Laskar Informasi

Pencarian Daftar Isi

سُلَّمُ أَخْلاقِ النُّبُوَّةِ

16 Nov 2015

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة


    الكتاب : سُلَّمُ أَخْلاقِ النُّبُوَّةِ ( دراسة قرآنية )
    المؤلف : العلامة الشيخ / محمود غريب
    ( أسلم على يدي المؤلف خمسةٌ من علماء أوربا في فترة السبعينيات )
    الناشر : دار القلم للتراث - القاهرة
    الطبعة : الثانية - 1419 هـ - 1998 م
    تنبيه :
    [ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]
    جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.
    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    الكتاب : سُلَّم أَخْلاقِ النُّبُوَّة ( دراسة قرآنية )
    المؤلف : العلامة الشيخ / محمود غريب
    ( أسلم على يدي المؤلف خمسةٌ من علماء أوربا في فترة السبعينيات )
    الناشر : دار القلم للتراث - القاهرة
    الطبعة : الثانية - 1419 هـ - 1998 م
    تنبيه

    :
    [ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]
    جَزَى اللَّهُ كَاتِبَهُ وَمَنْ تَحَمَّلَ نَفَقَةَ الْكِتَابَةِ خَيرَ الجَزَاءِ وَأَوفَاهُ.

    (1/4)

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    افتتاحية
    الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى ، وسلام على النبي المصطفى.
    ثم أما بعد . . .
    فكلنا في خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته هذا مفتاح السلسلة التي عزمت على كتابتها ، وبدأت في ذلك منذ أكثر من أربعة أعوام.
    بعد أن انتهيت من طبع "سورة الواقعة ومنهجها في العقائد"
    وهذه السلسلة ليست كتاباً أقدمه للقراء الكرام مبوباً كما تعود الكتاب ... ولكنها مجموعة من الدراسات غلب على ظني حاجة الشاب المسلم إليها ... ونسبت كل صفحة منها إلى مصادرها ، حتى أساعد الدارس للرجوع إليها. وليتعرف القارئ غير الدارس على المكتبة الإسلامية وما فيها من كنوز... واخترت هذا الشعار "كلنا في خدمة النبي وسنته" - صلى الله عليه وسلم - حتى يعلم كل مسلم.
    أن كل من يبذل جهداً لخدمة أي قضية من قضايا الإسلام - كتاباً أو سنة أو حسن فقه ، فهو في خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته.
    أي قضية بهذا العموم ، وهذا الإطلاق.
    مدرس التفسير في خدمة النبي.
    سواء دارس التفسير الموضوعي أو التفسير الموضعي. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أول من قام ببيان معاني القرآن الكريم بعد التفسير القرآني للقرآن.. ولهذا الموضوع كتاب خاص في هذه السلسلة - إن شاء الله -.

    (1/5)

    وفي السلسلة دراسة للتفسير ومناهج المفسرين في أهم الموضوعات.
    تفسير الظاهرية والباطنية. ثم منهج التدبر ، ثم بيان خطر الطوائف المنحرفة على التفسير... ثم أفردت دراسة عن محيى الدين بن عربي ، جمعتها بصعوبة كبيرة من خلال كتبه - غفر الله له.
    * مدرس الفقه : -
    مدرس الفقه سواء فقه المذاهب ، أو فقه الحديث ، خادم للسنة. لأن استخراج الأحكام الفقهية من القرآن ومن السنة عمل كبير يحتاج إلى عقول عالمة ، عالمة بأصول الفقه وأصول الحديث - دراية ورواية.
    وهما علمان انفرد بهما دينكم.
    وقد اخترت للسلسلة موضوعاً واحداً وهو
    "الطلاق البدعى"
    إن الطلاق السني هو أبغض الحلال عند الله ، فكيف إذا كان الطلاق بديعاً ؟ إن الطلاق البدعي شرعه الشيطان.
    مربي الأمة
    ومن يربي المسلمين على أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحاول أن يتعرف على منهج النبي في التربية ، فالتربية هي معجزته الثانية بعد القرآن. من يحاول أن يفعل هذا فهو خادم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته.
    إن نظريتي التي انتهيت إليها في كتابي "تربية القرآن يا ولدي"
    تؤكد أن كل إنسان فيه خير... كل إنسان بهذا العموم فيه خير.
    وإذا رزقه الله من يربي (خميرة) الخير التي بداخله فسوف يربو الخير ، ويزيد فيه. وهذا هو دور "الخباز" في المعجنات.
    وهو أيضاً دور المربي مع البشر...
    ولم يخل إنسان من خير وشر {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (سورة البلد)

    (1/6)

