Laskar Informasi

Pencarian Daftar Isi

الكتاب : دفع شبه التشبيه لابن الجوزي- تحقيق حسن السقاف

13 Dec 2015

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة


    الكتاب : دفع شبه التشبيه لابن الجوزي- تحقيق حسن السقاف
دفع شبه التشبيه لابن الجوزي- تحقيق حسن السقاف

دفع شبه التشبيه لابن الجوزي

تحقيق حسن السقاف

===========================================================================

[1]

دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه تأليف الامام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن
الجوزي الحنبلي المتوفى سنة 597 ه‍حققه وقدم له حسن السقاف دار الامام
النووي
===========================================================================

[2]

حقوق الطبع محفوظة للمحقق الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة 1413 ه‍- 1992 م دار
الامام النووي عمان - الاردن - ص. ب 925393 هاتف 172011
===========================================================================

[3]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي دفع شبه التشبيه والتجسيم، بأكف
التنزيه بالعلم والتعليم، وكشف لنا من النصوص خفيات المعاني، وأوقفنا على
المراد من تلك المباني، وجعل آلاءه على ذوي الاخلاص دائمة مستمره، وبشائر
رضاه متجددة على أوليائه بإعطائهم ابتهاج العلم ودره، فأضحت قلوبهم
وأرواحهم بمدده مشرقة الاوضاح متهللة الاسرة، فسبحان من أطلع أنجمهم بأفق
التقريب مرة بعد مرة، وجعلهم يجدلون المحجوبين بالاغيار من أهل التجسيم
والتشبيه كرة بعد كره. ونحمد الله تعالى أن جبل سجايانا في مقام الاحسان
والمبره، وسخرنا لنشر عقيدة الاسلام الصحيحة والذب عنها بحجج وبراهين دامغة
ولا زلنا نعرف خيره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشرح
للمؤمن صدره، وتصلح للموقن بها أمره، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده
ورسوله الذي أسمى سبحانه على الخلائق قدره، وتولى في المضايق نصره، وأعلى
في المشارق والمغارب ذكره، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الذين أذهب عنهم
الرجس أعز عتره، ورضي الله عن أصحابه الذين أسدوا المنة ولم يخالفوا أمره،
صلاة ورضوانا متواصلين في كل أصيل ومكررين في كل بكره، ما وهب فضل الله

(1/1)

مستحقا فسر بالعواطف والعوارف سره، وجعل عالما خلفا لعالم فحل محله وقر
مقره.
===========================================================================

[4]

أما بعد: فلا نريد الاطالة والاسهاب، وإنما نريد الايضاح وخدمة أهل العلم
والطلاب، وإفادة المسلمين عامة والاحباب، بتقديم مقدمة نفيسة لكتاب الحافظ
عبد الرحمن بن الجوزي القرشي رحمه الله تعالى نذكر فيها الابواب التالية:
الباب الاول: في التعريف بالحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى. الباب
الثاني: إثبات التأويل عند السلف. الباب الثالث: في بيان أن خبر الواحد
يفيد الظن ولا يوجب العلم وإنما يوجب العمل فلا تبنى عليه أصول الدين.
الباب الرابع: ذكر الحديث الصحيح وما يتعلق به وبيان أن كثيرا من الحفاظ لم
ينظروا إلى الشذوذ والعلة اللذين قد يوجدان فيه، وهو بحث مهم جدا. الباب
الخامس: إبطال استدلالات المشبهة على العلو الحسي وبيان بعض تمويهاتهم في
ذلك. وذكر أهم أسماء الكتب التي يتكئ عليها المجسمة في موضوع التوحيد
والصفات والتنفير منها، والحض على كتب معتمدة في التوحيد. فنقول وبالله
تعالى التوفيق:
===========================================================================

[5]

الباب الاول التعريف بالحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى قال الحافظ الذهبي
في " سير أعلام النبلاء " (21/ 365): " أبو الفرج ابن الجوزي: الشيخ
الامام العلامة، الحافظ المفسر، شيخ الاسلام (1)، مفخر العراق، جمال
الدين، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي ابن عبيد الله بن عبد
الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن
القاسم بن عبد الله ابن الفقيه عبد الرحمن ابن الفقيه القاسم بن محمد ابن
خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق القرشي التيمي البكري
البغدادي الحنبلي الواعظ صاحب التصانيف ولد سنة تسع أو عشر وخمس مائة " اه‍
(1/2)

" وجد بخطه قبل موته أن تواليفه بلغت مئتين وخمسين تأليفا ". قلت: وقد
ذكر الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (21/ 374) أن من جملة تصانيفه
: هذا الكتاب وسماه: " كف التشبيه بأكف أهل التنزيه " مجيليد. يقول حسن
السقاف: وهذا سند اتصالنا بالكتاب:

===========================================================================
(1) لا نجيز إطلاق هذه اللفظة على عالم، لان دين الاسلام لا يملك أحد أن
يكون شيخه دون الباقين، لا سيما وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يسم بذلك فكيف يطلق على غيره؟!! (*)
===========================================================================

[6]

أرويه عن سيدي المحدث المفيد أبا الفضل عبد الله بن الصديق الغماري عن الشيخ
المعمر محمد دويدار الكفراوي التلاوي عن الشيخ ابراهيم الباجوري عن الامير
الكبير عن البدر الحفني عن العلامة البديري عن ابراهيم الكردي عن صفي الدين
القشاشي عن الشمس الرملي عن العلامة زكريا الانصاري عن مسند الديار المصرية
في وقته عبد الرحيم ابن الفرات عن أبي حفص عمر المراغي عن الفخر أبي الحسن
علي بن أحمد المعروف بابن البخاري الحنبلي عن الحافظ ابن الجوزي به. وأرويه
عن السيد سالم بن عمر بن عبد الرحمن السقاف عن العلامة السيد محمد بن هادي
السقاف عن عوض بن محمد العفري الزبيدي عن السيد اسماعيل ابن زين العابدين
البرزنجي المدني عن صالح الفلاني المدني عن محمد سعيد بن سفر المدني عن
الشيخ محمد بن عبد الله المغري المدني عن عبد الله بن سالم البصري المكي عن
علي الطبري المكي عن عبد الواحد الحصاري عن عبد الحق السنباطي عن الحافظ ابن
حجر العسقلاني عن الحافظين أبي الفضل العراقي وأبي الحسن الهيثمي قالا
أخبرنا أبو الفضل محمد بن اسماعيل بن عمر الحموي قال أخبرنا الفخر ابن
البخاري عن الحافظ ابن الجوزي به. ولنا إليه أسانيد أخرى تركتها خوف
الاطالة.
(1/3)

===========================================================================

[7]

الباب الثاني إثبات التأويل عند السلف السبب في عقد هذا الباب أنه قد نشرت
كتب كثيرة في زماننا هذا من قبل من يميل إلى التشبيه والتجسيم ومن على
شاكلتهم من " تجار الكتب " الذين لا هم لهم إلا تحقيق الربح المادي وإرضاء
من تنفق بضاعتهم في بلادهم، فاستمرأوا طبع بعض الكتب التي تبحث في موضوع
العقائد والتوحيد، والتي نص مؤلفوها وهم من الخلف على الاخذ بظواهر النصوص
المتعلقة في التوحيد والصفات مما هي في الحقيقة إضافات لا يراد منها اثبات
صفات كما سيمر في صلب كتابنا هذا، كما نصوا على عدم القول بالتأويل وأنه من
شعار الجهمية والمعطلة بزعمهم، وقد راج هذا الامر على كثير من طلبة العلم
الذين لم يدركوا حقيقة الامر بعد، بل تعدى ذلك إلى نسبة كبيرة من المدرسين
في كليات الشريعة والمعاهد الشرعية فظنوا أن ما يقوله بعض المشبهة من أن
التأويل ضلال وبدعة وتعطيل وتجهم وأنه لم يكن عند السلف حقا، وليس الامر
كذلك على الحقيقة، بل من قرأ ودرس وفتش وبحث وطالع ونقب فإنه سيجد لا محالة
أن العدول من الائمة الثقات في القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية المسماة
عند بعض العلماء بقرون السلف قد أولوا كثيرا من النصوص المتعلقة بموضوع
الصفات والتوحيد وبينوا أن الظاهر منها غير مراد، وحسبي في مثل هذا المقام
أن أسرد بعض تأويلاتهم وأن أبين قبل ذلك أنهم تعلموا التأويل من كتاب الله
تعالى وسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الصحيحة وإليك ذلك (1):

===========================================================================
(1) وإنني أنصح كل من لم يتفكر في مآله وآخرته وانقلابه إلى ربه ودخوله في
قبره من تجار الكتب وأرقائهم الذين يحققون!! الكتب لهم أن يبتغوا طاعة
الله ورضاه (*)
===========================================================================
(1/4)

[8]

1) لقد علمنا الله تعالى (التأويل) في كتابه العزيز، أي عدم إرادة ظاهر
النص الوارد (1) في قوله تعالى:

===========================================================================
قبل أن يفكروا في الربح المادي وطرق ترويج الكتب، وخصوصا الكتب التي تحوي
عقائد تالفة، وأمورا مفروغا من بطلانها، وليعلم جميع المسلمين أن هناك من
يقوم على ترويج كتب فيها مخالفة عقيدة الاسلام الصحيحة بإسم الاسلام والى
ترجمتها إلى لغات عديدة لقاء دراهم معدودة، وإنني أعرف أشخاصا طعنت أسنانهم
، ودنا وقت حصادهم للقاء رب العالمين، وهم أبعد الناس عن الرجوع والتفكر في
إصلاح قلوبهم وتعميرها بذكر الله تعالى، وتربية نفوسهم وسياستها بل إنهم
منهمكون في جمع حطام الدنيا، راغبون في هذه الدنيا، يقولون للناس: كفوا
ألسنتكم وقد أجازوا لانفسهم الولوغ في أعراض الناس وشتمهم بأحقر الكلمات،
وأسقط العبارات، والرجل منهم ذو وجهين، يكونون أمام كل إنسان بوجه يلائمه
حتى يحصلوا الرضى من الجميع كما يتوهمون، والله أحق أن يخشوه ويرضوه، وقد
بلغ الامر ببعضهم أنهم يدونون في تلك الكتب التي ينشرونها ما لا يعتقدون،
ويقولون ما لا يفعلون وأخص منهم من يضعف حديث الذبابة ويدين بذلك ثم يكتب في
تعليقاته المنقولة من كتب غيره أنه صحيح (تجاريا)!! وهو يعرف نفسه تماما.
اللهم إني قد بلغت، فلتكونوا على علم ومعرفة أيها المسلمون بهذه الطائفة،
وأسال الله تعالى أن يهدي " تجار الكتب " وأجراءهم الذين يمتصون لهم ويقللون
أجور الموظفين ليرضوهم ويسخطوا الله تعالى إلى التوبة من تلك الحوبة إنه
سميع مجيب. 1) ولا نطالب من اعتقد أن التأويل ضلال مبين أن يسمي ما سنذكره
له من الادلة الواردة في الكتاب والسنة والاقوال المنقولة عن السلف تأويلا،
إذ لا مشاحة في التسمية، وانما نريد بيان روح المعنى المراد من ذلك وهو عدم
(1/5)

إرادة ظاهر تلك النصوص وإنما المراد من ذلك معنى آخر بلاغي في لغة العرب
التي نزل بها القرآن وهو ما يسمى بالمجاز أو بأي شئ آخر فتأمل. (*)
===========================================================================

[9]

(نسوا الله فنسيهم) التوبة: 67 وقوله تعالى (إنا نسيناكم) السجدة: 14
فبهذه الآيات لا نثبت لله تعالى صفة النسيان وإن ورد لفظ النسيان في القرآن
الكريم، ولا يجوز لنا أن نقول: إن لله نسيانا ولكنه ليس كنسياننا، وذلك
لان الله عزوجل قال: (وما كان ربك نسيا) مريم: 64. ولا يحل لرجل عاقل بعد
هذا أن يقول: " ينسى لا كنسياننا، ويجلس لا كجلوسنا، وهو في السماء ليس
كمثله شئ، كما نقول: هو سميع ليس كسمعنا، وهو بصير ليس كبصرنا. . . . "
والجواب على هذا أننا نقول له: قولك لا كنسياننا، ولا كجلوسنا، وليس
كمثله شئ بعد قولك هو في السماء، لن يفيدك البتة، ولن ينفي عنك التشبيه
والتجسيم، لانه ليس كل ما ورد يصح أن يوصف الله عزوجل به، وإيراد جملة:
(سميع لا كسمعنا وبصير لا كبصرنا) لن يجدي المموه شيئا، وذلك لان المراد
بأنه يسمع لا كسمعنا: أن نثبت لله تعالى صفة السمع ثم ننزهه عن آلة السمع
وهي الاذن، فيتصور وجود صفة السمع بلا آله ثم يفوض علم ذلك لله تعالى بعد
الايمان بصفة السمع لان صفة الخالق لا يمكن للمخلوق أن يدركها، لكن الجلوس
والحركة لا يتصور فيهما شئ يمكن نفيه ثم تفويض الحقيقة الباقية إلى الله
تعالى، فالحركة مثلا التي يصف الشيخ الحراني بها المولى سبحانه وتعالى عما
يقول لا يفهم منها ولا تعقل إلا بأنها انتقال من مكان إلى مكان، فإذا نفيت
بعد إثباتها الانتقال لم تعد حركة فيبطل الكلام ويقع التناقض لانه لم يبق شئ
يمكن إثباته خلافا للسمع والبصر فتأمل جيدا. ويتضح هذا أكثر في المثال
الثاني:
===========================================================================

[10]
(1/6)

2) ثبت في صحيح مسلم (4/ 1990 برقم 2569) عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن الله تعالى يقول: " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف
أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما
علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. . " الحديث فهل يا قوم يجوز لنا أن نقول:
نثبت لله صفة المرض ولكن ليس كمرضنا؟!! وهل يجوز أن نعتقد أن العبد إذا
مرض مرض الله تعالى أيضا وكان عند المريض على ظاهره وحقيقته؟!!. كلا،
ثم كلا، بل نقول إن من وصف الله تعالى بأنه يمرض أو قال إن له صفة المرض
كفر بلا مثنوية، مع كون تاء مرضت مضمومة وير تدذ عربية على أن المرض يتعلق
بالمتكلم، لانه مع كل هذا نقول: الظاهر غير مراد وهو مصروف ومؤول عند جميع
المسلمين العقلاء، فيكون هذا دليلا واضحا كالشمس من السنة في تعليمنا
التأويل. ومعنى الحديث كما قال الامام الحافظ النووي في " شرح صحيح مسلم "
(16/ 126): " قال العلماء إنما أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى والمراد
العبد، تشريفا للعبد وتقريبا له، قالوا: ومعنى: وجدتني عنده أي: وجدت
ثوابي وكرامتي. . . . . . " اه‍فتأمل. وعلى هذه القاعدة الواضحة للتأويل
المبنية على نصوص الكتاب والسنة سار الصحابة والتابعون وأتباعهم وأئمة
الاجتهاد والحفاظ المحدثون ولننقل لكم بعض تأويلاتهم حتى يزداد القلب
طمأنينة وانشراحا فنقول:
===========================================================================

