أو جوهر وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان
    ، ثم إنه كما قال " فوق عباده " قال: " وهو معكم ". فمن حملها على العلم،
    حمل خصمه الاستواء على القهر. أخبرنا علي بن محمد بن عمر الدباس، قال
    أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي قال: كان أحمد بن حنبل يقول:
    الاستواء صفة مسلمة وليست بمعنى القصد ولا الاستعلاء. قال: وكان أحمد لا
    يقول بالجهة للباري لان الجهات تخلى عما سواها. وقال ابن حامد: الحق يختص
    بمكان دون مكان، ومكانه الذي هو فيه وجود ذاته على عرشه. وقال: وذهبت
    طائفة إلى أن الله تعالى على عرشه: قد ملاه، والاشبه أنه مماس للعرش
    والكرسي موضع قدميه. قلت: المماسة إنما تقع بين جسمين، وما أبقى هذا في
    التجسيم بقية. .؟!!

    ===========================================================================
    على من أثبت أنه على العرش بذاته ". وفي صحيح مسلم: (أقرب ما يكون العبد
    من ربه وهو ساجد) فتأمل. ونحن لا نقول بهذه الظواهر الصريحة كما لا نقول
    بتلك الظواهر الصريحة لان الله سبحانه (ليس كمثله شئ) فليعلم أهل الحق أن

    (1/108)

    لكل من الطرفين أشباه أدلة وأن الحق سبحانه وتعالى منزه عن ذلك فهو موجود
    بلا مكان لانه خالق المكان ومجري الزمان فكل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف
    ذلك (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) فتنبه وتيقظ ولا تغفل عن هذا التعليق
    وأمثاله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. (*)
    ===========================================================================

    [136]

    فصل واعلم أن كل من يتصور وجود الحق سبحانه وجودا مكانيا طلب له جهة كما أن
    من تخيل أن وجوده وجودا زمانيا طلب له مدة في تقدمه على العالم بأزمنة وكلا
    التخيلين باطل. وقد ثبت أن جميع الجهات تتساوى بالاضافة إلى القائل بالجهة
    فاختصاصه ببعضها ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه ويكون
    الاختصاص بذلك المعنى زائدا على ذاته وما تطرق الجواز إليه استحال قدمه لان
    القديم هو الواجب الوجود من جميع الجهات. ثم ان كل من هو في جهة يكون مقدرا
    محدودا وهو يتعالى عن ذلك وإنما الجهات للجواهر والاجسام لانها أجرام تحتاج
    إلى جهة والجهة ليست في جهة وإذا ثبت بطلان الجهة ثبت بطلان المكان ويوضحه
    أن المكان يحيط بمن فيه والخالق لا يحويه شئ ولا تحدث له صفة. فإن قيل:
    فقد أخرج في الصحيحين عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك رضي
    الله عنه: أنه ذكر المعراج فقال فيه: " فعلا به إلى الجبار تعالى " فقال:
    " وهو في مكانه يا رب خفف عنا " (56). فالجواب: ان أبا سليمان الخطابي قال
    : هذه لفظة تفرد بها

    ===========================================================================
    (56) هذه ألفاظ من حديث انفرد به البخاري في صحيحه (الفتح 13/ 478) وقد
    أطال الحافظ ابن حجر في نقل أقوال الائمة الحفاظ الذين ردوا هذه الالفاظ
    وشنعوا عليها، وفي هذه المرة قل تعويمه للمسألة نسبيا إلا أنه لم يترك
    إظهار (*)
    ===========================================================================

    (1/109)

    [137]

    شريك، ولم يذكرها غيره وهو كثير التفرد بمناكير الالفاظ، والمكان لا يضاف
    إلى الله عزوجل، إنما هو مكان النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه: مقامه
    الاول الذي أقيم فيه ". قال الخطابي: وفي هذا الحديث " فأستأذنت على ربي
    وهو في داره " (57). يوهم مكانا، وإنما المعنى، في داره التي دورها
    لاوليائه، وقد قال القاضي أبو يعلى في كتابه " المعتمد ": إن الله عزوجل
    لا يوصف