    المدافع عن السنة
    ومن يحاول تحصين هذا الدين من الخرافات والبدع فهو خادم للنبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته... ولكن... ما هي البدع التي حرمها النبي - صلى الله عليه وسلم - وحذر منها ؟
    وما حكم اللفظ العام في القرآن والسنة إذا جاء معه لفظ يخصصه ؟
    وما هي البدع الضلالة التي لا ترضي الله ورسوله ؟ أو البدع الحقيقية والإضافية ؟ دراستنا الطويلة في المعاهد والجامعات الإسلامية.
    هل درسها النبي للسلف الصالح ؟
    هل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "الرحمن" مبتدأ "وعلم القرآن" جملة سدَّت مَسدَّ الخبر ؟ هل دراستنا بدعة وضلالة ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدرسها لأصحابه ؟
    هل قراءة القرآن على روح الميت ضلالة ؟
    دراسة جادة للذين لم يحمضوا "أفلام" عقولهم. فهي تقبل الحق من أي مصدر. ولو كان من محمود غريب.
    أما الذين حمضوا "أفلامهم" فصعب أن تقبل عقولهم فكرة جديدة أو رأياً جديداً.
    * مربي المسلمات
    ومن عاش يربي النساء على شرع الله فهو في خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته.
    حجاب المرأة - الذي شرعه الله - فريضة. لأنه عفة ووقاية وتكريم لها.
    ولكن شيئاً يهمني كثيراً انشغل عنه جموع المربين المسلمين أو أكثرهم.
    النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض الحجاب على السيدة مارية القبطية - أم إبراهيم - ففرحت بذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفعها بهذا إلى مقام نسائه الحرائر ، أمهات المؤمنين. فالحجاب تشريف للمرأة ورفعة لها.

    (1/7)

    ولكن شيئاً أراه أكبر من الحجاب ، وهو تربيته لعقل المرأة ، تربية جعلتهن يخترن الله ورسوله عندما رفض الله طلبهن ، مع أنه طلب عادل ، بمقياس البشر ، وخيرهن بين الحياة الشديدة في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبين أن يطلقهن ويسرحهن سراحاً جميلاً {القصة في سورة الأحزاب من 28 إلى آية 34 منها} فهل منا من ينشغل بما تحت الحجاب من مخ ؟
    إن تربية المرأة إسلاميا لا تقل أبداً عن قضية حجابها... وسوف تناقش السلسلة قضية جادة تتعلق بموضوع غطاء وجه المرأة ، لم أعرف أحداً كتب في هذا الموضوع الذي عالجته حتى أستفيد ممن سبقني.
    إن غطاء وجه المرأة "عادة" طيبة في بعض البلاد. يحمي الشاب المسلم من فتنة جمال المرأة... ولكن... هل الإسلام للرجال فقط ؟ ومن يحمي قلب المرأة من جمال وجه الشاب ؟
    سوف أناقش هذه القضية في رسالة "كيف تمم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكارم الأخلاق ؟".
    هذا مفتاح لبعض ما عالجته السلسلة.
    وبقيت أمور كثيرة سوف يلتقي بها القارئ الكريم.
    واللَّهَ نسأل التوفيق والنفع بها.
    محمود غريب
    سلطنة عمان - صلالة
    ص. ب : 593 الرمز البريدي 211
    تليفون : 295179

    (1/8)

    مقاصد الرسالة وحجم كل مقصد
    الله أكبر. فلا يرسل نبيه إلا لأمر كبير.
    ونبينا نبي خاتم ، استغنت به الدنيا عن نبي بعده. لأنها قد وصلت بدعوته إلى مرحلة الرشد.
    وقرآننا (فرقان يفرق بين الحق والباطل. في الإلهيات. والنبوات. والتشريع. والأخلاق) "الظلال".
    قرآننا : انتقالة بين طفولة الفكر البشري ، ومرحلة النضج.
    فهو كمن حصل على شهادة "الدكتوراه. فأصبح لا يحتاج إلى من يشرف على دراسته. فهو يستطيع أن يدرس وحده.
    فهل يرسل الله الأكبر. نبيه الخاتم - صلى الله عليه وسلم - الذي استغنت الدنيا بدعوته عن النبوات الجديدة ، ويرسله بكتاب هو الفرقان.
    هل سيرسل الله هذا النور ، من أجل شعبة من التحسينات فقط.
    إنها جزء من السنة له حجمه في المقاصد ، ودوره في التربية ، لا يجادل في ذلك أحد.
    لقد قسَّم الإمامُ الغزالي أعمالنا إلى درجات ثلاث.
    قسمها بهذا الترتيب ، الذي يدل على "فقه الأولويات".
    الضروريات. والحاجيات. والتحسينات.
    ويجب توزيع الاهتمام في الدعوة على هذا الترتيب.
    إن الدعوة إلى أصول الاعتقاد "الضروريات" مقدم على كل شيء.
    لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام بضع وسبعون شعبة ، أعلاها لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان (البخاري ومسلم).