[11]

3) ممن أول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما ابن عم رسول الله صلى الله عليه
وسلم الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " اللهم علمه الكتاب
" (1) فقد نقلت عنه تأويلات كثيرة فيما يتعلق بمسألة الصفات بأسانيد صحيحة
نذكر بعضها: أ - أول ابن عباس قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) القلم: 42،
فقال: " يكشف عن شدة " فأول الساق بالشدة. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في "
(1/7)

فتح الباري " (13/ 428) والحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره (29/ 38) حيث
قال في صدر كلامه على هذه الآية: " قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل
التأويل: يبدو عن أمر شديد " اه‍. قلت: ومنه يتضح أن التأويل كان عند
الصحابة والتابعين وهم سلفنا الصالح. قلت: ونقل ذلك الحافظ ابن جرير أيضا
عن: مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم. ب - وأول سيدنا ابن عباس رضي
الله عنه أيضا قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) الذاريات:
47، " قال: بقوة " كما في تفسير الحافظ ابن جرير الطبري (7/ 27)، ولفظة
(أيد) هي جمع يد وهي الكف كما في " القاموس المحيط " في مادة (يدى) حيث جاء
فيه: " اليد: الكف، أو من أطراف الاصابع إلى الكتف، أصلها يدي جمعها:
أيد ويدي " وانظر " تاج العروس شرح القاموس " (10/ 417 - 418). ومنه قوله
تعالى: (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها)

===========================================================================
(1) رواه البخاري (الفتح 1/ 169) (*)
===========================================================================

[12]

الاعراف: 7. وتستعمل لفظة (أيد) مجازا وتؤول في عدة معان منها: " القوة "
كقوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) أي: بقوة، ومنها: " الانعام
والتفضل) " ومنه قوله تعالى: (واذكر عبدنا داود ذا الايد إنه أواب) ص: 17
فتأمل. وقد نقل الحافظ ابن جرير في تفسيره (27/ 7) تأويل لفظة (أيد)
الواردة في قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) بالقوة أيضا
عن جماعة من أئمة السلف منهم: مجاهد وقتادة ومنصور وابن زيد وسفيان. ج‍ -
وأول أيضا سيدنا ابن عباس النسيان الوارد في قوله تعالى: (فاليوم ننساهم
كما نسوا لقاء يومهم هذا) بالترك، كما في تفسير الحافظ الطبري (مجلد 5 /
جزء 8 / ص 201) حيث قال ابن جرير: " أي ففي هذا اليوم، وذلك يوم القيامة
(1/8)

ننساهم، يقول نتركهم في العذاب. . . " اه‍. فقد أول ابن جرير النسيان
بالترك، وهو صرف لهذا اللفظ عن ظاهره لمعنى جديد مجازي، ونقل الحافظ ابن
جرير هذا التأويل الصارف عن الظاهر ونقل ذلك ورواه بأسانيده عن ابن عباس
ومجاهد. . . وغيرهم. وابن عباس صحابي ومجاهد تابعي وابن جرير من أئمة
السلف المحدثين، إذن ثبت التأويل في ما يتعلق بالصفات عن السلف بلا شك ولا
ريب، وعلى ذلك سار الاشاعرة فهم مصيبون، وقد أخطأ خطأ فادحا وغلط غلطا
لائحا من تطاول على الاشاعرة وضللهم لانهم يؤولون!!، والحق أنهم على هدي
الكتاب والسنة سائرون، والحمد لله رب العالمين. 4) الامام أحمد بن حنبل
يؤول أيضا: روى الحافظ البيهقي في كتابه " مناقب الامام أحمد " وهو كتاب
مخطوط ومنه نقل الحافظ ابن كثير في " البداية والنهاية " (10/ 327) فقال:
" روى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد
===========================================================================

[13]

بن حنبل تأول قول الله تعالى: (وجاء ربك) أنه: جاء ثوابه. . ثم قال
البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه ". انتهى كلام ابن كثير. وقال ابن كثير
أيضا في " البداية " (10/ 327): " وكلامه - أحمد - في نفي التشبيه وترك
الخوض في الكلام والتمسك بما ورد في الكتاب والسنة عن النبي صلى الله عليه
وسلم وعن أصحابه " اه‍. 5) تأويل آخر للامام أحمد: قال الحافظ ابن كثير
أيضا في " البداية والنهاية " (10/ 327): " ومن طريق أبي الحسن الميموني
عن أحمد بن حنبل أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: (ما يأتيهم
من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) قال: يحتمل أن يكون تنزيله
إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث. وعن حنبل عن أحمد أنه قال:
يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القران " اه‍. قلت: وهذا تأويل محض، ظاهر واضح
،
(1/9)

وهو صرف اللفظ عن ظاهره وعدم إرادته حقيقه ظاهرة. 6) تأويل آخر عن الامام
أحمد: قال الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (10/ 578): (قال أبو
الحسن عبد الملك الميموني: قال رجل لابي عبد الله - أحمد بن حنبل -: ذهبت
إلى خلف البزار أعظه، بلغني أنه حدث بحديث عن الاحوص عن عبد الله - بن
مسعود - قال: " ما خلق الله شيئا أعظم من آية الكرسي. . . " وذكر الحديث،
فقال أبو عبد الله - أحمد بن حنبل -: ما كان
===========================================================================

[14]

ينبغي أن يحدث بهذا في هذه الايام - يريد زمن المحنة - والمتن: " ما خلق
الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي " وقد قال أحمد بن حنبل لما أوردوا
عليه هذا يوم المحنة: إن الخلق واقع ههنا على السماء والارض وهذه الاشياء،
لا على القرآن). اه‍7) تأويل آخر عن الامام أحمد يتعلق بمسألة الصفات:
روى الخلال بسنده عن حنبل عن عمه الامام أحمد بن حنبل (1) أنه سمعه يقول:
(احتجوا علي يوم المناظرة، فقالوا: " تجئ يوم القيامة سورة البقرة. . . .
" الحديث، قال: فقلت لهم: إنما هو الثواب) اه‍. فتأمل في هذا التأويل
الصريح. 8) تأويل الامام البخاري صاحب الصحيح رحمه الله تعالى: نقل الحافظ
البيهقي في " الاسماء والصفات " ص (470) عن البخاري أنه قال: " معنى الضحك
الرحمة " اه‍. وقال الحافظ البيهقي ص (298): " روى الفربري عن محمد بن
اسماعيل البخاري رحمه الله تعالى أنه قال: معنى الضحك فيه - أي الحديث -
الرحمة " اه‍فتأمل. وقد نقل هذا التأويل أيضا الحافظ ابن حجر في " فتح
الباري " كما سيأتي في حديث الضحك في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

===========================================================================
(1) أي أن حنبل سمع الامام أحمد يقول، وقد نقل هذا لنا عن الخلال المحدث
(1/10)

الامام محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على " دفع شبه التشبيه
" ص (28). (*)
===========================================================================

[15]

9) تأويل النضر بن شميل وهو الامام الحافظ اللغوي من رجال الستة ولد سنة
(122) ه‍: ذكر الحافظ البيهقي في " الاسماء والصفات " ص (352) والحافظ ابن
الجوزي في هذا الكتاب " دفع شبه التشبيه " أن النضر بن شميل الحافظ السلفي
قال: إن معنى حديث: " حتى يضع الجبار فيها قدمه " أي من سبق في علمه أنه
من أهل النار. وكذا قال ذلك الامام أبو منصور الازهري كما نقله الحافظ ابن
الجوزي في " دفع شبه التشبيه " عنه. وقال الحافظ ابن الجوزي أيضا: " وقد
حكى أبو عبيد الهروي - صاحب كتاب غريب القرآن والحديث - عن الحسن البصري أنه
قال: القدم: هم الذين قدمهم الله تعالى من شرار خلقه وأثبتهم لها ". 10)
تأويل الامام هشام بن عبيد الله: قال الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء
" (10/ 446) في ترجمته: " هو الرازي السني الفقيه، أحد أئمة السنة " توفي
سنة (221) ه‍. ثم قال الذهبي: " قال محمد بن خلف الخراز: سمعت هشاما بن
عبيد الله الرازي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال له رجل: أليس
الله يقول: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) فقال: محدث إلينا، وليس عند
الله بمحدث.
===========================================================================

[16]

قلت: لانه من علم الله، وعلم الله لا يوصف بالحدوث " انتهى كلام الحافظ
الذهبي. 1) تأويل سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: ذكر الحافظ ابن الجوزي
أثناء كلامه على الحديث الحادي والثلاثين في " دفع شبه التشبيه " في تأويل
حديث: " آخر وطأة وطئها الرحمن بوج " أي: آخر غزاة غزاها رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالطائف. فانظره هناك. 12) تأويل من جملة تأويلات الحافظ
(1/11)

ابن جرير الطبري السلفي ت (311) ه‍: ذكر الحافظ ابن جرير في " تفسيره " (1
/ 192) عند تأويل قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء) ما نصه: " والعجب ممن
أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: (ثم استوى إلى
السماء) الذي هو بمعنى: العلو والارتفاع. هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه
إذا تأوله بمعناه المفهوم، كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها
إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم يبج مما هرب منه، فيقال
له: زعمت أن تأويل قوله: (استوى): أقبل، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل
إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك
فقل: علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال " اه‍. فاتضح بهذا أن
السلف كانوا يفسرون الاستواء بالملك والقهر والسلطان والجلال والرفعة
والكبرياء والعظمة، لا بالعلو الحسي، كما صرح بذلك الامام الحافظ ابن جرير
عنهم، وهذا هو الموافق للشرع والعقل، وهو الذي
===========================================================================

[17]

قاله أهل الحديث من بعدهم كالحافظ ابن حبان والحافظ البيهقي وبعدهما مثل
الحافظ النووي والحافظ ابن حجر الذي يقول في " فتح الباري " (6/ 136) موضحا
هذه المسألة: " ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله أن لا
يوصف بالعلو لان وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس
" اه‍. قلت: وهذا تأويل صريح للعلو من الحافظ بن حجر بأنه علو معنوي لا
حسي كما تتوهم المجسمة والمشبهة، ولا يحصى كم للامام الحافظ ابن حجر
وللامام الحافظ النووي من تأويل في شرحهما على الصحيحين البخاري ومسلم. 13)
ابن حبان المتوفى سنة (354) ه‍يؤول أيضا في صحيحه: أول الحافظ ابن حبان في
صحيحه (1/ 502) حديث: " حتى يضع الرب قدمه فيها - أي جهنم - " فقال: "
(1/12)

هذا الخبر من الاخبار التي أطلقت بتمثيل المجاورة، وذلك أن يوم القيامة
يلقى في النار من الامم والامكنة التي يعصى الله عليها، فلا تزال تستزيد
حتى يضع الرب جل وعلا موضعا من الكفار والامكنة في النار فتمتلئ، فتقول:
قط قط، تريد: حسبي حسبي، لان العرب تطلق في لغتها اسم القدم على الموضع.
قال الله جل وعلا: (لهم قدم صدق عند ربهم) يريد: موضع صدق، لا أن الله جل
وعلا يضع قدمه في النار، جل ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه " اه‍. قلت:
وقد نقلت هذا الكلام في التعليق رقم (101) على " دفع شبه التشبيه ".
===========================================================================

[18]

14) تأويل الامام مالك رحمه الله تعالى: روى الحافظ ابن عبد البر في
التمهيد (7/ 143) وذكر الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (8/ 105)
أن الامام مالكا رحمه الله تعالى أول النزول الوارد في الحديث بنزول أمره
سبحانه وهذا نص الكلام من " السير ": " قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون
بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب حدثنا حبيب بن أبي حبيب حدثني مالك قال: "
يتنزل ربنا تبارك وتعالى أمره، فأما هو فدائم لا يزول " قال صالح: فذكرت
ذلك ليحيى بن بكير، فقال حسن والله، ولم أسمعه من مالك ". قلت: ورواية
ابن عبد البر من طريق أخرى فتنبه. وقد ذكرنا هذا عن الامام مالك في التعليق
رقم (129). 15) تأويل الحافظ الترمذي رحمه الله تعالى: ذكر الحافظ الترمذي
في سننه (4/ 692) بعد حديث الرؤية الطويل الذي فيه لفظة " فيعرفهم نفسه "
فقال: " ومعنى قوله في الحديث: فيعرفهم نفسه يعني يتجلى لهم " اه‍وله
تأويل آخر في سننه (5/ 160) 16) تأويل الامام سفيان الثوري رحمه الله تعالى
: ذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (7/ 274) في ترجمة سيد الحفاظ في
زمانه الامام الثوري أن معدان سأل الامام الثوري عن قوله تعالى: (وهو معكم
أينما كنتم) فقال: بعلمه.
(1/13)

===========================================================================

[19]

قلت: وهذا تأويل ظاهر وصرف للفظ عن ظاهره، لا سيما وأن لفظة هو الواردة في
قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) تعود على الذات لا على الصفات أصلا،
ومع ذلك لما كان ظاهرها مستحيلا صرفت إلى المجاز فأولت، والله الموفق. 17)
الامام أبو الحسن الاشعري يؤول في كتابه " الابانة " وفي كتابه " رسالة أهل
الثغر " اللذين تتظاهر المجسمة والمتمسلفة الاحتجاج بما فيهما: قال الامام
أبو الحسن الاشعري في كتابه " الابانة " المحقق على أربع نسخ خطية (دار
الانصار تحقيق الدكتوره فوقيه) ص (21) ما نصه: " وأن الله تعالى استوى على
العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة
والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته
محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شئ إلى
تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات
عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو
أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شئ شهيد " اه‍. وتنبهوا: إلى أن
هذه القطعة من " الابانة " محذوفة من أكثر نسخ الابانة التي طبعها سلفية
العصر والموجودة في الاسواق وبأيدي الناس، وابحثوا عن النسخة المشار إليها
وهي متوفرة ومطبوعة. وقال الامام أبو الحسن الاشعري في " رسالة أهل الثغر "
وهي من آخر مؤلفاته ص (73):
===========================================================================

[20]

" وأجمعوا على أنه عزوجل يرضى عن الطائعين له، وأن رضاه عنهم إرادته
لنعيمهم، وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم، وأن غضبه
إرادته لعذابهم " اه‍فالاشعري هنا يؤول الرضا والغضب بصراحة فأين ما يدعيه
(1/14)

المتمسلفون؟!! 18) الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى مؤول أيضا: كتابنا
هذا " دفع شبه التشبيه " يثبت ذلك عنه بلا شك، والله الموفق. فهذه ثماني
عشرة نقطة فيها أكثر من عشرين تأويلا عن الصحابة وأهل القرون الثلاثة من
أئمة العلماء والمحدثين كلها تثبت مع الادلة التي سقناها في صدر الكلام أن
التأويل حق وأنه من قواعد الشريعة وأنه من نهج السلف الصالح والله الموفق.
===========================================================================