    ===========================================================================
    تعصبه لعصمة " صحيح البخاري " رغم أنه أنصف في موضع هناك (الفتح 13/ 483)
    فقال: " قال الخطابي ليس في هذا الكتاب يعني صحيح البخاري حديث أشنع ظاهرا
    ولا أشنع مذاقا من هذا الفصل. . . " اه‍وذكر أن شريكا راوي هذا الحديث وهو
    " شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي " ترجمته في " تهذيب التهذيب " (4 /
    296 دار الفكر) وقد ذكر الحافظ في الفتح (13/ 485) أيضا بعدما ذكر من وثق
    شريكا هذا أقوال الطاعنين فيه فقال: " وقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية
    شريك من المخالفة مسلم في صحيحه، فإنه قال بعد أن ساق سنده وبعض المتن ثم
    قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، وسبق ابن حزم أيضا إلى الكلام في شريك أبو
    سليمان الخطابي كما قدمته، وقال فيه النسائي وأبو محمد بن الجارود: ليس
    بالقوي، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه، نعم قال محمد بن سعد وأبو
    داود: ثقة فهو مختلف فيه فإذا تفرد عد ما ينفرد به شاذا، وكذا منكرا على
    رأي من يقول المنكر والشاذ شئ واحدا " اه‍كلام الحافظ من الفتح. قلت: وقد
    روى مسلم هذا الحديث دون منكرات شريك هذه ومخالفاته التي خالف فيها الحفاظ
    وهي عشرة ذكرها الحافظ في الفتح (13/ 485) فليراجعها من شاء. (57) رواه
    البخاري (الفتح 13/ 422). (*)
    ===========================================================================

    [138]

    (1/110)

    بالمكان. فإن قيل: نفي الجهات يحيل وجوده (58) قلنا: إن كان الموجود يقبل
    الاتصال والانفصال فقد صدقت، فأما إذا لم يقبلهما فليس خلوه من طرف النقيض
    بمحال. فإن قيل: أنتم تلزموننا أن نقر بما لا يدخل تحت الفهم. قلنا: إن
    أردت بالفهم التخيل والتصور فإن الخالق لا يدخل تحت ذلك إذ ليس يحس ولا يدخل
    تحت ذلك إلا جسم له لون وقدر فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فهو لا يتوهم شيئا
    إلا على وفق ما رآه لان الوهم من نتائج الحس، وإن أردت أنه لا يعلم بالعقل
    فقد دللنا أنه ثابت بالعقل لان العقل مضطر إلى التصديق بموجب الدليل. واعلم
    أنك لما لم تجد إلا حسا أو عرضا وعلمت تنزيه الخالق عن ذلك بدليل العقل الذي
    صرفك عن ذلك فينبغي أن يصرفك عن كونه متحيزا أو متحركا أو منتقلا، ولما كان
    مثل هذا الكلام لا يفهمه

    ===========================================================================
    (58) وقد أجاب على هذا أيضا الحافظ بن حجر في " لسان الميزان " (5/ 114
    الهندية) فقال: " وقوله: قال النافي: ساويت ربك بالشئ المعدوم إذ المعدوم
    لا حد له: نازل، فإنا لا نسلم أن القول بعدم الحد يفضي إلى مساواته
    بالمعدوم بعد تحقق وجوده " اه‍. ومعنى قوله نازل: أي باطل وساقط. وقول من
    قال: نفي الجهات يحيل وجوده. فجوابه: نعم إن كان جسما وأنت قد تخيلته
    كذلك فإذا عرفت أنه سبحانه ليس بجسم ولا عرض وآمنت بذلك صدقت وأيقنت أنه ليس
    كالمخلوقات فليس له جهة سبحانه. وخصوصا إن علمت أيضا أن الارض كروية فجهة
    فوق لشخص في موضع من الارض هي جهة تحت في الجانب المقابل من الكرة الارضية
    لشخص آخر فالعلو نسبي، وبهذا يسقط كلام من يتمسك بالجهة!! (*)
    ===========================================================================