    (1/9)

    فلا ينشغل الدعاة "بالتحسينات" عن الضروريات. وشعر أهداب العين يفوق كثيرا شعر الرأس ، وكلاهما شعر ، وكلاهما من خلق الله.
    لست أدري. هل هذا التركيز الذي أشاهده في هذه الأيام في بعض بلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - والذي يقلقني كثيراً ، هل هو استثمار للمجال الآمن ؟ أو جهل بالقضايا الكبيرة ، أو ضعف في البصيرة لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟
    قرأت في سير أعلام النبلاء جـ 3 صـ 69 حديث مسيلمة الكذاب مع عمرو بن العاص - رضي الله عنه - يقول مسيلمة :
    لقد بعث محمد للأمور الجسيمة. وبعثت في محقرات الأمور.
    هذا رأي مسيلمة الكذاب. فما بال بعضنا يهبط "عملياً" عن هذا الرأي ؟
    لقد سبق أن حدد الاستعمار المقاصد التي جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجلها. حددها في كتب التلاميذ بقولهم : - أي المستعمرين.
    جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد الناس يعبدون الأصنام ، ويئدون البنات ، ويشربون الخمر ، وهم يعنون بهذا أن الدعوة قد استئنفت مقاصدها.
    فاليوم. لا أصنام. ولا وأد للبنات ، وقد أدرك الناس خطورة الخمر فاجتنبوها. فالإسلام - في رأيهم قد أدى رسالته.
    وهذا كلام حق ، يراد به باطل. يريدون بذلك أن الإسلام قد استنفد مقاصده.
    فليعش المسلمون ذكراه.
    أما قرآن يحكم هذه الأمة ، ويجمع كلمتها ويوحد "خزينتها"
    حتى يقول عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص - رضي الله عنه -
    يا ابن العاص.. أتحيا ويموت من بجوار أمير المؤمنين ؟ !!
    "في عام اشتد فيه الجفاف بالجزيرة".
    فيرد عليه والي مصر :
    والله يا أمير المؤمنين لأرسلن إليك إبلاً محملة ،
    أولها عندك وآخرها عندي.

    (1/10)

    أما أن يكون الغاية من إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - تكوين جيش تحركه صرخة امرأة "وامعتصماه" فهذا شيء يجب أن يُنسى ، هذا ما أراده المستعمر. وما خطط له.
    وأضربُ لهذا الأمر مثلاً :
    في حادث سيارة أصيب شاب وجيه المنظر ، حلو الملامح ، وعندما نقل إلى المستشفى ورآه الممرضات سارعن إلى تنظيف وجهه ، وتصفيف شعره ، وإعادة رباط عنقه. بينما النزيف الداخلي يوشك أن يمزق أوصاله.!!
    حتى جاء الطبيب.
    وفي طفولتي دخلت محلاً به مرايا متعددة.
    بعضها يكبر الرأي ويصغر الجسد ، وبعضها يكبر الأذن وهكذا.
    ليضحك كل من يدخل من الأطفال ، وربما غير الأطفال.
    والآن وقد انتهت طفولتي ، أيقنت أن بعض الذين يعملون في حقل الدعوة مصابون بهذه المرايا.
    يرى أمورا شكلية صغيرة فيظنها كبيرة خطيرة.
    فيشغل الناس عن أمور - يعلم الله - أنها كبيرة. ويعلم هو - أيضا.
    سوف نعلم في باب {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أن الأمر بالمعروف يأخذ حكم المأمور به. والنهي عن المنكر كذلك. فمن دعا إلى فريضة فدعوته لها فريضة.
    أما من دعا إلى نافلة فحكم الدعوة نافلة.
    ومن عبادة الهوى أن ننشغل بالنوافل عن الفرائض.
    أنا لا أصرف الناس - وخصوصاً الدعاة عن بيان حكم الله في كل شيء بينه القرآن الكريم ، أو بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - فالقرآن تكلم عن أدب الجلوس في المجالس {11 سورة المجادلة} والنبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم عن غسل اليدين بعد الأكل. بشرط أن نعطي كل شيء حجمه ، ولا تخدعنا المرائي الكاذبة. وسوف يأتي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم عن تربية المسلم على الأكل مما يليه ، والأكل باليمنى ، وتسمية الله على الطعام ، وهو في الوقت نفسه يربي ملائكة البشر ، ومؤدبي الجبابرة وحكام الدنيا. وقيادات جيوش الحق ، التي قهرت الظلام والظلم.

    (1/11)

    إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أبعاد المسافة بين لا إله إلا الله ، وبين إماطَة الأذى عن الطريق "الإسلام بضع وسبعون أو ستون شعبة ، أعلاها لا إله إلا الله. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان. البخاري ومسلم باب الإيمان.
    ومن حُسْن فقه المسلم أن يعرف أين مكانه من الإسلام.
    أن ينظم عبادته على قانون "فقه الأولويات" والدعاة كذلك. وهم أولى.
    كثيراً ما طُفت في بلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - أنادي في الشباب : على كل شاب أن يرسم سبعين مربعاً صغيراً ، ويكتب في كل وحدة من المربعات اسم شعبة من الإسلام ، وعليه أن يبدأ بالأهم.
    عليه أن يبدأ بالعقائد. لما للعقائد من أثر وطمأنينة في النفس ، ورقابة على التصرفات. وعليه أن يحذر من تقديم نافلة على فريضة. فهذه من عبادة الهوى التي نهينا عنها - كما قلت -.
    إن الحديث عن الأكل بالأصابع ، إذا سبق الحديث عن أكل الربا ، أو شغل الناس عنه ، فهذا دليل على عمى البصيرة.
    وتكرار حج التطوع ، وتكرار العمرة في كل عام ، وحمل الذين لم يفرض الله عليهم الحج لفقرهم ، حملهم إلى أداء هذه الفريضة ، مع شح في خدمة دورات تحفيظ القرآن الكريم ، وتكوين مكتبات عامة في المساجد ، وإرسال النابغين من الطلاب في أي تخصص ليواصلوا تعليمهم ، كل هذا عمل يدل على الجهل بفقه الأولويات. ومثلهم كمثل من يبني مسجداً فاخراً ، يزين فيه الجدران ، ويبخل عن جلب محفظ للقرآن ، وعالم يبين الإسلام الحق للناس. فهم يكرمون الحجارة فقط. فيسألوها القبول!!.