[21]

التفويض أيضا كان مذهب السلف الصالح لقد بينا فيما تقدم بما لا يدع مجالا
للشك أن التأويل ثابت في الكتاب والسنة، وهو من نهج السلف الصالح، ونقلنا
في ذلك ما يبرهن إثبات هذا الامر بوضوح تام، وبقيت مسألة التفويض، ولا شك
أن السلف كانوا يفوضون الكيف والمعنى وهو المراد بالتفويض عند إطلاقه بلا شك
ومن ذلك قول الامام أحمد رحمه الله تعالى عندما سئل عن أحاديث الصفات: "
نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى " رواه عنه الخلال بسند صحيح. ونصوص
أئمة السلف في قولهم أمروها كما جاءت مع عدم الخوض في بيان معناها أكثر من
أن تحصر، من ذلك ما قاله الامام الحافظ الترمذي في سننه (4/ 692): "
والمذهب في هذا عند أهل العلم من الائمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس،
وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الاشياء، ثم قالوا
: تروى هذه الاحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف. وهذا الذي اختاره أهل الحديث
أن تروى هذه الاشياء كما جاءت (1) (2) (3) (4) ويؤمن بها، ولا تفسر، ولا
تتوهم، ولا يقال كيف، وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه " اه‍
قلت: وقوله (ولا تفسر هي نفس قول بعض أئمة السلف (قراءتها تفسيرها)،
وقوله (ولا تتوهم) معناه: يصرف ظاهرها الذي يوهم مشابهة الله
===========================================================================

[22]
(1/15)

لخلقه مع تفويض المعنى الحقيقي لله تعالى، وأما الكيف فلا نحتاج لتفويضه
لان الكيف محال على الله تعالى، كما قال الامام مالك رحمه الله تعالى:
(ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع) أي أنه لا كيف لله تعالى وهذا الذي قررناه
هنا ونقلناه عن السلف هو عين قول صاحب الجوهرة اللقاني الاشعري رحمه الله
تعالى: وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها لمن تدبر ذلك. ونقل
الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (8/ 105) عن الامام مالك أنه قال
في أحاديث الصفات: " أمرها كما جاءت بلا تفسير ". وقال الحافظ الذهبي هناك
قبل ذلك بأسطر: فقولنا في ذلك وبابه: الاقرار، والامرار، وتفويض معناه
إلى قائله الصادق المعصوم " اه‍. قلت: وقد أجاد الحافظ الذهبي هنا عندما
قرر أن الواجب هنا هو تفويض المعنى، وهذا يوافق ما قاله الامام أحمد " ولا
كيف ولا معنى ". وهو يثبت بلا شك أن مذهب السلف والامام أحمد والحفاظ أهل
الحديث كالذهبي وغيره أن التفويض في المعنى هو العقيدة التي كان عليها خيار
هذه الامة من السلف والخلف وأنها هي الموافقة لقول الله عزوجل: (وما يعلم
تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا " آل
عمران: 7.
===========================================================================

[23]

قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (13/ 390) في مسألة الصفات إن فيها
ثلاثة مذاهب نقلا عن ابن المنير وذكر المذهب الثالث فقال: " والثالث:
إمرارها على ما جاءت مفوضا معناها إلى الله تعالى. . . . . ". ثم قال بعد
ذلك مباشرة: " قال الطيبي: هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح "
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (13/ 383) أيضا مائلا للتفويض: " والصواب
الامساك عن أمثال هذه المباحث والتفويض إلى الله في جميعها والاكتفاء
بالايمان بكل ما أوجب الله في كتابه أو على لسان نبيه. . . " اه‍. وقال
(1/16)

الحافظ قبل ذلك بأسطر في الفتح (13/ 383) ناقلا عن الحافظ ابن دقيق العيد
رحمه الله تعالى في تقرير التأويل والتفويض: " وقال ابن دقيق العيد في
العقيدة: نقول في الصفات المشكلة إنها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله
، ومن تأولها نظرنا فإن كان تأويله قريبا على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه
، وإن كان بعيدا توقفنا عنه ورجعنا إلى التصديق مع التنزيه ". اه‍قلت:
وهو كلام في غاية الدقة والروعة والحمد لله رب العالمين، وقد تبين مما سبق
أن التأويل والتفويض كانا عند السلف ولهما أدلة في الكتاب والسنة الصحيحة
بلا شك ولا ريب، وقد أخطأ من قال: " التفويض مذهب السلف والتأويل مذهب
الخلف "، وقد تبين بالبحث والتمحيص أن السلف
===========================================================================

[24]

كانوا يؤولون أحيانا ويفوضون أحيانا فإذا فهمت وعلمت وتأملت ما ذكرناه في
إثبات التأويل والتفويض عن السلف فاعلم الآن هذه المسألة المهمة: (مسألة
مهمة جدا): ادعى الشيخ الحراني في كتابه " الموافقة " (1/ 180) بهامش
منهاج سنته) أن التفويض من شر أقوال أهل البدع والالحاد فقال هناك ما نصه:
" فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر
أقوال أهل البدع والالحاد " (1)!! اه‍فعلى ذلك يكون أئمة السلف الذين
نقلنا أقوالهم في التفويض من " سنن الترمذي " وغير ذلك، والحافظ الذهبي
الذي يقول بالتفويض من شر المبتدعين والملاحدة، فيكونون كفارا ملحدين بنظر
الشيخ الحراني الذي يقلب الموازين كيفما يريد ويهوى، وقد قلده في ذلك ذيله
المتناقض!! فقال في تعليقه على سنة ابن أبي عاصم ص (212 من الطبعة
الثاثية) معلقا على قول سيدنا ابن عباس: (ما بال هؤلاء يحيدون عن محكمه
ويهلكون عند متشابهه) ما نصه: " أي يجتهدون ويهتمون لفهم المعنى المراد من
القرآن، عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه لانهم لا يهتمون لفهم معناه
(1/17)

الحقيقي مع التنزيه (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) يصرفهم عن ذلك التأويل
أو التفويض " اه‍.

===========================================================================
(1) وما ذكره بعد ذلك من ترهات فارغة ليدلل على ما يريد من أن الصحابة فسروا
القرآن لا يصلح أن يكون دليلا له، لانا نقول: إنهم فسروا القرآن وأما
حقائق صفات الله فقد فوضوها إلى الله سبحانه وتعالى وهذا هو المطلوب. (*)
===========================================================================

[25]

وهذا كلام يضحك منه صغار الطلبة المبتدئون في تعلم العقائد والتوحيد والذي
جعله يقول هذا أنه انحصرت قراءته للعقائد في كتب الشيخ الحراني فظن أن ما
يقوله حق، ولا غرو فهو لم يتلق العلم على أهله بل أخذه من بطون الكتب
وصفحات الدفاتر، وقد قال أحد أئمة السلف: " لا يؤخذ العلم من صحفي " (1).

===========================================================================
(1) قاله الامام القدوة سعيد بن عبد العزيز التنوخي كما في ترجمته من " سير
أعلام النبلاء " (8/ 34). ويقول أحد مريدي!! الشيخ المتناقض!! الصحفي
!! " من البلية تشيخ الصحفية "!! فتأمل. (*)
===========================================================================

[26]

الدليل على أن حديث الآحاد يفيد - الظن ولا يفيد العلم
===========================================================================

[27]

الباب الثالث إثبات أن خبر الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم عند السلف وأئمة
المحدثين وأنه لا يبنى عليه أصول الاعتقاد إعلم يرحمك الله تعالى أن العلماء
الحفاظ المتقنين نصوا على أن حديث الآحاد يفيد الظن وأن الحديث المتواتر
يفيد العلم، وعلى ذلك فلو عارض حديث الآحاد نص القرآن أو حديث متواتر أو
أجماع أو الدليل العقلي المبني على قواعد الكتاب والسنة أسقط الاحتجاج بخبر
(1/18)

الآحاد لمعارضته لما يفيد القطع والعلم وإنني أفتتح بذكر كلام شيخ المحدثين
في وقته وهو الحافظ الخطيب البغدادي لانه استوعب ما ذكرته هنا، ثم أردف ذلك
بدليل من السنة الصحيحة على هذه المسألة ثم أذكر أن ما قلته هو مذهب الصحابة
رضي الله عنهم ومن بعدهم من السلف وأئمة المحدثين، فأقول وبالله تعالى
التوفيق: قال الحافظ الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " (1/ 132): "
باب القول فيما يرد به خبر الواحد:. . . . وإذا روى الثقة المأمون خبرا
متصل الاسناد رد بأمور: أحدها: أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه، لان
الشرع إنما يرد بمجوزات العقول وأما بخلاف العقول فلا.
===========================================================================

[28]

والثاني: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو
منسوخ. والثالث: يخالف الاجماع فيستدل على أنه منسوخ أو لا أصل له. . .
والرابع: أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه فيدل ذلك على
أنه لا أصل له لانه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق
العظيم. الخامس: أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر فلا
يقبل لانه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية " اه‍كلام الحافظ البغدادي
وينبغي أن يعرف القاصي والداني أن خبر الآحاد مقبول عندنا، معمول به في
جميع الابواب إلا في باب أصول العقائد لان المطلوب في هذا الباب عقد القلب
على الثابت الذي لا يطرأ عليه خطأ ولا وهم (1) كما سيأتي بعد قليل إن شاء
الله تعالى مفصلا، فإياك أن تمزج بين هاتين القضيتين: (الاولى): حديث
الآحاد مقبول غير مردود يفيد العمل في جميع الابواب الفقهية وفي فروع
الاعتقاد. (الثاني): أن دلالة حديث الآحاد ظنية وليست قطعية، وبذلك يفارق
القرآن والحديث المتواتر والاجماع. ومن نظر في قضايا الاعتقاد الاصلية
(1/19)

كوجود الله تعالى وقدمه وعدم مشابهته لخلقه وقدرته وسمعه وبصره وإثبات اليوم
الآخر والحساب والعذاب والثواب والمعاد والجنة والنار وأشباه هذه الاشياء
وجدها قد ثبتت بأدلة قطعية

===========================================================================
(1) وبالاستقراء لمسائل أصول الاعتقاد تجد أن جميعها ثبت بغير الآحاد. (*)
===========================================================================

[29]

الدلالة والثبوت، وهي أصول الاعتقاد وليست محتاجة لاحاديث آحاد وهذه هي أصل
الدعوة التي كانت تصل إلى البلدان والنواحي بطريق الاستفاضة والتواتر، وكان
رسول الله إذا بعث رسله إلى النواحي والاقطار بعثهم ليشرحوا لهم أحكام
الاسلام التي وصلت إليهم بطريق التواتر والاستفاضة مجملة، على أننا لا نسلم
البتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل إلى النواحي رجلا واحدا فتصل
إلى أهل تلك النواحي الاحكام والعقائد بطريق هذا الواحد وبذلك لا يصح لهذا
القائل الاستدلال على أن العقائد يؤخذ بها بخبر الواحد. ونوضح فنقول: إعلم
إن أحكام الاسلام كانت تصل إليهم بطريق التواتر وإليك بعض ذلك، أول ما بعث
صلى الله عليه وسلم واستفاض أمره استفاض أيضا أصل ما يدعو إليه، وذلك أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلتقي في الموسم عند حج العرب إلى مكة مع
أفراد كل قبيلة تحج فيدعوهم إلى ما أمره الله تعالى به من أصول التوحيد الذي
بعث به، وبقي صلى الله عليه وسلم يبلغهم مدة إقامته في مكة وهي الثلاث عشرة
سنة قبل أن يهاجر، وهذا مما يجعل أصول دعوته في التوحيد تنتشر عنه إلى
النواحي وقبائل العرب بعدد التواتر لا محالة، لان كل قبيلة من قبائل العرب
لا يتصور أن يفد ويحج منها أقل من عشرة أنفس. ثم لما هاجر عليه أفضل الصلاة
وأتم التسليم استفاض الامر أكثر وانتشر بين القبائل وفي البلدان وذاع أصل ما
(1/20)

يدعو إليه أكثر وأكثر، وأوسع وأبلغ وأشهر، وكانت الوفود من قبائل العرب
ترد عليه وفيهم أهل التواتر بلا مثنوية وإليك أمثله على بعض ذلك معزوة موثقة
: 1) قوم مسيلمة الكذاب قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا وفدا
كبيرا واجتمعوا به صلى الله عليه وسلم ونقلوا ما أخذوه عنه صلى الله عليه
وسلم إلى قومهم نقل أهل التواتر، روى البخاري
===========================================================================

[30]

في صحيحه (فتح 8/ 89) وغيره من حديث سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال: "
قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إن جعل
لي محمد الامر من بعده تبعته. وقدمها في بشر كثير من قومه (1)، فأقبل إليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله
صلى الله عليه وسلم قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: لو
سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك
الله، وإني لاراك الذي أريت فيه ما رأيت وهذا ثابت يجيبك عني. ثم انصرف
عنه صلى الله عليه وسلم " هذا لفظ البخاري في صحيحه. فهذا مثال على من كان
يرد من الوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 2) وأما مثال من كان
يرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبائل والبلدان ليعلموهم فأمام
أعيننا قصة قراء بئر معونة رضي الله عنهم الذين غدر بهم وكانوا سبعين رجلا
أرسلهم صلى الله عليه وسلم ليعلموا إحدى القبائل وهم يزيدون على عدد التواتر
بكثير وقصتهم في البخاري (7/ 385 فتح). وهذا سيدنا معاذ الذي بعثه صلى
الله عليه وسلم إلى اليمن لم يبعثه صلى الله عليه وسلم على جمل لوحده كما
يتخيل، بعضهم، بل ذهب في جماعة من الصحابة كما هو المعروف والمألوف وكان
هو على رأسهم، ففي تاريخ ابن جرير الطبري (2/ 247): " عن عبيد بن صخر بن
لوذان الانصاري السلمي وكان فيمن بعث النبي
(1/21)

===========================================================================
(1) تدبر قوله فيه: " وقدمها في بشر كثير من قومه " وأن بالتقاء هؤلاء
البشر بالنبي صلى الله عليه وسلم يحصل نقل أصل التوحيد إلى أهل اليمامة
بواسطتهم بالتواتر. (*)
===========================================================================

[31]