    [139]

    العامي قلنا: لا تسمعوه ما لا يفهمه ودعوا اعتقاده لا تحركوه، ويقال إن
    الله تعالى استوى على عرشه كما يليق به. 8) ومن الآيات قوله تعالى:

    (1/111)

    (ءأمنتم من في السماء) الملك 16. قلت: وقد ثبت قطعا أنها ليست على ظاهرها
    (59)، لان لفظة " في " للظرفية والحق سبحانه غير مظروف، وإذا منع الحس أن
    يتصرف في مثل هذا، بقي وصف العظيم بما هو عظيم عند الخلق. 9) ومنها قوله
    تعالى: (يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله) الزمر: 56.

    ===========================================================================
    (59) ومعنى قوله تعالى (ءأمنتم من في السماء) إما أن يقال أن " من " عائد
    على الله تعالى فيكون المراد: ءأمنتم العظيم الجليل أن يخسف بكم الارض،
    لان العرب تصف من أرادت تعظيمه وإجلاله وبيان سامي قدره ورفيع مكانته بأنه
    في السماء، فتقول: فلان في السماء، وأين الثرى من الثريا ونحو ذلك، وهذا
    مشهور ومعلوم وإما أن يراد ب‍ (من) الملك الذي يرسله الله عزوجل فيخسف الارض
    بالظالمين الفجار، والملائكة مسكنها السماء. وقوله تعالى (ءأمنتم من في
    السماء) مؤول عند المجسمة ب‍ (من على السماء) بدليل قوله تعالى: (لاصلبنكم
    في جذوع النخل) أي عليها، لكنهم لم ينتبهوا إلى أن التعبير ب‍ (في جذوع
    النخل) يقتضي المبالغة في الانتقام الشديد في البلاغة ولذلك عبر عنها " بفي
    جذوع النخل " مجازا بدل " على جذوع النخل، وهو الاصل، لان ظاهر " في " في
    اللغة الظرفية، والله تعالى غير مظروف كما قال المصنف، ومثل ما قلنا هنا
    من تأويل وتفسير قوله تعالى: (ءأمنتم من في السماء) قال الحافظ أبو حيان في
    تفسيره " البحر المحيط " (8/ 302) والله الهادي. فظاهر قوله (من في
    السماء) غير مراد كما أن ظاهر (وهو معكم) و (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا
    تبصرون " غير مراد، وكذا ظاهر (وليعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم
    الصابرين " غير مراد أيضا لانه يفيد حدوث علم جديد لم يكن عند الله عز شأنه
    قبل الجهاد والصبر، والله الموفق. (*)
    ===========================================================================

    [140]

    (1/112)

    أي في طاعته وأمره، أي لان التفريط لا يقع إلا في ذلك، وأما الجنب المعهود
    من ذي الجوارح، فلا يقع فيه تفريط (60). وقال ابن حامد (المجسم): نؤمن
    بأن لله تعالى جنبا بهذه الآية. قلت: وآعجبا من عدم العقول!! إذا لم
    يتهيأ التفريط في جنب مخلوق كيف يتهيأ في صفة الخالق؟! وأنشد ثعلب وفسره:
    " خليلي كفا فاذكرا الله في جنبي " أي في أمري. . . 10) ومنها قوله تعالى:
    (فنفخنا فيه من روحنا) التحريم: 12. قال المفسرون: أي من رحمتنا (61).
    وإنما نسب الروح إليه، لانه بأمره كان. 11) ومنها قوله تعالى: (يؤذون
    الله) الاحزاب 57. قلت: أي يؤذون أولياءه كقوله تعالى: (واسأل القرية)
    يوسف: 81،