    (1/12)

    الرسالة الأولى من هذه السلسلة سلم أخلاق النبوة دراسة قرآنية
    حول المراحل الأخلاقية الأربع
    الأولى : ما قبل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)
    الثانية : القرآن يتسامى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أخلاقيا
    الثالثة : ذاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوحي
    الرابعة : نختتم دراستنا لهذا السُّلَّم
    بدور النبي في إتمام مكارم الأخلاق.
    كل نبي أصلحته الأخلاق ، وأهلته للنبوة.
    أما نبينا محمد فأصلح قانون الأخلاق
    محمود غريب

    (1/13)

    تقديم : بقلم الأديب حديوي حلاوة
    إمام وخطيب مسجد معالي الوزير الشنفري - بصلالة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.. وبعد...
    · فإن الحديث عن رسول الله طيب وجميل.. عظيم ونفيس.. بلسم ودواء.. غذاء وشفاء.. نور وأنوار..
    · حديث حبيب إلى كل نفس.. خفيف على كل سمع.. رقيق على كل قلب.. لا ينتهي له مدى.. ولا يبيد له ثمر.. ولا يغيض له ماء.. ولا ينضب له معين.. لأنه حديث عن العظيم محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي فتح الله به على الإنسانية فتحاً جديداً عرفت على أضوائه طريق الهدى والرشاد.. وأعطاه الله من أنعمه ما أهله لحمل رسالته إلى الناس أجمعين..
    فجمع الشمل بحكمته.. ورأب الصدع برحمته.. وملك القلوب بسماحته.. وعطر الوجود بسيرته.. وملأ الأعين بنضارته.. وناجى الأرواح بموعظته.. وخاطب الضمائر بحنانه.. وتسرب إلى خبايا الضلوع بأخلاقه..
    · منه شع النور.. وعنه انبثق العرفان.. وبرحمته انتشر الإسلام.. وبهديه ترعرعت شجرة الإيمان..
    · إلى حديثه أضغى المكدود.. وبكلامه تداوى المكلوم.. وفي رياضه استراح العاني.. وفي ظله رقد المظلوم..
    فسَرتْ دعوته في القلوب والنفوس كما يسري الماء في الأرض التي شققها الظمأ..

    (1/14)

    وأماتها العطش..!
    ما سئم الناس له صوتاً.. ولا ملوا له نغماً.. ولا استثقلوا له كلماً..!
    · فصنع أمة قائمة على الزهد والورع.. أحياها من الموات.. وجمعها من الشتات.. وهداها من الضلالة.. وعلمها من الجهالة.. وكشف عنها حجاب الغمة.. وأماط عنها لثام الظلمة.. وقومها على الحق.. وردعها عن الغىِّ.. وكفها عن الباطل.. وأضاء لها مشاعل الخير.. ووصل بها إلى اليقين.. وهدادها إلى الصراط المستقم..
    · وكان بحق روضة فينانة زانتها يد الخالق بالأزاهير الندية.. ونقل عنها النسيم أطيب نفحاتها الزكية.. لكل من نأت به الديار.. أو شط به المزار.. أو حاربته جيوش الدهر.. أو طحنته رحى الحياة.. أو لفحته قسوة الدنيا..!
    · فحمل الكل.. وآزر الحق.. ونطق بالصدق.. وحكم بالعدل.. ونادى بالحب.. وتجمل بالصبر.. ودعا إلى العفو.. وبشَّر بالخير.. وفاض بالرحمة.. وتحلى بالأمانة.. وأعلن المساواة.. ونصر المظلوم.. ورعى اليتيم.. وآوى المسكين.. ورحم ابن السبيل.. ودعا الناس إلى القرب من الله ، والعيش في رحابه في الدنيا لينالوا الرضوان في الآخرة..!
    · وسيظل تاريخ هذا النبي العظيم محمد - صلى الله عليه وسلم - خالداً خلود الأبد.. باقياً بقاء الدهر.. مدوياً في الآذن.. مضيئاً كالصبح.. ساطعاً كالشمس.. منيراً كالقمر.. يتحدى الفناء.. ويغالب الأيام.. ويحارب الطغيان.. ويقضي على الفساد..!
    * * *
    * لقد كان عليه الصلاة والسلام المعلم الذي ترتقي إليه البشرية في سموها وتقدمها.. والمؤدب الذي أيقظ في المسلمين الوعي بالذات والمجتمع.. ودعا إلى الأخلاق الفاضلة.. وحث على التخلق بالآداب العظيمة والصفات الحسنة..