صلى الله عليه وسلم مع عمال اليمن في سنة عشر بعدما حج حجة التمام: وقد مات
باذام، فلذلك فرق عملها بين شهر بن باذام، وعامر بن شهر الهمداني، وعبد
الله بن قيس أبي موسى الاشعري، وخالد بن سعيد بن العاص، والطاهر بن أبي
هالة، ويعلي بن أمية، وعمرو بن حزم، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد
البياضي وعكاشة بن ثور بن أصغر الغوثي. . ومعاوية بن كندة، وبعث معاذ بن
جبل معلما لاهل البلدين: اليمن وحضرموت " اه‍. قلت: فهؤلاء بعض من كان مع
سيدنا معاذ حين بعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن من المسؤولين ما عدا
الآخرين الذين كانوا أيضا بصحبته، والمترددين من أهل اليمن بين بلادهم
والمدينة ممن نقل أصل الدعوة وأصول التوحيد والعقيدة إلى تلك البلاد
كالاشعريين الذين منهم أبو موسى الاشعري وأصحابه، فأين هذا عن عقل من يتخيل
أن سيدنا معاذا ركب جملا وحده وذهب مبعوثا فريدا إلى اليمن من علمه بنهي
النبي صلى الله عليه وسلم عن سفر الرجل وحده، وهل بعد هذا البيان والايضاح
يصح لعاقل أن يستدل على أن خبر الواحد يفيد العلم أو نحو هذه التخليطات بقصة
سيدنا معاذ رضي الله عنه (1)؟! عافاكم الله أيها المتحذلقون استيقظوا!!
وإذا وصلنا إلى مثل هذا المقام وانتسف عمدة أدلة من يجعل خبر الواحد دليلا
في أصول الاعتقاد ويزعم أنه يفيد العلم فلابد أن نذكر أدلتنا في ذلك فنقول
وبالله تعالى التوفيق:

===========================================================================
(1/22)

(1) وأزيد مؤكدا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلى ناحية من
النواحي رجلا واحدا وإنما كان يبعث بعثا - عددا من الصحابة - وإنما كان يسمى
الرجل الواحد لانه أمير ذلك البعث بدليل ما رواه الامام أحمد في مسنده (5 /
356) أثناء قصة عن بريدة قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثين
إلى اليمن، على أحدهما علي بن أبي طالب. . . " وإسناده حسن، وفيه تأكيد
أيضا على أن سيدنا معاذ كان في بعث - جماعة - لما ذهب ولم يكن وحده، فبطل
استدلال من يستدل بقصته في خبر الآحاد والحمد لله. (*)
===========================================================================

[32]

1) ثبت في صحيح البخاري (فتح 1/ 566) ومسلم (1/ 403 برقم 573) أن ذا
اليدين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى الظهر أو العصر ركعتين:
" يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟! فقال له: لم أنس ولم تقصر ثم قال
للناس: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم. .
.) اه‍قلت: لما قال ذو اليدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم (أنسيت أم
قصرت الصلاة) أفاد ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الظن لاحتمال الوهم
والخطأ على ذي اليدين مع كونه راويا عدلا ضابطا ثقة وهو صحابي، فسأل رسول
الله صلى الله عليه وسلم الناس وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما
فلما صدقوا خبر ذي اليدين وهم عدد التواتر وأكثر تحقق عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم الخبر وأفاد العلم. فاستفدنا من ذلك أن خبر الواحد وهو ذو
اليدين لم يفد عند رسول الله إلا الظن لا أنه لا يعمل به، بدليل أن أحاديث
أخرى من أخبار الآحاد عمل بها الصحابة بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم
، كحديث انحراف أهل قباء أثناء صلاة الجماعة لما أتاهم آت فشهد أن النبي صلى
الله عليه وسلم توجه نحو القبلة كما في البخاري (فتح 1/ 502) وفي رواية
(1/23)

ذكرها الحافظ هناك في صحيح البخاري بدل (رجل) (رجال) في رواية المستملي
والحموي لصحيح البخاري انظر الفتح (1/ 503) وهذا مما يعكر الاستدلال بهذا
الحديث بخبر الواحد جزما. والبخاري رحمه الله تعالى في صحيحه أورد حديث ذي
اليدين في كتاب أخبار الآحاد مما فيه رفض لخبر الواحد إذا ارتيب فيه وأورد
غيره مما يجعل خبره في العمليات دون الاعتقاديات حجة، وهذا يدلنا دلالة
أكيدة على أن البخاري يرى أن من أخبار الآحاد الصحيح ما هو مقبول ومنه ما
===========================================================================

[33]

هو غير ذلك، ويشهد لهذا ويعضده أن السلف من أئمة الحفاظ والمجتهدين
والمحدثين ردوا أخبارا صحاحا ولم يقبلوها ومنها ما هو في الصحيحين كما سيأتي
في الفصل الذي بعد هذا عن الامام أحمد بن حنبل وغيره، ولم يعهد عن أحد منهم
أنه رد آية في كتاب الله تعالى مما يدل ويؤكد أن القرآن يفيد العلم ولا يجوز
رده بحال وأن الحديث الصحيح يفيد الظن فيجوز رده بما هو أقوى منه إن عارضه
ولم يمكن الجمع وسيأتي في ذلك أمثلة عديدة لا تجعل في ما قررناه أدنى شك
وبالله تعالى التوفيق. رد الصحابة بعض أحاديث الآحاد الثابتة واستيثاقهم
منها أحيانا أخرى 2) رد السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها على سيدنا عمر
رضوان الله عليه في حديث " تعذيب الميت ببكاء أهله عليه ". روى البخاري
(فتح 3/ 151 - 152) ومسلم (2/ 638 - 642) أن سيدنا عمر وابنه سيدنا عبد
الله رويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الميت يعذب ببكاء
أهله عليه " فردت ذلك السيدة عائشة وقالت كما في صحيح مسلم (برقم 27 في
الجنائز) عن عمرة أنها سمعت السيدة عائشة وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول
: إن الميت ليعذب ببكاء الحي. فقالت السيدة عائشة: يغفر الله لابي عبد
الرحمن. أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ. إنما مر رسول الله صلى الله
(1/24)

عليه وسلم على يهودية يبكى عليها فقال: " إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذب
في قبرها ".
===========================================================================

[34]

قال الامام الحافظ النووي رحمه الله تعالى في " شرح صحيح مسلم " (5/ 228):
" وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما،
وأنكرت عائشة، ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أن يكون
النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك واحتجت بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر
أخرى) قالت: وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم في يهودية أنها تعذب وهم
يبكون عليها يعني تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء " اه‍. قلت
: وجاء في عدة أحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى على الميت، وسكت عمن
بكى على الميت أيضا. فمن تأمل هذا الحديث " الميت يعذب ببكاء أهله عليه "
الثابت في الصحيحين وهو من أخبار الآحاد ورد السيدة عائشة له بالنص القطعي
في القرآن (ولا تزر وازرة وزر أخرى) عرف أن حديث الآحاد ولو رواه عن النبي
صلى الله عليه وسلم إثنان فإنه لا يفيد إلا الظن، وما لا يفيد إلا الظن أي
يحتمل فيه الخطأ كيف تبنى عليه العقائد؟!! وهل يجوز أن يعتقد المسلم في
ذات الله تعالى بأشياء يحتمل أن يظهر له بعد ذلك أنها خطأ؟!! ولماذا سميت
عقيدة إذن إذا لم تكن مبنيه على الثوابت التي لا يمكن أن يطرأ عليها ما
يزيلها؟!! 3) ردت السيدة عائشة على من قال أو روى أن سيدنا محمدا صلى
الله عليه وسلم رأى ربه وهو ابن عباس رضي الله عنه وغيره، ففي صحيح مسلم (1
/ 158 برقم 284 و 285) عن عطاء عن ابن عباس قال: " رآه بقلبه " وقال: "
رآه بفؤاده مرتين " قلت: وقد قال الحافظ في " الفتح " (8/ 608) أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال
===========================================================================

[35]
(1/25)

" رأيت ربي "، وذكر قبل ذلك بتسعة أسطر أن ابن خزيمة روى باسناد قوي عن
سيدنا أنس أنه قال: " رأى محمد ربه ". قلت: ردت السيدة عائشة رضي الله
عنها جميع ذلك كما في البخاري (فتح 8/ 606) ومسلم (1/ 159 برقم 287) عن
مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه، هل رأى محمد ربه؟ فقالت
: " لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن
محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو
اللطيف الخبير) (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب). .
". قلت: فانظر كيف ردت السيدة عائشة التي تفقهت على رسول الله صلى الله
عليه وسلم الظني بالقطعي. فهذا فكر مدرسة سيدنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم. 4) وردت السيدة عائشة رضي الله عنها من قال: " بال رسول الله صلى
الله عليه وسلم قائما " لانها لم تره صلى الله عليه وسلم يبول إلا قاعدا أو
أنه أخبرها بذلك فكان ذلك من اليقينات عندها، ومن حدث أنه بال قائما مظنون
عندها. فرؤياها له أو تحديثه لها يقيني عندها ورواية من قال: " بال قائما
" ظني عندها فردته. روى البيهقي (1/ 101) عن السيدة عائشة قالت: " ما بال
رسول الله قائما مذ أنزل عليه القرآن " (1) وعند النسائي (1/ 26) والترمذي
(1/ 17 شاكر) وابن ماجه (1/ 112 برقم 307) بلفظ: " من حدثكم أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ".

===========================================================================
(1) رواه ايضا الحاكم في المستدرك (1/ 181) وصححه ووافقه الذهبي وهو على
شرط مسلم. (*)
===========================================================================

[36]

5) وأنكرت السيدة عائشة على أبي هريرة في حديث آخر أيضا: روى ابو داود
الطيالسي في مسنده (ص 199) بسند صحيح على شرط مسلم عن علقمة قال كنا عند
(1/26)

عائشة فدخل عليها أبو هريرة فقالت يا أبا هريرة أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت
في هرة لها ربطتها لم تطعمها ولم تسقها فقال أبو هريرة سمعته من النبي صلى
الله عليه وسلم فقالت عائشة: أتدري ما كانت المرأة؟! قال: لا، قالت:
إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، إن المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في
هرة، فإذا حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر كيف تحدث. وفي هذا
الانكار بيان صريح بأن خبر الواحد يحتمل الخطأ فكيف يبنى عليه أصل الدين؟!
6) وأنكرت السيدة عائشة أيضا على أبي هريرة رضي الله عنه في حديث آخر: روى
أبو داود الطيالسي (ص 215) عن مكحول قيل لعائشة إن أبا هريرة يقول قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس " فقالت
عائشة: لم يحفظ أبو هريرة لانه دخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
قاتل الله اليهود يقولون إن الشؤم في ثلاث في الدار والمرأة والفرس سمع آخر
الحديث ولم يسمع أوله. قلت: مكحول لم يسمع من السيدة عائشة كما في " الفتح
" (6/ 61) إلا أن لهذا الاثر أو الحديث متابع قال الحافظ هناك: روى أحمد
وابن خزيمة والحاكم من طريق قتادة عن أبي حسان: أن رجلين من بني عامر دخلا
على عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول
===========================================================================

[37]

الله صلى الله عليه وسلم قال: " الطيرة في الفرس والمرأة والدار " فغضبت
غضبا شديدا وقالت: ما قاله! وإنما قال: " إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون
من ذلك ". قلت: والاصل لا طيرة في الاسلام من شئ وإنما المشؤوم العمل السئ
الطالح الذي يجر صاحبه إلى النار والعياذ بالله تعالى، قال الله تعالى:
(قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب اليم قالوا
طائركم معكمءإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون) يس: 18 و 19، وجاء في الحديث أن
(1/27)

النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الطيرة شرك " قال الحافظ المنذري في
الترغيب (4/ 64): " رواه ابو داود والترمذي وقال: حسن صحيح " لذلك ردت
السيدة عائشة رضي الله عنها ذلك، وظهر لنا بردها أن الراوي لخبر الآحاد ولو
كان في أعلى مراتب التوثيق كأبي هريرة الصحابي رضي الله عنه فإن خبره يفيد
الظن ولا يفيد العلم ولذلك جاز رده خلافا للآية والخبر المتواتر. 6) خبر
الواحد يفيد الظن ولا يفيد العلم عند سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
قال الحافظ الذهبي في " تذكرة الحفاظ " (1/ 2): " وكان - أبو بكر - أول من
احتاط في قبول الاخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذويب أن الجدة جاءت إلى
أبي بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال:
حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟!
فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه أبو بكر رضي الله عنه " (1) اه‍.

===========================================================================
(1) رواه أحمد في المسند (4/ 225) وابن الجارود في المنتقى (959) وعبد
الرزاق (*)
===========================================================================

[38]

7) خبر الواحد يفيد الظن دون العلم عند سيدنا عمر رضي الله عنه أيضا: قال
الحافظ الذهبي في ترجمة سيدنا عمر رضى الله عنه في تذكرة الحفاظ (1/ 6) ما
نصه: " وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل وربما كان يتوقف في خبر
الواحد إذا ارتاب (1)، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى
سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع فأرسل عمر في أثره
فقال: لم رجعت؟! قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا
سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع ". قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لافعلن
(1/28)

بك، فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا
وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم كلنا سمعه فأرسلوا معه رجلا منهم حتى
أتى عمر فاخبره (2). أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر،
ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد
، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى

===========================================================================
في المصنف (10/ 274) والبيهقي في سننه (6/ 234 / 6) والحاكم (4/ 338)
وصححه وأقره الذهبي، وابن حبان في صحيحه (موارد 1224) ومالك في الموطأ (2 /
513) وابو داود (3/ 121) والترمذي (4/ 419) وهو صحيح. (1) ونحن وكل عاقل
ان ارتبنا في حديث من أحاديث الصفات لم نقبله لاختلاف ألفاظه في كل موضع
ولمعارضته للقطعي عندنا كما يتبين ذلك تفصيله في التعليق على أحاديث " دفع
شبه التشبيه ". (2) رواه البخاري (فتح 11/ 27) ومسلم وغيرهما. (*)
===========================================================================

[39]

درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ولا يكاد يجوز ذلك على
ثقتين لم يخالفهما أحد " اه‍كلام الحافظ الذهبي. فالحافظ الذهبي أيضا ممن
يقول أن خبر الواحد يفيد الظن وأن الخبر كلما إزداد رواته ارتقى إلى درجة
العلم أكثر وقرب منها. 8) خبر الواحد ينبغي التثبت منه ولو كان راويه
صحابيا ويفيد الظن عند الامام علي رضي الله عنه: روى الامام أحمد في المسند
(1/ 10) بإسناد صحيح عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: سمعت عليا قال: كنت
إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله به بما شاء أن
ينفعني منه، وإذا حدثني غيري عنه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدئني
أبو بكر وصدق أبو بكر قال: قال رسول الله: " ما من عبد مؤمن يذنب ذنبا
(1/29)

فيتوضأ فيحسن الطهور ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر الله له "
ثم تلا: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا
لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)
الآيات آل عمران: 136. أقول: لو كان خبر الواحد يفيد العلم ولا يفيد الظن
لاكتفى سيدنا علي عليه السلام ورضي الله عنه بسماع خبر الواحد ولما استحلفه
لانه باستحلافه يؤكد خبره، أو يصرح الراوي بأنه غير متأكد من الخبر، هذا
وليس في السند بالنسبة لسيدنا علي كرم الله وجهه إلا رجل واحد وهو صحابي،
فكيف بسند فيه خمسة رجال مثلا، ليس جميعهم صحابة:؟! ألا يفيد ذلك الظن؟
!
===========================================================================

[40]

خبر الواحد يفيد العمل والظن دون العلم عند أئمة السلف أيضا 9) قال الحافظ
ابن عبد البر في " التمهيد " (1/ 7): " واختلف أصحابنا وغيرهم في خبر
الواحد العدل هل يوجب العلم والعمل جميعا، أم يوجب العمل دون العلم؟ والذي
عليه كثر أهل العلم منهم - أي المالكية - أنه يوجب العمل دون العلم، وهو
قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به
على الله وقطع العذر بمجيئه قطعا ولا خلاف فيه. وقال قوم من أهل الاثر وبعض
أهل النظر إنه يوجب العلم الظاهر (1) والعمل جميعا، منهم الحسين الكرابيسي
وغيره، وذكر ابن خوازمنداد أن هذا القول يخرج على مذهب مالك، قال أبو عمر
- ابن عبد البر -: الذي نقول به إنه يوجب العمل دون العلم كشهادة الشاهدين
والاربعة سواء وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والاثر " انتهى كلامه. 10) والامام
الشافعي يصرح بذلك أيضا: قال سيدنا الامام الشافعي رحمة الله عليه ورضوانه
: " الاصل القرآن والسنة وقياس عليهما، والاجماع أكبر من الحديث المنفرد "
اه‍رواه عنه: أبو نعيم في " الحلية " (9/ 105) وأبو حاتم في " آداب
(1/30)

الشافعي " (231 و 233) والحافظ البيهقي في " مناقب الشافعي " (2/ 30).