    ===========================================================================
    (60) ومن الغريب العجيب أن ترى ابن القيم يثبت لله جنبين بهذه الآية التي لم
    يذكر فيها إلا لفظ جنب، ويستعمل القياس في العقيدة فيقيس الخالق عن المخلوق
    وذلك في كتابه الصواعق المرسلة، (1/ 250) وانظر أيضا مختصر الصواعق (1 /
    33). وقد روى الحافظ البيهقي في " الاسماء والصفات " ص (361) بإسناده عن
    مجاهد في قوله عزوجل: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) قال: يعني ما
    ضيعت من أمر الله. (61) وأوضح من ذلك أن يقال: (من روحنا) أي من الروح
    المخلوقة لنا التي شرفناها بالاضافة لنا، وذلك كقوله تعالى: (أن طهرا بيتي
    للطائفين) فأضاف البيت إلى نفسه تشريفا مع أنه لا يسكنه وتعالى عن ذلك علوا
    كبيرا. (*)
    ===========================================================================

    [141]

    أي: أهلها. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: " أحد جبل يحبنا ونحبه "
    (62). قال الشاعر: أنبئت أن النار بعدك أوقدت واستب بعدك يا كليب المجلس
    12) ومنها قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام)
    البقرة 210، أي بظلل. وكذلك قوله تعالى: (وجاء ربك) الفجر: 22. قلت:

    (1/113)

    قال القاضي أبو يعلى عن أحمد بن حنبل إنه قال: في قوله تعالى: (يأتيهم)
    قال المراد به: قدرته وأمره (63)، قال: وقد بينه في قوله تعالى: (أو
    يأتي أمر ربك)، ومثل هذا في القرآن: (وجاء ربك) قال: إنما هو قدرته. قال
    ابن حامد (المجسم): هذا خطأ، إنما ينزل بذاته بانتقال (64). قلت: وهذا
    الكلام في ذاته تعالى بمقتضى الحس، كما يتكلم في الاجسام، قال ابن عقيل في
    قوله تعالى: (قل الروح من أمر ربي) الاسراء: 85.

    ===========================================================================
    (62) رواه الامام مالك في الموطأ وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه.
    (63) رواه عنه الحافظ البيهقي باسناد صحيح كما في " البداية والنهاية " (10
    / 327). (64) ما أبشع هذا الكلام الذي جاء به هذا المجسم!! وهذا القائل
    هو إمام الشيخ الحراني بتشديد الراء!! الذي يثبث الحركة لله تعالى عما
    يقول ويدعي أنها مذهب السلف في " موافقته " التي بهامش " منهاجه " (2/ 4)
    فتأمل!! (*)
    ===========================================================================

    [142]

    قال: الله كف خلقه عن السؤال عن مخلوق، فكفهم عن الخالق وصفاته أولى.
    وأنشدوا: (حقيقة المرء ليس المرء يدركها فكيف يدرك كنه الخالق الازلي)
    ===========================================================================

    [143]

    فصل ذكر الاحاديث التي سموها أخبار الصفات اعلم أن للاحاديث دقائق وآفات لا
    يعرفهما إلا العلماء الفقهاء (65)، تارة في نظمها، وتارة في كشف معناها،
    وسنوضح بعض ذلك إن شاء الله تعالى.

    ===========================================================================
    (65) ذلك أن الحفاظ عرفوا الحديث الصحيح وحدوه بخمسة أشياء أو شروط وهي: 1)
    اتصال السند 2) عدالة الراوي 3) ضبطه 4) عدم الشذوذ 5) عدم العلة. ولان

    (1/114)