    (1/15)

    فرسالته دعوة إلى الأخلاق. لأنه بعث متمماً لها :
    "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"
    وقال له ربه :
    "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ" أي فوق الخلق العظيم..
    وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أكثر ما يدخل الجنة.. ؟
    قال : "تقوى الله وحسن الخلق"
    وقال عليه السلام لمعاذ بن جبل :
    "يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن"
    * * *
    ** وهذا الكتاب النفيس "سُلَّمُ أخلاق النبوة" يميط اللثام.. ويكشف النقاب.. ويرفع الستار.. عن بعض من أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - تُغير للمسلم حياته الدينية والسلوكية والأخلاقية والتربوية.. فيها آيات بينات.. ودلائل واضحات على السمو والكمال.. والطهر والجلال.. والحياء والعفاف.. والصدق والإخلاص..!
    ** ولا غُرو.. فمؤلفه أستاذنا الموقر الشيخ محمود غريب.. خطيب ندىُّ الصوت.. بليغ الأسلوب.. عذب الحديث.. واسع الأفق.. ثاقب الفهم.. طلق اللسان.. عميق النظرة.. فخم العبارة.. دقيق التصوير.. بسيط الكلمة.. صادق الإنسانية.. دمث الخلق.. شفيق الجوهر.. سليم الفطرة..
    ينقب عن الحكمة ويتفانى في تمجيدها.. ويعشق الفضيلة ويشدو بمحاسنها.. يميل إلى دراسة الحياة وفهمها عن طريق خيال الأديب.. ورهافة الشاعر.. وتمهل الفيلسوف.. وفكر الداعية.. وحكمة المجرب.. وحنكة الواعظ.. وذكاء الخطيب..!

    (1/16)

    يتخذ الأدب سميراً.. ويسمع الشعر منشداً.. ويشرب العلم رحيقاً.. ويلبس البيان ثوباً..
    · له أسلوب في الحوار حكيم.. ومنهج في الكلام قويم.. وحديث على السمع جميل.. يتقن النسج.. ويجهد البيان في الوصف.. والفكر في التنسيق.. والذوق في اختيار الكلمات.. لتقصيه الدقيق.. وغوصه العميق.. وتمييزه الدقيق.. فيجلى غوامض الأفئدة.. ويسير غور الضمائر.. ويحسن الذوق في البيان..!
    * * *
    · ومما لا يعرفه القارئ العزيز عن الداعية الكبير الشيخ محمود غريب أنه بدأ حياته صانعاً للمفاتيح واستطاع بكفاحه وصبره أن يجمع بين الدراسة بالأزهر الشريف.. وصناعة المفاتيح. سبعة عشر عاماً.. فجادت قرائح الشعراء بوصفه كأول صانع يحصل على الشهادة العالية من الأزهر.. وكأس الأزهر في الخطبة 1966 م.
    · يقول شاعر الشرقية "عبد الله محسن" :
    محمود غريب موهبة . . . من عند الرب الفتاح
    يعطيك الهدى بموعظة . . . ويتيه بصنعه مفتاح
    · وقال عنه شيخ الأزهر الشيخ حسن مأمون حين سلمه كأس الخطابة عام 1966 م : "إذا خَرَّج الأزهر في كل عام خطيباً واحداً مثل محمود غريب فقد أدى الأزهر رسالته".
    · وقال عنه الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر :
    "إن الله رزق محمود غريب أن يفهم أكثر مما يقرأ"

    (1/17)

    وقد صور الدكتور صابر عبد الدايم يونس مراحل حياة الكاتب ، والصناعات التي عمل بها ، وما حصل عليه وهو صانع من سبق علمي فقال في قصيدة طويلة :
    محمود عهدي بالإله يمدكم . . . في كل آونة بكل رباح
    فاهنأ فإن الدهر ينطق باسماً . . . إن السعادة رهن كل كفاح
    فخزائن الأرزاق قد فتحها . . . بالعلم ثم بصنعه المفتاح
    وصنعت أقفاصاً لكل مغرد . . . ما قيدت حرية الصداح
    غنَّت بلابلها فكان غناؤها . . . وصفا لأخلاق لكم وسماح
    وجماعة الخطباء كنت عميدها . . . كالبدر يشرق بالسنا اللماح
    كم من قلوب أنت فوق عروشها . . . متمكن كالنور بالمصباح
    كأس الخطابة نلته عن عالم الإسلا ... م ذا من أعذب الأقداح
    ما فيه خمرّ ، إنما فيه التقى. . . ممزوج بالنور السني الضاحي
    مُهجُ المنابر صفّقت لقدومكم . . . وتمايلت كالمنتشي بالراح
    ** نسأل الله العلي القدير رب العرش العظيم أن يكون هذا الكتاب في ميزان حسنات الشيخ الجليل.
    وجزاه الله عن المسلمين خير جزاء..
    *********
    قال المؤلف :
    ** عندما قرأت رسالة الأديب الكبير حديوي حلاوة - شكر الله له.
    تذكرت قول السلف : إن صدق مادحوك فالفضل لمن منحك ، وليس لمن مدحك. ورجوت الله أن يجعلني خيراً مما يظنون. وكانت هذه الكلمات تُنير لي الطريق وأنا أعمل صانعا للمفاتيح ، وطالباً بالأزهر الشريف شكر الله لأصحابها.
    * * *