===========================================================================
(1) أي علم الفروع دون الاصول - العقيدة -. (*)
===========================================================================

[41]

قلت: إنما قال الامام الشافعي " الاجماع أكبر من الحديث المنفرد " لان
الاجماع يفيد العلم والقطع والحديث المنفرد الذي هو الآحاد يفيد الظن،
فتأمل وتدبر. 11) وعلى ذلك الامام البخاري رحمه الله تعالى: قال الامام
الحافظ البخاري رحمه الله تعالى في كتاب أخبار الآحاد من صحيحه (فتح 13 /
231) ما نصه: " باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الاذان والصلاة
والصوم والفرائض والاحكام " اه‍. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه
عليه: " وقوله والفرائض بعد قوله: في الاذان والصلاة والصوم من عطف العام
على الخاص، وأفرد الثلاثة بالذكر للاهتمام بها، قال الكرماني: ليعلم إنما
هو في العمليات لا في الاعتقاديات " اه‍من الفتح. 12) الامام أحمد بن حنبل
رحمه الله تعالى لا يفيد خبر الواحد عنده إلا الظن ومتى عارضه شئ من القطعي
أو نحوه ضرب عليه، ولو كان يفيد العلم لما ضرب عليه، وهذا مذهبه الذي كان
عليه في مرضه الاخير الذي توفي فيه: روى البخاري (فتح 6/ 612) ومسلم
(2917) وأحمد في المسند (2/ 301) حديث: " يهلك أمتي هذا الحي من قريش
قالوا ما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم ".
===========================================================================

[42]

قال عبد الله بن الامام أحمد هناك في المسند عقب هذا الحديث مباشرة: " قال
أبي في مرضه الذي مات فيه اضرب على هذا الحديث فإنه خلاف الاحاديث عن النبي
صلى الله عليه وسلم يعني قوله: " اسمعوا وأطيعوا واصبروا ". قلت:
(1/31)

الاحاديث التي فيها " اسمعوا واطيعوا واصبروا " أفادت عند الامام أحمد القطع
أو ما قارب العلم، وحديث " لو أن الناس اعتزلوهم " ظني عارض الثابت فأسقطه
الامام أحمد، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الخبر الذي صح إسناده يفيد الظن
عنده ولا يفيد العلم، ولو أفاد العلم أو غلب على ظنه أنه صح لاوله كما أول
حديث مسلم: " تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان " فقال: " إنما هو
الثواب " كما تقدم في نقل تأويلاته ولم يأمر بالضرب عليه! فنستطيع أن نقول
: أحاديث الصحيحين لا تفيد إلا الظن عند أحمد ويمكن الضرب على بعضها إذا
تبين فيها خلل كما فعل هو في مسنده المتواتر عنه. الائمة وكبار الحفاظ
والمحدثين على ذلك أيضا 13) قال شيخ المحدثين في وقته الحافظ الخطيب
البغدادي في كتابه: " الكفاية في علم الرواية " ص (432): " باب ذكر ما
يقبل فيه خبر الواحد وما لا يقبل فيه: خبر الواحد لا يقبل في شئ من أبواب
الدين المأخوذ على المكلفين العلم بها والقطع عليها، والعلة في ذلك أنه إذا
لم يعلم أن الخبر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبعد من العلم
بمضمونه فأما ما عدا ذلك من الاحكام التي
===========================================================================

[43]

لم يوجب علينا العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قررها وأخبر عن الله
عزوجل بها فإن خبر الواحد فيها مقبول والعمل واجب ". وقال مثله ص (25) في
الكفاية وعقد بابا سماه: " ذكر شبهة من زعم أن خبر الواحد يوجب العلم
وإبطالها ". 14) الامام الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى يقول ذلك أيضا:
قال الحافظ البيهقي في كتابه " الاسماء والصفات " ص (357): " ولهذا الوجه
من الاحتمال، ترك أهل النظر من أصحابنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات
الله تعالى، إذا لم يكن لما انفرد منها أصل في الكتاب أو الاجماع واشتغلوا
بتأويله " اه‍. 15) الامام الحافظ النووي رحمه الله تعالى يصرح بذلك أيضا:
(1/32)

قال الامام الحافظ النووي في " شرح مسلم " (1/ 131): " وأما خبر الواحد
فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر سواء كان الراوي له واحدا أو أكثر،
واختلف في حكمه فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم
من المحدثين والفقهاء وأصحاب الاصول أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع
يلزم العمل بها ويفيد الظن ولا يفيد العلم. . . . . " اه‍. 16) الحافظ ابن
حجر العسقلاني يرى أيضا أن حديث الآحاد يفيد الظن ولا يفيد العلم وكذلك علي
القاري في شرح النخبة: قال الحافظ ابن حجر الشافعي في شرح نخبة الفكر وعلي
القاري
===========================================================================

[44]

الحنفي في شرحه عليها ص (37) ما نصه وما بين الاقواس وبالاسود الواضح كلام
الحافظ ابن حجر: ((وفيها أي في الآحاد) أي في جملتها خاصة. . . (المقبول
وهو ما يوجب العمل به عند الجمهور) احتراز عن المعتزلة فإنهم أنكروا وجوب
العمل بالآحاد بدليل ما نقل عنهم من استدلال بخبر الواحد (وفيها) أي أحاديث
الآحاد (المردود وهو الذي لم يرجح صدق المخبر به لتوقف الاستدلال بها على
البحث عن أحوال رواتها دون الاول) أي القسم الاول وهو المتواتر (فكله) ضميره
راجع إلى المتواتر (مقبول) أي قبولا قطعيا لا ظنيا (لافادته) أي الخبر
المتواتر (القطع بصدق مخبره بخلاف غيره من أخبار الآحاد)) اه‍من شرح القاري
على شرح النخبة لابن حجر، وانظر نزهة النظر شرح النخبة للحافظ أيضا ص (25 -
26) طبع دار الكتب العلمية بيروت 1401 اه‍. 17) الامام الاستاذ أبو منصور
عبد القاهر البغدادي (1) المتوفى (429) ه‍يرى ذلك أيضا: قال الاستاذ
البغدادي في كتابه " أصول الدين " ص (12) ما نصه: " وأخبار الآحاد متى صح
اسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبة للعمل بها دون العلم
" اه‍18) اعتراف ابن تيمية الحراني في " منهاج سنته " ان خبر الآحاد لا
(1/33)

يبنى عليه أصل الاعتقاد:

===========================================================================
(1) وقد وصفه بالاستاذ الحافظ ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري " (13 /
345). (*)
===========================================================================

[45]

لقد اعترف الشيخ!! الحراني!! في " منهاج سنته " (2/ 133) بذلك فقال: "
الثاني: أن هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح
الايمان إلا به؟! " اه‍قلت: واستطيع أن أقول بعد هذا البيان المفصل أن
حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ولا يجوز أن نبني عليه أصول الاعتقاد وخصوصا
إذا كان في رواته من هو متكلم فيه، أو كان معارضا بما هو أقوى منه، ومن
شاء الزيادة في ذلك فليقرأ وليتدبر ما كتبناه من تعليقات على هذا الكتاب "
دفع شبه التشبيه " فإنه سيخرج بنتيجة قطعية في هذه المسألة والله الموفق (1)

===========================================================================
(1) واما ما يستدل به بعض المبتدئين والسطحيين في التفكير الذين لا غور لهم
في فهم أدلة الشرع على حجية خبر الواحد في العقائد بقوله تعالى (وما كان
المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين
ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) فلا علاقة لها بموضوعنا هذا.
وذلك لان هذه الطائفة مؤمنة بنص الآية وقد حصل لديها وللفرقة التي نفرت منها
الايمان بأصول الدين والعقائد قبل ذلك. والمطلوب منها هو التفقه في دقائق
الشرع ليعرفوا فرقتهم بالاحكام التفصيلية التي لا يشترط فيها التواتر بل
يكفي فيها خبر الواحد، فإذا علم ذلك فلا ضير في اعتبار الطائفة واحدا أو
أكثر، على أننا لا نسلم البتة بأن الطائفة هي واحد، وقوله في الآية
(لينذروا) دليل واضح على أنهم جماعة مع كون هذا النفر يتعلق في غير أصول
(1/34)

الدين التي يتناقلها المسلمون جيلا عن جيل. ونحن نعتقد أن أخبار الآحاد في
العقيدة مقبولة لانها تؤيد ما ثبت بالقطعي لكننا نقول إن خبر الواحد المعارض
بقواعد الشرع الثابتة مرفوض وغير مقبول حتى في الطهارة فما بالك في أصول
الدين؟! (*)
===========================================================================

[46]

الباب الرابع الحديث الصحيح سندا الشاذ متنا اعلم يرحمك الله تعالى أن أهل
الحديث ذكروا أن للحديث الصحيح خمسة شروط وهي: 1 - اتصال السند. 2 - عدالة
الراوي. 3 - ضبطه. 4 - عدم الشذوذ. 5 - عدم العلة القادحة. والحق أنهم
في غالب أحوالهم لم يراعوا الشرط الرابع والخامس وهما سلامة الحديث من
الشذوذ والعلة القادحة، ولم يدرك شذوذ الحديث أو وجود العلة فيه إلا النقاد
الذين جمعوا بين الفقه والحديث، فأما من اقتصر علمهم على الحديث فقط، فلم
يدركوا ذلك إلا في الشئ اليسير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقد نص على
هذا الامر جماعة من حذاق أهل العلم، والذي نبهني على هذا الامر شيخنا
المحدث المفيد السيد أبو الفضل الغماري أعلى الله درجته وقد كنت أمر على بعض
أحاديث نص الحفاظ على صحتها إلا أنه يخالج قلبي أنها غير صحيحة وأن سيدنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نطق بها حتى عرفت قاعدة الشذوذ من السيد
الامام.
===========================================================================

[47]

ومما يقرر هذا الامر ما رواه الامام أحمد (5/ 425) أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: " إذا سمعتم الحديث عني، تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم
وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني
تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا
أبعدكم منه ". وهو حديث صحيح أو حسن وأخرجه ابن سعد في " الطبقات " (1 /
387 - 388) وصححه أبو حاتم ابن حبان (92). انظر سير أعلام النبلاء (7/ 438
(1/35)

- 439). ومن أقوال الحفاظ في هذا الامر: قول الحاكم في كتابه " معرفة علوم
الحديث " (1) ص (112): " وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل
فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا
بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا
الحفظ والفهم والمعرفة لا غير. . . " اه‍. وقال الحافظ ابن الجوزي في "
دفع شبه التشبيه " ص (143): " اعلم أن للاحاديث دقائق وآفات لا يعرفها إلا
العلماء الفقهاء، تارة في نظمها وتارة في كشف معناها. . . " اه‍. وقال
الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في " تدريب الراوي " (1/ 233) أثناء كلامه
على الحديث الشاذ:

===========================================================================
(1) " معرفة علوم الحديث " طبع دار الكتب العلمية سنة 1977 م، النوع السابع
والعشرون. (*)
===========================================================================

[48]

" قال شيخ الاسلام (1): وبقي من كلام الحاكم: وينقدح في نفس الناقد أنه
غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على هذا، قال: وهذا القيد لا بد منه، قال
: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة، قال: وهذا على هذا أدق من المعلل
بكثير فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان في
الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة. قلت: ولعسره لم يفرده أحد
بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غنام
النخعي عن علي بن حكيم عن شريك، عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن
عباس قال؟ " في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم
وعيسى كعيسى " وقال صحيح الاسناد، ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له حتى
رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح، ولكنه شاذ بمرة " (2) اه‍كلام الحافظ
السيوطي رحمه الله تعالى. قلت: وفي قوله (ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف)
(1/36)

أكبر دلالة على أن الحفاظ الذين كانوا حفاظا على طريقة المحدثين ولم يكن لهم
تمرس في الفقه وباع طويل فيه لا يمكن أن يكتشفوا مثل هذا النوع، وما أعلم
في القديم أحدا أفرد مثل هذا النوع بكتاب، إلا إذا اعتبرنا كتاب الحافظ ابن
الجوزي " مشكل الصحاح " (3) من هذا النوع، وإلا فما رأينا أحدا جمع في

===========================================================================
(1) يعني الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى. (2) ذكر هذا الحديث
وحكم البيهقي عليه بأنه شاذ بمرة الحافظ أيضا في الفتح (6/ 293) فتنبه.
(3) كما ذكر ذلك الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (21/ 368) وبعضهم
يسميه " مشكل الصحيحين ". وهو بعد ما يزال مخطوطا ويقع في أربع مجلدات. (*)
===========================================================================

[49]

ذلك كتابا إلا شيخنا السيد الامام أبو الفضل الغماري أعلى الله درجته، فإنه
صنف كتابا في هذه المسألة سماه: " الفوائد المقصودة في بيان الاحاديث
الشاذة المردودة " فهو أول من حرر في هذه المسألة تصنيفا مستقلا فيما علمنا
وإذا كان الحفاظ قد عرفوا الشاذ في كتب المصطلح بأنه: ما خالف الثقة به
الثقات، فنقول: إذا خالف الثقة الثقات في رواية اعتبر حديثه شاذا مقدوحا
فيه، فما بالك إذا خالف الثقة القرآن؟! حيث أتى برواية تخالف المقطوع به
؟! لا شك أنه يطرح ما جاء به وهو شاذ بمرة، وإنما يدرك ذلك من كان فهمه
ثاقبا وكان فقيها صاحب استنباط دقيق وعقل كبير فطن، وذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء والذي يعنينا هنا الآن في هذا المقام مسألتان: الاولى: أن نبين أن
هناك أحاديث حكم عليها بعض الحفاظ بالصحة بالنظر لاسانيدها دون متونها التي
فيها ما ينكر فيجعلها من الشاذ متنا، منها في الصحيحين ومنها ما ليس فيهما
والثانية: أن أحاديث الصحيحين لا تفيد إلا الظن شأنها شأن باقي الاحاديث
(1/37)