    أكثر الحفاظ لم يجمعوا بين الفقه والحديث فلم يراعوا حقيقة الشرط الرابع
    والخامس الذي وضعوه غالبا لاننا لا ننفي أنهم يحكمون أحيانا على الحديث
    بالشذوذ أو بأنه معلول إلا أن ذلك قليل في الواقع. وها هم يأتون في كلامهم
    على الحديث المعلل بحديث سيدنا أنس الذي في صحيح مسلم: " صليت خلف النبي
    صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله
    رب العالمين. لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم أول القراءة ولا آخرها "
    ويقولون: إن عبارة " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم أول القراءة ولا
    آخرها " ليست من كلام سيدنا أنس وإنما هي من كلام الراوي عنه، لانه فهم من
    كلام سيدنا أنس في قوله: " يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين " أنه
    يعني أنهم ما كانوا يقرأون البسملة، وليس مراد سيدنا أنس ذلك، وانما مراده
    أنهم كانوا يبدأون القراءة بسورة الحمد لله رب العالمين لا بالسورة الصغيرة
    وهكذا فإن هذه العلل أو الشذوذات الدقيقة لا يستطيع الحافظ الذي لم يشتغل
    بالفقه أن يدركها ويحكم بشذوذ الحديث أو عليته، وإنما هذا من اختصاص الحافظ
    الفقيه، وسأعقد إن شاء الله تعالى ملحقا آخر هذا الكتاب في هذه المسألة.
    (*)
    ===========================================================================

    [144]

    الحديث الاول روى البخاري (فتح 11/ 3) ومسلم (4/ 2017 برقم 115) في
    الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
    وسلم: " خلق الله آدم على صورته " (66). قلت: للناس في هذا مذهبان.
    أحدهما: السكوت عن تفسيره، والثاني: الكلام في معناه، واختلف أرباب هذا
    المذهب في الهاء على من تعود. .؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: تعود على بعض
    بني آدم (67)، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يضرب رجلا وهو
    يقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك. فقال: " إذا ضرب أحدكم فليتق

    (1/115)

    الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته " (68).

    ===========================================================================
    (66) المراد بقوله: (على صورته) أي على صورة المضروب، وذلك لان النبي صلى
    الله عليه وسلم مر على رجل يضرب غلامه أو يزجره ويقول له: " قبح الله وجهك
    ووجه من أشبهك " فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر ذلك لان وجوه البشر
    كلها على صورة أبيهم سيدنا آدم عليه السلام وهو نبي مرسل فقال له النبي صلى
    الله عليه وسلم: " لا تقبح الوجه فإن الله خلق آدم على صورته " أي على صورة
    هذا الوجه الذي تقبحه وتضربه: أي مثله في الصورة، فليس شئ من ذلك يتعلق أو
    يعود على الله تعالى، فتنبه، وسيأتي تخريج هذا الحديث بعد قليل وضبط
    ألفاظه الواردة والله الموفق. (67) وهذا هو الوجه الصحيح كما قدمنا ولا
    محيد عنه. (68) رواه الامام أحمد في مسنده (2/ 434) والبخاري بنحوه في
    الادب المفرد ص (*)
    ===========================================================================

    [145]

    قالوا: وإنما اقتصر بعض الرواة على بعض الحديث فيحمل المقتصر على المفسر
    قالوا: فوجه من أشبه وجهك يتضمن سب الانبياء والمؤمنين. وإنما خص آدم
    بالذكر، لانه هو الذي ابتدأت خلقة وجهه على هذه الصورة التي احتذي عليها من
    بعده، وكأنه نبه على أنك سببت آدم وأنت من أولاده وذلك مبالغة في زجره،
    فعلى هذا تكون الهاء كناية عن المضروب، ومن الخطأ الفاحش أن ترجع إلى الله
    عزوجل بقوله: ووجه من أشبه وجهك فإنه إذا نسب إليه شبه سبحانه وتعالى كان
    تشبيها صريحا. وفي صحيح مسلم (4/ 2017) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه
    - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه
    ، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته ". القول الثاني (69): " إن الهاء
    كناية عن إسمين ظاهرين، فلا يصح أن يضاف إلى الله عزوجل لقيام الدليل على

    (1/116)