    (1/18)

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    مقدمة
    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    الحمد لله وكفى. وسلام على عباده الذين اصطفى.
    وسلام على النبي المصطفى.
    أما بعد..
    فهذه دراسة قرآنية لموضوع "سُلّم أخلاق الُّنُبوَّةِ" وقد حاولت أن أتجنب في هذه الدراسة المنهج الفلسفي.
    فقد امتلأت المكتبة بما كتبه المرحوم الدكتور/ محمد عبد الله دراز باللغة الفرنسية ، وهو كتاب "دستور الأخلاق القرآنية" والذي جمع بين المنهج الفلسفي الشرقي والغربي ومنهج القرآن.
    ونقله للعربية الدكتور عبد الصبور شاهين..
    كما لم أسهب في جمع القصص الأخلاقي للنبي - صلى الله عليه وسلم -
    فقد سبقني إليه الدكتور/ أحمد الحوفي في بحث واف.
    ومن قبله كتب كثيرة متفرقة.
    أما جانب الدراسة القرآنية فلا ينتهي مددها ، ولا تنفد عجائبها.
    وقد قدمت لدراستي القرآنية ببعض مما لا تتم المنفعة إلا به.
    وأتركُ القارئ الكريم يعيش مع هذه الدراسة القرآنية.
    * * *

    (1/19)

    - مالك بن نبي ورأيه في العصمة.
    - خديجة - أم المؤمنين - رضي الله عنها - ومنهجها في الاستدلال.
    - هرقل - عظيم الروم ومنهجه في الاستدلال.
    - قريش - رفضت التصديق ، ولم تكذب الصادق.
    - معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأولى هي القرآن.
    - ومعجزته الثانية هي تربية الأمة.
    - دولة الحب - كيف بناها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    - المطالب الصعبة يتحملها النبي وآل بيته.
    - الواقع العملي وليس الشعارات الكبيرة.
    - وفي هذا المقطع من الرسالة.
    - سر المعجزة عند مليك مقتدر.
    - ساعة مع الدكتور / لينو. أينو. لينا ثورى.
    - قانون نجاح الداعي.
    * * *

    (1/20)

    * أخلاق النبوات عند مالك بن نبي
    وجدت في قراءتي كلاماً موجزاً وقيماً للأستاذ العبقري مالك بن نبي - والذي أود أن يعرف شبابنا عنه الكثير ، فهو من المفكرين القلائل.
    قال في مقام مقارنته بين النبوة الصادقة وبين أدعياء النبوة :
    "إن النبوة الحق تتميز بأمور ثلاثة.
    أولاً : صفة القهر النفسي الذي يُقَصَّى جميع العوامل الأخرى للذات بإلزام النبي - أي نبي - في النهاية بسلوك معين ودائم.
    "فالنبوة سلوك قهري".
    ثانياً : حكم فذّ على أحداث المستقبل ، يمليه نوع من القهر ، الذي ليس له أي أساس من المنطق - يعني ليس نتائج تتولدّ من مقدمات منطقية -.
    ثالثاً : استمرار مظاهر السلوك النبوي ، وتماثلها الظاهر والخفي عند جميع الأنبياء. هذه الصفات المميزة لا يمكن أن تلقى ببساطة تفسيراً نفسياً إلا تحكم النبوة في عقل وسلوك النبي. فتصبح النبوة كل شيء في النبي - أي نبي - عليهم السلام - انتهى ومعلوم من كلامه أن النبي يتصرف تصرفا قهريا في السلوك ، وفي تفسير المستقبل تفسيراً لا يمكن أن يكون النبي قد استنتجه من مقدمات منطقية. , أي مقدمات منطقية تؤكد أن جيش الروم الذي لم يعلم النبي عنه أي شيء سينتصر يوم ينتصر جيش الإسلام في موقعة بدر. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ}.
    "الظاهرة القرآنية. مالك بن نبي".
    فمالك بن نبي جعل التصرف السلوكي للنبي تصرفا قهريا.
    وإن كان لي موقف من هذا الرأي ناقشته عام 1976 م في كتابي
    "حتى لا نخطئ فهم القرآن/ الجزء الثالث"
    والذي أرتاحُ له أن السلوك القهري للنبي - أي نبي ربما يقلل من دور الأسوة بهذا النبي - ويصرف المادحين لسلوكه عن حلبة الثناء ، ما دام السلوك قهرياً ، وما دامت

    (1/21)