الصحيحة الاخرى خارج الصحيحين، إلا ما تواتر منها، وقد صرح بذلك جماعة من
حذاق الائمة الجامعين بين الفقه والحديث. أما المسألة الاولى: أحاديث حكم
عليها بعض الحفاظ بالصحة بالنظر لاسانيدها وهي معلولة أو شاذة متنا: 1 -
روى مسلم في صحيحه (4/ 2149 برقم 2789) عن أبي هريرة مرفوعا:
===========================================================================

[50]

" خلق الله عزوجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الاحد، وخلق
الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الاربعاء،
وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة
في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ". ففي
هذا الحديث إثبات أن الله خلق السموات والارض في سبعة أيام، وهذا مخالف
للقرآن وذلك لان الله تعالى أخبر أنه خلق السموات والارض في ستة أيام، قال
الله تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام) الاعراف:
53. فإن قال قائل: هذا الحديث لا يعارض الآية السابقة، وإنما يفصل كيفية
تطور الارض وما خلق فيها وحدها، وأن ذلك كان في سبعة أيام وهي غير الايام
الستة المذكورة في الآية أو نحو هذا الكلام كما صرح به متناقض!! عصرنا.
قلنا في جوابه: لا، ليس كذلك وكلامك باطل من وجوه عديدة أذكر لك ثلاثة
منها: الاول: أن سيدنا آدم المذكور في الحديث لم يخلق على الارض إنما خلقه
الله في الجنة ثم أهبط بعد مدة إلى الارض، فهذا الحديث لا يتكلم إذن بما
حصل على الارض خاصة، ثم قوله فيه: (وخلق النور يوم الاربعاء) ليس خاصا
أيضا بالارض لان النور الموجود على الارض بشكل عام مصدره من الشمس التي هي
في السماء، فهذا الحديث فيه ذكر ما في الارض وما في السماء. وكذلك قوله
المكروه في الحديث لا يفهم معناه!! والمكروه يعم أشياء
(1/38)

===========================================================================

[51]

كثيرة، والمعروف أن المكروه أو الشر يخلقه الله عزوجل في وقته الذي يحصل
فيه، وهذا الحديث فيه هذه الجمل الركيكة التي تدل على أن سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما نطق به. الثاني: أن القران يرد ذلك أيضا بصراحة قال
تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك
رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في
أربعة أيام سواء للسائلين) فصلت: 9 - 10. فهذا صريح في أن الله خلق الارض
في يومين وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ومجموع ذلك ستة أيام، فأين
الايام السبعة من ذلك؟! الثالث: أن بعض أئمة المحدثين الذين أدركوا هذا
الشذوذ في متن الحديث طعنوا فيه. قال ابن كثير في تفسيره (1/ 99 طبعة
الشعب): " هذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه ابن المديني
والبخاري وغير واحد من الحفاظ وجعلوه من كلام كعب الاحبار، وأن أبا هريرة
إنما سمعه من كلام كعب الاحبار، وقد اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعا ".
قلت: وقد ذكر ذلك البخاري في كتابه " التاريخ الكبير " وغيره، حتى أن
الشيخ!! الحراني!! نقل طعن الحفاظ فيه في " فتاواه " (1) (17/ 236).

===========================================================================
(1) وكذلك في كتاب " دقائق التفسير " (6/ 366) المنسوب إليه، وإنما قلت
المنسوب إليه لانه لم يصنف كتابا بهذا الاسم وإنما هو من فعل مقلديه وتجار
الكتب في هذا الزمان، حيث استلوا نصوصا تتعلق بالتفسير من فتاواه فطبعوها
في كتاب خاص وسموه بهذا الاسم تكثيرا لمصنفات الشيخ الحراني لينخدع بذلك
بسطاء الطلبة والعوام والمتعلمين، ولله في خلقه شؤون!! (*)
===========================================================================

[52]
(1/39)

2 - وروى مسلم في صحيحه (برقم 2501) في فضائل الصحابة: باب من فضائل أبي
سفيان، من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن ابن عباس قال: كان المسلمون
لا ينظرون إلى أبى سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا
نبي الله! ثلاث أعطينهن؟ قال " نعم ". قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم
حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها؟ قال: " نعم ". قال: ومعاوية تجعله كاتبا
بين يديك؟ قال: " نعم " (1). قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت
أقاتل المسلمين؟ قال: " نعم ". قال أبو زميل؟ ولولا أنه طلب ذلك من
النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك، لانه لم يكن يسأل شيئا إلا قال: "
نعم ". قلت: هذا حديث موضوع وهو أحد الاحاديث الثلاثة الموضوعة التي في
صحيح الامام مسلم. ومن دلائل وضعه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
قد تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان قبل فتح مكة بدهر، ولما زارها أبو سفيان في
المدينة وهو مشرك نحته عن فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه مشرك نجس
ساعتئذ وهذا مشهور ومعلوم.

===========================================================================
(1) من هذا الحديث استدل النواصب على أن معاوية كان كاتبا للوحي وليس كذلك
كما بين ذلك الحافظ في ترجمته في " الاصابة " والذهبي في " سير أعلام
النبلاء " ووضحناه في التعليق على هذا الكتاب " دفع شبه التشبيه " رقم (181)
فانظره هناك. (*)
===========================================================================

[53]

قال الحافظ الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (7/ 137) عن هذا الحديث في
ترجمة أحد رواته (عكرمة بن عمار) ما نصه: " قلت: قد ساق له مسلم في الاصول
حديثا منكرا، وهو الذي يرويه عن سماك الحنفي عن ابن عباس، في الامور
الثلاثة التي التمسها أبو سفيان من النبي صلى الله عليه وسلم ". وقد نقل
(1/40)

الامام الحافظ النووي رحمه الله تعالى في " شرح مسلم " (16/ 63) عند شرح
هذا الحديث أن ابن حزم حكم عليه بالوضع. قلت: وهو حكم صحيح لا غبار عليه.
وقال الحافظ ابن الجوزي في هذا الحديث: " هو وهم من بعض الرواة لا شك فيه
ولا تردد، وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راوي الحديث، وإنما قلنا: إن هذا
وهم لان أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش،
وولدت له، وهاجر بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة، ثم تنصر وثبتت أم حبيبة
على دينها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه،
فزوجه إياها، وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم،
وذلك في سنة سبع من الهجرة وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة وهي التي كانت بين
النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش في صلح الحديبية فدخل عليها، فثنت بساط
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه، ولا خلاف في أن أبا سفيان
ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان، ولا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أمر أبا سفيان " اه‍. وهناك أمثلة أخرى على الاحاديث التي عللها
الحفاظ المتقنون والتي حكموا بوضعها أو نكارتها لشذوذ متونها، وعدم
انتظامها مع المتواتر والمعروف المشهور، وهذا مما يؤكد لنا أن خبر الواحد
يجوز عليه الخطأ
===========================================================================

[54]

والوهم ولا يفيد العلم وإن كان في الصحيحين، فلا يجوز أن تبنى عليه أصول
العقائد التي لا يجوز للخطأ أن يكون له فيها مجال ونصيب. وما ذكرناه من
إنكار السيدة عائشة على سيدنا عمر وابنه رضي الله عنهم أجمعين في حديث تعذيب
الميت ببكاء أهله عليه يثبت ذلك ويؤكده وهو ثابت في الصحيحين لانه معارض
لقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) مع أن حديث سيدنا عمر بالنسبة
للسيدة عائشة أصح من حديث الصحيحين بكثير لانه ليس في سنده إلا سيدنا عمر
(1/41)

الثقة العدل الضابط أو ابنه سيدنا عبد الله وسند حديث الصحيحين فيه نحو خمسة
رجال: وكل ما قلت رجاله علا وضده ذاك الذي قد نزلا وما سقناه من أمثلة في
باب الظن في خبر الآحاد المتقدم يؤيد ما نريده ونقرره هنا، وخصوصا حديث
الصحيحين " لو أن الناس اعتزلوهم " الذي رده الامام أحمد رحمه الله تعالى
وأمر بالضرب عليه وقد مر معزوا مفصلا. وقد استنكر الامام أحمد أيضا حديث "
من مات وعليه صوم، صام عنه وليه " وهو في الصحيحين انظر " سير أعلام
النبلاء " (6/ 10). وهذا حديث سيدنا أنس في البسملة الذي في " صحيح مسلم "
والذي فيه: " صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان
فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن
الرحيم أو القراءة ولا آخرها " حديث معلول، لان جملة: " لا يذكرون بسم
الله الرحمن الرحيم أول القراءة ولا آخرها " ليست من حديث أنس رضي الله عنه
ولا من كلامه، وقد مثل جميع الحفاظ للحديث المعلول في كتب المصطلح بحديث
أنس هذا، لا سيما وقد ثبت في صحيح البخاري أن سيدنا أنسا سئل عن قراءة
النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
===========================================================================

[55]

" كانت مدا يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم ". والله الموفق.
وأما المسألة الثانية وهي: أن الحديث الصحيح سواء كان في الصحيحين أو في
غيرهما لا يفيد إلا الظن. فجميع ما قدمناه ودللنا عليه مع الامثلة العملية
الواقعية يثبت ذلك بلا شك، وما ذهب إليه بعضهم من أن أحاديث الصحيحين تفيد
العلم قول ضعيف لا يؤيده الواقع البتة، وقد أطال الحافظ ابن حجر في " النكت
على ابن الصلاح " محاولا إثبات ذلك، ولكنه لم يقنع ولم يأت هنالك بجديد أو
دليل يبت ويقطع في المسألة والادلة التي سقناها تنفي ذلك، ثم رجع واستثنى
(1/42)

الاحاديث المنتقدة ولا طائل وراء ذلك وكلامه في باقي كتبه المحررة يفيد خلاف
ذلك، والحق ما قاله الامام الحافظ النووي في هذه المسألة في " شرح صحيح
مسلم " (1/ 131) حيث قال: " وذهب بعض المحدثين إلى أن الآحاد التي في صحيح
البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الآحاد، وقد قدمنا هذا القول
وإبطاله في الفصول. . ". ثم قال بعد ذلك بأسطر: " وأما من قال يوجب العلم
- خبر الواحد - فهو مكابر للحس، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم
والكذب وغير ذلك متطرق إليه؟! والله اعلم " اه‍وبهذا يتم هذا الفصل.
===========================================================================

[56]

الباب الخامس في ذكر تمويهات المجسمة في إقناعهم العوام وأشباههم على العلو
الحسي وإبطال ذلك اعلم يرحمك الله تعالى أن المشبهة والمجسمة في كل عصر
يوردون أحاديث يوهم ظاهرها العلو الحسي يفتنون بها العوام وأشباههم ويموهون
عليهم لاثبات عقيدتهم الفاسدة، وقد تكفل كتاب الحافظ ابن الجوزي " دفع شبه
التشبيه " وما علقناه عليه من حواش وتقييدات وايضاحات بنسف ما تتشبث به
المجسمة والمشبهة وتتعلق به في استدلالها. غير أن هناك بعض الاحاديث التي
لم يذكرها الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى والتي لم يتسن الكلام عليها في
التعليق على كتابه ولا بد من ذكرها هنا في هذه المقدمة والاجابة عليها
وتوضيح معناها، وكذلك لا بد من ذكر بعض الكلمات التي يتناقلها حشوية
المشبهة عن الائمة الاربعة رحمهم الله تعالى ويزعمون أنهم يقولون بعقيدتهم
الفاسدة ويغررون بذلك العامة والمبتدئين من طلاب العلم وإبطالها. فنقول
وبالله تعالى وحده التوفيق: أبدأ بذكر الذي يحتاج لجواب من تلك الاحاديث
التي أوردها بعضهم في كتاب سماه " الرحمن على العرش استوى " كما أن باقي من
على شاكلته يذكرها مستدلا بها أيضا، فنقول:
(1/43)

===========================================================================

[57]

1 - أورد ص (22) حديث سيدنا أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان إذا أمطرت السماء حسر عن منكبيه حتى يصيبه المطر ويقول: " إنه
حديث عهد بربه ". أخرجه مسلم في الاستسقاء. جوابه: نعم أخرجه مسلم في
الاستسقاء، وقال الامام النووي رحمه الله تعالى في " شرح مسلم " (6/ 195)
: " ومعنى (حديث عهد بربه) أي: بتكوين ربه إياه، ومعناه: أن المطر رحمة
وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها " اه‍. قلت: وجميع
العقلاء الآن يعرفون أن المطر هو البخار الذي يتصاعد من الارض فيصبح سحابا
فيسوقه الله تبارك وتعالى إلى البلدة التي يشاء أن ينزل عليها رحمته هذه،
فعندما يتكاثف هذا البخار بخلق الله تعالى بجعله ماء، وينزل، استحب رسول
الله أن يصيبه شئ منه لما حسر عن منكبيه إظهارا للافتقار لرحمة الله التي هي
حديثة الخلق، والخالق هو الله تعالى، وجميع العقلاء يعرفون أن الله سبحانه
وتعالى غير موجود في السحاب ولا عليه، لان السحاب في السماء الدنيا بل قريب
منا وأحيانا إذا صعدنا لجبل شاهق مرتفع فإننا نصل إلى السحاب الذي يكون قد
غطى أو عم رأس الجبل، بل لو ركب أحدنا الطائرة لوجد أنها تصعد به فوق
السحاب ويرى السحاب تحته بمسافة شاسعة، وهذا المجسم صاحب كتاب " الرحمن على
العرش استوى " وهو من المعاصرين ما زال يعيش كباقي إخوانه من المشبهة بعقلية
العصر الحجري الفرعوني فيظن أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في المطر انه:
" حديث عهد بربه " يؤيد عقيدته الفاسدة التي تقول: إن المطر كان عند الله
الذي يسكن في السماء وفي السحاب، وأن المطر إذا نزل فانه يكون قد فارق الرب
من وقت قصير جدا فهو حديث العهد بربه، ومتى ركب هذا
===========================================================================

[58]
(1/44)