    العصمة مانعة من القدرة على فعل ما لا ينبغي.
    إن يوسف - عليه السلام - امتنع وصرف الله همَّه ، وهو قادر على غير ذلك. من هنا كان أُسوةً لكل عافٍّ إلى يوم القيامة.
    * * *
    أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - دليل على نبوته
    بعد أن عرفنا تصور العلامة مالك بن نبي لأخلاق النبوات.
    نأتي إلى أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - من جانب الاستدلال بها على صدق نبوته.
    والحق أن أول من صاغ دليلاً عقليا على صدق نبوته - صلى الله عليه وسلم - هي السيدة خديجة - رضي الله عنها - وصاغت دليلها من أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - قبل "اقرأ" فقد عاشرته قبل "اقرأ" خمسة عشر عاماً ، وهي مدة - في الحياة الزوجية تعني إدراك الحقيقة - غالباً -.
    واستدل أيضا بأخلاق النبي على نبوته "هرقل" عظيم الروم. -
    كما جاء في حواره مع أبي سفيان بن حرب.
    وإلى شيء من التفصيل.
    * * *
    * خديجة - رضي الله عنها - ومنهجها في الاستدلال
    عندما عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - من غار حراء بعد أن جاءه جبريل - عليه السلام - وقال : اقرأ... القصة.
    دخل على خديجة ترجف بوادره ، فقال زمليني فزملته.
    حتى ذهب عنه الروع ، فقال : يا خديجة مالي ؟ وأخبرها الخبر ،
    وقال : "لقد خشيت علىّ أو على نفسي فقالت : كلا.
    فوالله لا يخزيك الله أبداً.
    إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق."

    (1/22)

    فالسيدة خديجة صاغت من أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -
    دليلاً على أن الله لن يخزيَه أبداً.
    وامتداد القصة - في الصحيح - تأتي بشارة "ورقة بن نوفل"
    وكان عالماً بالكتب السابقة ، يكتب بالعبرانية ، فأخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببعض ما سيعاني ، قياساً على معاناة الأنبياء السابقين ،
    فقال : هذا الناموس الذي أنزل على موسى.
    وفي البخاري "الذي نزله الله على موسى" يا ليتني فيها جذعاً. ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك.
    قال : أو مخرجي هم ؟
    قال : نعم ، لم يأت أحدٌ قومه بمثل ما جئت به إلا عُودىَ وأُوذى.
    وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً "
    وفيات مشاهر الأعلام الذهبي جـ 1 صـ 118"
    المهم عندي هو استدلال خديجة بأخلاقه - صلى الله عليه وسلم - على نبوته. وقد صدَّق ورقة نبوءتها بمعلومات عامة لأن كبر السن ، والمفاجأة ، ورهبة الشعور بأنه يجلس أمام نبي ، حالت بينه وبين مراجعة ما قرأ ليستدل على نبوة محمد - كما فعل الحبر والراهب بحيرى - من قبل.
    ومعلوم أن التوراة والإنجيل مصدران وافيان بالدلائل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
    وبعد :
    فالدور العظيم الذي أدّته أمّ المؤمنين السيدة خديجة - رضي الله عنها - يفسّر سرَّ اختيار الله لها زوجةً للنبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنها تكبره بخمسة عشر عاما.
    أولاً : استدلت بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوتّه.
    وهذا سَبْقٌ عقلي كبير.
    ثانيا : جعلت مالها تحت تصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - في خدمة دعوته. حتى يمكن أن أقول : لا يستطيع مُؤرّخ مُنصف أن يكتب تاريخ الدعوة الإسلامية ، وأسباب نجاحها ، بمعزل عن مال السيدة خديجة ، ومال عثمان بن عفان - رضي الله عنهما -

    (1/23)

    وللمال دور كبير في نجاح الدعوات.
    ثالثا : ما قامت به السيدة خديجة من عرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - على ورقة بن نوفل وأعتبر هذا العرض سبقا حضاريا كبيرا.
    لأنّ البيئة التي عاشت فيها خديجة كانت لا تعرف ولا تعترف بالملّة النصرانّية ، ولا بنبيها السيد المسيح - عليه السلام -.
    يدلنا على ذلك قولهم عن النصرانية "الملة الآخرة" كما حكى القرآن عنهم {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} (7 سورة ص)
    {الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ}
    لا يعرفون عنها شيئاً ، حتى اسمها ، أو هكذا يدّعون.
    وكانوا يُفضّلون حجارتهم على السيد المسيح.
    {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} ؟
    هذا رأي قريش في المسيحيّة ونبيّها.
    فخديجة - رضي الله عنها - تعدت الحواجز ،
    وحاولت الانتفاع برأي ورقة بن نوفل ، لما عنده من علم.
    فمجرد العرض سبق حضاري.
    رابعا : حكى فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في حوار له مع الأستاذ أحمد زين حـ 5 صـ 66. حكى أن السيدة خديجة امتحنت الملك الذي ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوحي.
    سألت النبي : هل تراه عندما ينزل عليك ؟
    قال لها : نعم.