المجسم في الطائرة وصار فوق السحاب صار فوق ربه!! ويلزم من ذلك أن يكون هو
الاعلى لا معبوده الذي يتخيله ويتصوره، وعقيدته هذه نفس عقيدة فرعون المجسم
المشبه الذي أمر أن يصنع له صرح أي برج عال ليصل إلى ربه فقال عندما ظن أن
رب سيدنا موسى عليه السلام في السماء كما تعتقد المجسمة اليوم: (يا هامان
ابن لي صرحا لعلي أبلغ الاسباب، أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني
لاظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل " غافر: 36 - 37.
فبين الله لنا وأعلمنا أن من ظن حلول الله تعالى في السماء قد صد عن سبيل
معرفة ربه، والمفسرون متفقون على أن معنى قوله: (وإني لاظنه كاذبا) أي:
في أن له إلها غيرى بدليل قوله: (ما علمت لكم من إله غيري) ويؤكد ذلك أن
سيدنا موسى لم يقل لفرعون ولا في آية واحدة، الله موجود في السماء، إنما
قال له كما جاء في القرآن الكريم: (قال فرعون وما رب العالمين) الشعراء:
23، فلم يقل له سيدنا موسى هو الذي في السماء بل قال له: (قال رب السموات
والارض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم
ورب آبائكم الاولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) الشعراء 24 -
27. فسيدنا موسى أخبر فرعون والملا أن الله تعالى ليس في السماء وليس في
الارض بل هو رب السماوات والارض، فأين عقيدة المتمسلفين من ذلك؟!! 2 -
ذكر المشبه المجسم ص (19) حديث سيدنا أنس رضي الله عنه أن السيدة زينب أم
المؤمنين رضي الله عنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول
: " زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات " وفي لفظ كانت تقول: " إن
الله أنكحني في السماء " وفي لفظ: " أنها قالت للنبي
===========================================================================

[59]

صلى الله عليه وسلم: " زوجنيك الرحمن من فوق عرشه " وهذا حديث صحيح أخرجه
(1/45)

البخاري. جوابه: أقول أما اللفظين الاوليين فهما في صحيح البخاري حقا
وسيأتي الآن الجواب عليهما كما سيأتي أثناء التعليقات على " دفع شبه التشيبه
". وأما اللفظ الثالث: وهو قول السيدة زينب: " زوجنيك الرحمن من فوق عرشه
" فليس في البخاري وقد كذب في ذلك عبد الله السبت صاحب كتاب " الرحمن على
العرش استوى " كذبا بينا مثل المتمسلف المتناقض!! الذي قال في " مختصر
العلو " ص 84 (1) عن هذا اللفظ الثالث: " وأما اللفظ الثالث، فهو في توحيد
البخاري من حديث أنس أيضا ذكره الحافظ في " الفتح " (13/ 348) من مرسل
الشعبي وقال: أخرجه الطبري وأبو القاسم الطحاوي في كتاب الحجة والتبيان له
" اه‍. أقول: * أما قوله (وأما اللفظ الثالث فهو في توحيد البخاري من حديث
أنس أيضا) فكذب محض!! وليس هو في توحيد البخاري البتة!!. * وأما قوله
(ذكر الحافظ في الفتح (13/ 348) من مرسل الشعبي وقال أخرجه الطبري وأبو
القاسم الطحاوي في كتاب الحجة والتبيان له " (2) فلا قيمة له لانه مرسل
والمرسل من أقسام الضعيف كما يعرفه المبتدئون من الطلبة في هذا الفن.

===========================================================================
(1) من الطبعة الاولى المكتب الاسلامي 1. 14 ه‍في الرقم (6). (2) ثم ذكر
ذاك المتناقض!! أن ابن جرير رواه في الجزء 22 ص (11) والصحيح أنه ص (14)
وقد فعل ذلك للتعمية عن قول السيدة زينب هناك: " أنا التي نزل تزويجي ".
(*)
===========================================================================

[60]

ومعنى قول السيدة زينب: " زوجني الله من فوق سبع سموات " أي أنزله في
القرآن الكريم الذي جاء به سيدنا جبريل من فوق السماء السابعة من اللوح
المحفوظ، وليس المعنى إلا ذلك فليس المراد بذلك: قضى الله تزويجي وأراده
من فوق سبع سموات، وذلك لان جميع الخلق قضى الله زواجهم وأراده من فوق سبع
(1/46)

سموات أي في اللوح المحفوظ الذي أمر القلم أن يجري فيكتب فيه ما سيكون إلى
قيام الساعة. فالمزية التي حصلت للسيدة زينب أن نكاحها يتلى في القرآن
النازل من فوق السماء السابعة أي من اللوح المحفوظ والله تعالى منزه عن ذلك
المكان وعن غيره لانه موجود بلا مكان، فلا علاقة لهذا القول بوجود الله في
السماء أو فوق السموات كما يتخيل هؤلاء المشبهة الذين يضللون العوام!!
ويؤيد ما قررناه ما رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (22/ 14) عن محمد بن
عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب، فقالت زينب: " أنا الذي (1)
نزل تزويجي ". فتأمل. (تنبيه مهم جدا): ومما يجدر التنبيه إليه أو عليه
هنا أن الذهبي لما صنف كتاب " العلو " كان في أول الطلب وريعان الشباب وكان
قد تأثر بالشيخ الحراني!! ابن تيمية وفتن به!! ولم يكن بعد متمكنا في
علم الحديث لانه ينسب فيه أحاديث لكتب مثل الصحيحين وهي غير موجودة فيها ثم
لما مرت عليه السنون أدرك خطر الشيخ الحراني، فانتقده كما في عدة من
مؤلفاته منها

===========================================================================
(1) والصحيح (التي) بدل (الذي). (*)
===========================================================================

[61]

رسالته " زغل العلم " ومنها كتابه " سير أعلام النبلاء " ومنها الرسالة
المشهورة الثابتة في نصيحته لابن تيمية المسماة: " بالنصيحة الذهبية "،
ورجع عما كان يعتقده سابقا فتجده في " سير أعلام النبلاء " يفوض أحيانا
ويؤول أحيانا أخرى ويقول: إن الدعاء يستجاب عند قبور الصالحين في عدة مواضع
منها عند ترجمة السيدة نفيسه رحمها الله تعالى وينزه الله عن الحد في ترجمة
" ابن حبان " ويزيد على ما قاله في " الميزان " من أن نفي الحد واثباته من
فضول الكلام فيقول متراجعا زائدا: " وتعالى الله أن يحد أو يوصف إلا بما
(1/47)

وصف به نفسه أو علمه رسله بالمعنى الذي أراد (1) بلا مثل ولا كيف (ليس كمثله
شئ وهو السميع البصير) (2) " اه‍. فرجوع الذهبي عن عقيدة الشيخ الحراني
المخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الامة
وتركه لترهات الحراني وتعدل مزاجه وطبعه وعلو منزلته هو الواقع وهو الذي
ندعيه ونستطيع أن نبرهن عليه، فالحمد لله الذي من على الحافظ الذهبي بذلك،
فنحن لا نرضى كل ما يقول لانه قال سابقا ما رجع عنه لاحقا ونورد كلامه
وأقواله في " سير أعلام النبلاء " لانها آخر كلامه واختياره الاخير ورجوعه
للحق، وخصوصا بعد تأملي في " سير أعلام النبلاء " ومطالعتي له كاملا، ولا
سيما أن الجزء الاخير منه الذي لم يطبع ويقال إنه مفقود فيه ذم الشيخ
الحراني كما نتوقع وكما يفيده كلام ابن الوزير المنحرف المجسم الذي ينقل عنه
، فتدبروا ذلك وتأملوا فهذا الذي نعتقده هنا. (1) قوله (بالمعنى الذي أراد)
فيه تصريح واضح بتفويض المعنى، خلافا للشيخ الحراني وأذنابه المعاصرين
الذين منهم متناقض!! زماننا، والحمد لله. (2) أنظر " سير أعلام النبلاء
" (16/ 97 - 98). (*)
===========================================================================

[62]

3 - ذكر المجسم ص (18): حديث سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم عرفة: " ألا هل بلغت؟ "
فقالوا: نعم - يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إليهم - ويقول " اللهم اشهد "
أخرجه مسلم. جوابه: ليس في رفعها إلى السماء أي دلالة على أن الله حال في
السماء أو أنه في جهتها ولا علاقة لهذه الاشارة بهذا الموضوع البتة، وإنما
جرت العادة عند الناس في مخاطباتهم حتى فيما بينهم عندما يقول في خطابه:
أيها الناس اشهدوا على كذا فإنه يشير بإصبعه رافعا إياها والاشارة بالاصبع
في عرف البشر علامة على الاشهاد لا غير (1)، وأين هذا من عقيدة التجسيم
(1/48)

الناصة على أن الله في السماء!!! 4 - وذكر المجسم ص (19) حديث: عبد الله
بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الراحمون يرحمهم
الله، إرحموا من في الارض يرحمكم من في السماء " أخرجه أبو داود والترمذي
وصححه الحاكم، وهو صحيح اه‍. جوابه: هذا حديث ضعيف في سنده عند هؤلاء
الذين ذكرهم أبو قابوس لم يرو عنه إلا مالك بن دينار وقال الذهبي في "
الميزان ": لا يعرف، وقال الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " (12/ 223)
: " ذكره البخاري في الضعفاء من الكبير له. . " اه‍. قلت: ومنه تعلم أن
المتناقض!! قد أخطأ عندما صححه فأورده في " صحيحته " (2/ 631) ونقل هناك
عن بعض الاوراق المشوشة من ظاهرية دمشق قول ابن ناصر الدين الدمشقي:

===========================================================================
(1) ولذلك ستيت السبابة شاهدا، والمصلي في التشهد يرفع إصبعه عند التشهد ثم
ينكتها للاسفل ولم يخطر ببال أحد قط أن معنى ذلك أن الله في السماء لا سيما
وهو يشير بها إلى جهة الكعبة فيكون معنى ذلك كما قال الامام النووي وغيره من
الائمة إعلان التوحيد باليد وباللسان وبالقلب. (*)
===========================================================================

[63]

" ولابي قابوس متابع، رويناه في مسندي أحمد وعبد بن حميد من حديث أبي خداش
حبان بن زيد الشرعبي الحمصي أحد الثقات عن عبد الله بن عمرو بمعناه،
وللحديث شاهد عن نيف وعشرين صحابيا. . . . " اه‍. ولرد هذا الكلام نقول:
أ - هذا المتناقض!! غير مؤتمن في النقل فلا ندري هل هذا كلام ابن ناصر
الدين الدمشقي أم لا!! ب - وعلى فرض أن هذا كلام ابن ناصر الدين فهو باطل
وغير صحيح، ومنذ متى يعول هذا المتناقض!! على كلام الرجال؟! أليس هو
القائل في مقدمة " آداب زفافه " إنه لا يقلد في دينه أحدا؟!! ولابطال
(1/49)

الكلام الذى زعم أن ابن ناصر الدين يقوله نقول: * قوله (ولابي قابوس متابع
، رويناه في مسندي أحمد وعبد بن حميد من حديث أبي خداش حبان بن زيد الشرعبي
الحمصي أحد الثقات عن عبد الله بن عمرو بمعناه) كلام متهافت، وكان الاجدر
به أن يقول (ولابي قابوس ناسف وهادم لما يقول رويناه. . .) وذلك لان أبا
قابوس مجهول لا عبرة بروايته، ورواية من ظنها أنها متابعة له هي مخالفة له
حقيقة، ولو أنه ذكرها في " صحيحته " أو بين في أي مكان رواها أحمد لظهر
خطؤه، وأنا أبينها والله المستعان على من يتلاعب بالروايات والطرق، وإليك
ذلك: روى الامام أحمد في مسنده (2/ 165) عن يزيد أخبرنا حريز حدثنا حبان
الشرعبي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو على
المنبر: " إرحموا ترحموا واغفروا يغفر الله لكم، ويل لاقماع القول للمصرين
الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ".
===========================================================================

[64]

فهذا ليس متابع لحديث أبي قابوس وإنما هو حديث آخر، فتبين على فرض أنه
متابع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: " ارحموا من في الارض يرحمكم من
في السماء " وإنما قال: " ارحموا ترحموا " هذا هو الثابت عنه، واللفظ
الاول باطل، ولو قيل جدلا انه غير باطل وسلمنا فالصحيح ساعتئذ أنه ضعيف
محتمل مخالف، وما طرأه الاحتمال سقط به الاستدلال، فاستيقظوا معاشر
المنخدعين، وتنبهوا إلى المتناقضين!! وعلى فرض صحته وهو محال فهو مؤول
كما في " فيض القدير " (1/ 473). * وقوله (وللحديث شاهد عن نيف وعشرين
صحابيا. . .)!! هراء لا قيمة له، لانه يمكننا الآن أن نورد كثيرا من
الاحاديث الموضوعة والتالفة ولها عشرات الشواهد ولا يمكننا تصحيحها. وأما
قول المتناقض!! في " صحيحته " التالفة هناك إن من شواهده أيضا: (حديث أبي
اسحق عن أبي ظبيان عن جرير مرفوعا بلفظ: " من لا يرحم من في الارض، لا
(1/50)

يرحمه من في السماء ". أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (1/ 118 / 2) (1)
. .) اه‍. ثم اعترف بعد ذلك بضعفه ص (632) من صحيحته حيث قال: " أبا
اسحق وهو السبيعي كان اختلط، ثم هو مدلس " اه‍. وأزيد فأقول:

===========================================================================
(1) هو في الطبراني الكبير (2/ 355). (*)
===========================================================================

[65]

حديث جرير ثبت في البخاري برقم (6013 و 7376) ومسلم (2319) وغيرهما بلفظ: "
من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ". فانتسفت شواهد هذا المتناقض!! الذي
يتكئ على المهزول المهدوم من الشواهد والمتابعات إذ لا ذكر للارض ولا للسماء
في اللفظ الثابت الصحيح، والحمد لله. ولفظ البخاري ومسلم هذا يثبت تأويل "
من في السماء " أي صاحب العظمة والرفعة والكبرياء وهو الله تعالى، وينسف
عقيدة حلول الله في السماء أو فوق السماء التي يعتقدها ذاك المتناقض!!
الذي يتخيل من كل نص ولو لم يكن ثابتا أنه يؤيد ما يقول!! ولله في خلقه
شؤون!! 5 - وذكر المجسم في كتابه " الرحمن على العرش استوى) (1) حديث: "
ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء " متفق عليه. جوابه: كل ما ورد فيه
لفظ " من في السماء " فالمراد به في لغة العرب التي نزل بها القرآن معنى
مجازي وهو العظمة والرفعة والكبرياء والعلو

===========================================================================
(1) وقد ذكرنا في التعليق على " دفع شبه التشبيه " رقم (52) معنى هذه الآية
وأنه لا حجة فيها لمعتقدهم، وأن الاستواء يأتي بمعنى القهر والاستيلاء ومنه
قول الشاعر: إذا ما علونا واستوينا عليهم جعلناهم مرعى لنسر وطائر فإن قيل
هذا يقتضي المغالبة، قلنا: كلا، لان الله لما ذكر في كتابه قوله: (والله
غالب على أمره) لم يفد ذلك المغالبة مع صراحته في معناها ومقتضاها. (*)
(1/51)

===========================================================================

[66]

المعنوي لا الحسي ومن ذلك قول أحد شعراء العرب: علونا السماء مجدنا وجدودنا
وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا وظاهر وواضح أنه لم يرد إلا علو الشأن، وهذا
المراد بكل نص ورد فيه لفظ " من في السماء " لو ثبت، وذلك لان القواعد
الثابتة في الكتاب والسنة تثبت تنزيه الله عزوجل عن السماء وعن الارض وعن أن
يكون فوق السماء أو فوق الارض. على أن هذا الحديث قد تصرف الرواة في متنه
وقد ثبت أيضا في الصحيحين في مواضع وليس فيه لفظ " من في السماء " ففي صحيح
البخاري (فتح 13/ 416) جاء هذا الحديث بلفظ: (فمن يطيع الله إذا عصيته
فيأمنني على أهل الارض ولا تأمنوني " فتأمل وقارنه بما في البخاري (الفتح 8
/ 67) وقد قال الحافظ هناك ص (68): " وسيأتي الكلام على قوله " من في
السماء " في كتاب التوحيد ". اه‍قلت: ذكر الكلام عليه في الفتح (13 /
412) فقال: " قال الكرماني: قوله (في السماء) ظاهره غير مراد، إذ الله
منزه عن الحلول في المكان، لكن لما كانت جهة العلو أشرف من غيرها أضافها
إليه إشارة إلى علو الذات والصفات، وبنحو هذا أجاب غيره عن الالفاظ الواردة
في الفوقية ونحوها " اه‍. قلت: ومن تدبر ما قلناه ووعاه تماما لم يستطع
جميع المجسمين والحشوية المشبهين أن يتلاعبوا بعد ذلك بعقله، ويحمد الله
تعالى أنه قد حفظه من فاسد عقيدتهم.
===========================================================================

[67]

6 - ومن العجيب الغريب أن المجسم السبت استدل على عقيدته الفاسدة ص (23) من
كتابه الملئ بالاخطاء بحديث: (قتادة بن النعمان سمع النبي صلى الله عليه
وسلم يقول: " لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه " رواه أبو بكر الخلال
في كتاب السنة له ورواته ثقات، كذا قال الذهبي في العلو) اه‍كذا قال!!
(1/52)

قلت: وزاد عليه المتناقض!! في " مختصر العلو " ص (98) في الحاشية بقوله:
" وذكر ابن القيم في " الجيوش الاسلامية " (ص 34) أن اسناده صحيح على شرط
البخاري "!! اه‍. جوابه: هذا حديث منكر موضوع، وإليك تفصيل ذلك: هذا
الحديث رواه الخلال فقال: حدثنا أحمد بن الحسين الرقي حدثنا ابراهيم بن
المنذر الحزامي حدثنا محمد بن فليح حدثني أبي عن سعيد بن الحارث عن عبيد بن
حنين، قال: بينما أنا جالس في المسجد إذ جاءني قتادة بن النعمان يحدث وثاب
إليه الناس، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله
لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الاخرى، وقال
: إنها لا تصلح لبشر " اه‍. قلت: وقد ذكر الحافظ الذهبي بعدما كبر ورسخ في
هذا العلم في كتابه الميزان (3/ 365) أن هذا الحديث هو من منكرات فليح،
وأما ذاك المتمسلف فقد تناقض على عادته وحكم في موضع آخر من كتبه بأنه حديث
منكر وذلك في " ضعيفته " (2/ 177 حديث 775) وقد بينت ذلك مفصلا في كتابي "
التناقضات " الجزء الاول ص (28 - 31).
===========================================================================

[68]

أقول: وهل يريد المؤلف السبت أن يستدل بهذا الحديث على أن الله بعد خلق
السموات والارض استلقى على العرش وهو المراد ب‍" استوى " كما في متن هذا
الحديث التالف ليوافق اليهود في عقيدتهم التي رد الله عزوجل عليها بقوله:
(ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب،
فاصبر على ما يقولون) سورة ق: 38.؟!! 7 - وأما قول بعضهم: (إن من أدلة
أن الله في السماء أننا نرفع أيدينا في الدعاء لجهة السماء)!! فجوابه
كالتالي: إن العبد إذا مد يديه في الدعاء فإنه يجعلهما على شكل وعاء،
فكأنه يقول متذللا: يا رب قد سألتك وطلبت منك وجعلت يدي وعاء لعطائك فلا
تردني خائبا، ولذلك جاء في الحديث: " إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع
(1/53)

الرجل يديه أن يردهما صفرا خائبتين " رواه الترمذي (5/ 557) وغيره وهو صحيح
فمد اليد بهذا الشكل عند الدعاء هي رمز للتذلل لله تعالى لا أكثر، ألا
ترى أن الانسان الفقير السائل إذا طلب من إنسان آخر صدقه فإنه كذلك يرفع يده
مثل رفعها في الدعاء ولا يجعل راحتيه تلقاء وجه من يطلب منه، وكان اللازم
عليه حسب رأي من يستدل برفعهما على وجود الله في السماء أن يجعل السائل
راحتي يديه تلقاء وجه من يسأله الحسنة أو الصدقة ومنه تعلم سخافة استدلال
المجسمة المهاترين. هذا رد ما يتعلق بالاحاديث التي استدل بظواهرها المجسمة
على عقيدتهم الفاسدة وأما:
===========================================================================

[69]

رد ما اختلقوه على الائمة الاربعة مما يؤيد عقيدة التجسيم فهذا بيان ما
جاءوا به وزعموا أنه قول الائمة الاربعة رحمهم الله تعالى في تأييد عقيدتهم
الفاسدة مع إبطاله: 1) الامام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: ذكروا أن الامام
الاعظم رحمه الله تعالى قال: " من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الارض
فقد كفر. لان الله يقول: (الرحمن على العرش استوى) وعرشه فوق سبع سموات.
. ". جوابه: هذا الكلام كذب على الامام أبي حنيفة رحمه الله تعالى لان
راويه عنه هو أبو مطيع البلخي وكان كذابا وضاعا، قال في ترجمته الحافظ
الذهبي في " الميزان " (1/ 574): قال الامام أحمد: لا ينبغي أن يروى عنه
شئ وعن يحيى بن معين: ليس بشئ ". وقال في ترجمته الحافظ ابن حجر في " لسان
الميزان " (2/ 335 الطبعة الهندية): " قال أبو حاتم الرازي: كان مرجئا
كذابا. . . . ". وختم ابن حجر ترجمته بقوله فيه:
===========================================================================

[70]

" وقد جزم الذهبي بأنه قد وضع حديثا فينظر من ترجمة عثمان بن عبد الله
الاموي " اه‍. قلت: فالوضاع الكذاب الذي يقول عنه الامام أحمد لا ينبغي أن
(1/54)

يروى عنه شئ كيف يعتمد ما رواه عن الامام أبي حنيفة؟!! ومن كذب على رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان أهون عليه أن يكذب على من دونه وعلى أبي حنيفة
أليس كذلك (1)؟!!

===========================================================================
(1) ومن عجيب التناقضات أن الشيخ المتناقض!! لا يقبل رواية أبي مطيع للفقه
الاكبر وبزعم أنها لا تصح لان في متن " الفقه الاكبر " ما يخالف عقيدته
ومشربه وهذا مسجل عندي بصوته، ثم يقبل ما رواه عنه من أن الله في السماء أو
على العرش فتأملوا يا أولي الالباب!! ولدي شريط يقول فيه هذا المتناقض إن
أبا مطيع حجة فيما ينقله عن أبي حنيفة دونما ينقله عن غيره أو يرويه عن
النبي صلى الله عليه وسلم!! وهذا هراء فارغ، لان من كذب على رسول الله
صلى الله عليه وسلم لم يستبعد منه الكذب على من هو دونه ولكن هذا المتناقض
عنيد لجوج!! وكم من قول ينقل عن إمام ضعفه هذا المتناقض لان فيه رجلا
ضعيفا بنظره!! من ذلك ما ذكره في " مختصر العلو " ص (155) من رواية كلام
عن أبي يوسف وأبي حنيفة من طريق محمد بن شجاع الثلجي، فقال عقبه ص (156) من
" مختصر العلو ": " ولكنه اسناد هالك، الثلجي هذا متروك كما في التقريب "
!! اه‍فإذن لا فرق حتى عنده فيمن كان متروك الرواية في إخباره عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أو عن أي واحد من الائمة. والحمد لله. وانظر
كتابنا " إلقام الحجر " ص (6 - 7). (*)
===========================================================================

[71]

2 - الامام مالك رحمه الله تعالى: كلام الامام مالك صريح في الرد على عقيدة
المجسمة والمشبهة ومن قلدهم فقد قال صريحا: " الاستواء غير مجهول - أي أنه
قد ذكر في القرآن - والكيف غير معقول - أي بصفة يعلمها الخلق أو يدركونها
(1) -. . . ". وقوله أيضا: " الرحمن على العرش استوى كما وصف به نفسه ولا
(1/55)

يقال كيف، وكيف عنه مرفوع. . . " صريح في رد عقيدة المجسمة الذين يقولون
بإثبات الكيف وبيان المعنى، وما يرددونه من قولهم قال مالك: الاستواء
معلوم والكيف مجهول. . " باطل بهذا اللفظ، لان فيه إثبات كيف لله تعالى
نجهله، والله لا كيف له، ومالك نفى هذا بقوله: " ولا يقال كيف، وكيف

===========================================================================
(1) ومنه يظهر فساد من قال: " استقر " أي على العرش كما قال الشيخ الحراني
في " التأسيس " (1/ 568) وذيله السبت في كتابه المشار إليه ص (34) حيث قال
: " ومجمل معنى الاستواء: صعد - علا - ارتفع - استقر "!! قلت: وقوله صعد
أيضا عجيب فهل كان أسفل العرش ثم صعد أيها المجسم الذي لا تدري ما يخرج من
رأسك؟! وكل ما ذكره تأويل!! وهو من التأويل الباطل!! والحمد لله. وقد
قال المتناقض الالباني ص (17) من " مختصر العلو ": " فإنه - أي الاثر
المنكر - يتضمن نسبة القعود على العرش لله عزوجل، وهذا يستلزم نسبة
الاستقرار عليه لله تعالى، وهذا مما لم يرد، فلا يجوز اعتقاده ونسبته إلى
الله عزوجل " اه‍. وهذا يثبت لنا أمرين أما (الاول): قوله (باللوازم) أي
أن لازم المذهب مذهب. وأما (الثاني): فمخالفته لعقيدة ابن تيمية وابن
القيم اللذين يقولان بالاستقرار والجلوس صريحا، انظر التأسيس (1/ 568) و "
بدائع الفوائد " (4/ 39 - 40). (*)
===========================================================================

[72]

عن مرفوع " وانظر كتابنا " عقيدة أهل السنة والجماعة " الطبعة الاولى ص (29
- 35). 3 - الامام الشافعي رحمه الله تعالى: نقل المجسمة عنه أنه قال: "
القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم
وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الاقرار بالشهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمدا رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف
(1/56)

شاء وأن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء. . . وذكر سائر الاعتقاد "
اه‍. قلت: هذا مذكور في " مختصر العلو " ص (176) وقال هناك: " روى شيخ
الاسلام أبو الحسن الهكاري، والحافظ أبو محمد المقدسي بإسنادهم إلى أبي ثور
وأبي شعيب كلاهما عن الامام محمد بن ادريس الشافعي " به. جوابه: هذا
الكلام كذب محض، وهو مدسوس على الامام الشافعي رحمه الله تعالى، ومختصر!
العلو المتناقض!! إما أنه يعلم ذلك أو لا يعلم وأحلاهما مر أو حنظل معصور
في فمه، وإليك بيان ذلك: أما الملقب بشيخ الاسلام أبي الحسن الهكاري فهو
أحد الكذابين الوضاعين قال عنه الحافظ الذهبي في " ميزان الاعتدال " (3 /
112) في ترجمته: " قال أبو القاسم بن عساكر: لم يكن موثوقا به، وقال ابن
النجار: متهم بوضع الحديث وتركيب الاسانيد " اه‍.
===========================================================================

[73]

وقال الحافظ ابن حجر في ترجمته في " لسان الميزان " (4/ 195 من الطبعة
الهندية): " وكان الغالب على حديثه الغرائب والمنكرات، وفي حديثه أشياء
موضوعة ورأيت بخط بعض أصحاب الحديث أنه كان يضع الحديث بأصبهان " (1) اه‍.
وأما أبو محمد المقدسي: فهو ممن أباح العلماء دمه كما يجد ذلك من طالع
ترجمته لكونه مجسما صرفا انظر كتاب " الذيل على الروضتين " المسمى أيضا
تراجم رجال القرنين للحافظ أبي شامة المقدسي الدمشقي ص (46 - 47). وأين
إسناد أبو محمد المقدسي هذا حتى نحكم عليه أيضا؟!! ثم اعلم أن أبا شعيب
الذي زعموا أنه روى تلك العقيدة عن الشافعي ولد بعد وفاة الشافعي بسنتين كما
تجد ذلك في " تاريخ بغداد " (9/ 436). وأما هذه العقيدة المروية عن الامام
الشافعي رحمه الله تعالى فهي مدسوسة عليه كما نقل ذلك الذهبي نفسه في "
الميزان " (3/ 656) في ترجمة العشاري فلا غرو أن يتناقلها الحنابلة المجسمة
ويعتنون بها!! وقال أيضا الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان " (5/ 301)
(1/57)

نقلا عن الذهبي: " أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن، منها: حديث
موضوع في فضل ليلة عاشوراء، ومنها عقيدة للشافعي. . . . . " اه‍.
فاستيقظوا!!

===========================================================================
(1) قلت: وقد مجده وعظمه الشيخ الحراني في رسالته المسماة: " الوصية
الكبرى في العقيدة والدعوة " ووصفه بشيخ الاسلام!! وهو كذاب وضاع كما ترى
، وقد ستر كل ذلك غلام!! الشيخ المتناقض!! ص (26) من تعليقه عليه!! (*)
===========================================================================

[74]

قلت: ولعل هذا العشاري في سند عقيدة الشافعي التي يرويها الهكاري الوضاع
والمقدسي المجسم، وكذلك في سندها ابن كادش الوضاع، ثم اطلعت على " تبديد
الظلام المخيم " للمحدث الكوثري ص (108) فوجدته يقول: " واعتقاد الشافعي
المذكور في ثبت الكوراني كذب موضوع مروى بطريق العشاري وابن كادش ". وبذلك
يتم إسقاط ما احتج به المجسمة من تأييد الامام الشافعي لآرائهم الفاسدة ولله
تعالى الحمد. 4 - وأما الامام أحمد رحمه الله تعالى: فالمجسمة يحتجون ببعض
كلمات تنقل عنه مذكورة في كتاب " الرد على الجهمية " الذي ينسب إليه، مع
أنه قد ثبت عنه أشياء كثيرة نقلناها عنه في إثبات التأويل وغير ذلك في هذه
المقدمة وغيرها تنسف استدلال المجسمة بكلامه وتخسفه خسفا والحمد لله رب
العالمين. وأما كتاب " الرد على الجهمية " فليس هو من تصنيفه إنما هو من
تصنيف من يتظاهر باتباعه من المشبهة والمجسمة، وقد نص الحافظ الذهبي في
ترجمة الامام أحمد في " سير أعلام النبلاء " (11/ 286) على أن كتاب " الرد
على الجهمية " موضوع على الامام أحمد إذ قال: " لا كرسالة الاصطخري، ولا
كالرد على الجهمية الموضوع على أبي عبد الله. . . " اه‍فتأمل. وبذلك
انهدم ما احتج به المجسمة من أن أقوال الائمة الاربعة تؤيدهم، والصحيح أن
(1/58)