    (1/24)

    قالت أعلمني عندما تراه.
    فلما نزل عليه الوحي أعلمها - صلى الله عليه وسلم - فضمت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حجرها. وسألته : هل تراه ؟. قال نعم.
    فكشفت السيدة خديجة عن خمارها ، فغاب الوحي. فأيقنت أنه ملك.
    يقول الشيخ الشعراوي : إن الشيطان وقح لا يختفي من هذه المناظر.
    ولو كل النساء كمثل هذي . . . لفُضِّلت النساء على الرجالِ
    فما التأنيثُ في اسم الشمسِ عيبا . . . ولا التذكير فخراً للهلالِ
    وإذا كانت خديجة هي أول من استدل بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوته. فلنعش مع هرقل - عظيم الروم ، ومنهجه في الاستدلال.
    * * *

    (1/25)

    هرقل - عظيم الروم -
    استدل بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوته.
    جاء في صحيح البخاري كتاب بدء الوحي ، الحوار الكامل الذي دار بين أبي سفيان وهرقل.
    وقد بين هذا الحوار أن هرقل استدل بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدق نبوته.
    وهذا نصُّ البخاري - رحمه الله - :
    حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ
    أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ".
    قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ".
    ولم يكتف هرقل بهذه الكلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن استدل بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على

    (1/26)

    صدق دعوته... ولكنه اختبر قومه ليقيس رد الفعل لو أعلن إيمانه بالنبي الجديد. فقال : يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ".
    وقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - رسالة إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام وجاء في كتاب "منشئات السلاطين" هذا الردّ. بالجزء الأول لفريدون بك استنبول.
    * رد قيصر الروم على النبي - صلى الله عليه وسلم -
    أرسل النبي إليه رسالة طلب منه أن يدخل الإسلام ، فإذا لم يفعل ، فلا يحل بين الفلاحين وبين الإسلام ، أن يدخلوا فيه ، وأن يعطوا الجزية إن أبوا.
    فرد امبراطور الروم على النبي - صلى الله عليه وسلم -
    إلى أحمد رسول الله الذي بشّر به عيسى. إنّي جاءني كتابك مع رسولك ، وإنّي أشهد أنك رسول الله. نجدك عندنا في الإنجيل ، بشّرنا بك عيسى بن مريم.
    وإنّي دعوت الروم إلى أن يؤمنوا بك فأبوا. ولو أطاعوني لكان خيراً لهم. ولوددت أني عندك فأخدمك ، وأغسل عن قدميك.
    والله أعلم بما مات عليه هرقل.
    وهكذا عرفنا أن أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - هي أول دليل على نبوته. كما أوجزنا منهج أن المؤمنين خديجة - رضي الله عنها - ومنهج هرقل عظيم الروم.
    وما زال العقل السليم في كل عصر يستدل بخُلق النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدق نبوته. كاستدلاله بنبوته على عظم أخلاقه.

    (1/27)

    وكل عاقل يسأل : لحساب من كان يعمل محمد - صلى الله عليه وسلم ؟!!
    هذا الرجل العظيم ، الذي جاء الحياة فأعطى كثيراً ولم يأخذ.
    جعل غُرْمَ الإسلام عليه ، وعلى آل بيته ، فلما شرع الله الصدقة ، ثم فرض الزكاة. حرَّمها على نفسه ، وعلى آل بيته.
    وقال : نحن آل محمد لا نأكل الصدقة.
    لقد أخذ تمرة من يد الحسين وهو طفل ، وألقاها على التمر ، لأنها من تمر الصدقة. لحساب من كل يعمل - صلى الله عليه وسلم - ؟!!
    إن الدارس لسيرته يرى أن أقرب الناس إليه ، وأعرفهم به ،
    هم أكثر الناس يقينا بدعوته ، أكثرهم تضحية في سبيلها ، بالنفس والنفيس.
    فلحساب من كل يعمل هذا النبي الكريم ؟!!
    * * *
    * رفض التصديق ، وليس تكذيب الصادق.
    إذ كانت السيدة خديجة - رضي الله عنها - قد احتجت بأخلاقه - صلى الله عليه وسلم - على صدق نبوتّه.
    فإن الذين كفروا به لم يطعنوا في أخلاقه ، ولم يشكّوا فيها.
    فعندما حاول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أن يستثمر ثقتهم في ماضيه الأخلاقي ، ويستثمرها في إقناعها برسالته. سألهم :
    "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقوني ؟"
    قالوا : نعم. أنت عندنا غير متّهم. وهذه شهادة جماعية بأخلاقه - صلى الله عليه وسلم -.
    فعندما أراد أن ينتقل منها إلى انتزاع شهادة بنبوته ، صدمهم في مألوفهم وموروثهم. "فلم يكن ما بالقوم أنهم لا يصدقون محمداً ، ولا أنهم ينكرون فيه الشرف.

    (1/28)

    والأمانة ، وإنما كان بهم أنهم ينفرون من التصديق ، كما ينفر المرء من خبر صادق يسوء الإنسان فيما يحب - أي من فقد مال مثلاً ، أو فيمن يُحبّ كمصيبة في الأهل ، وهو مفتوح العينين ، ناظراً إلى صدق ما يلقى إليه من خبر" (عبقرية محمد صـ 33 للعقاد) فهم يرفضون التصديق ، ولا يكذبون الصادق.
    وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا. {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (33 الأنعام) فالاستدلال بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوته لا ينقص من قدره موقف أعدائه منه ، مع ثقتهم في كمال أخلاقه.
    * * *

    (1/29)

    معجزتان للنبي - صلى الله عليه وسلم -
    بدأت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مرحلة جديدة من المعجزات ، وختمت به. لأنه لا نبي بعده. أعنى هنا جانب المعجزات العقلية.
    فمعلوم أن المجزات الماديَّة "كأعواد الكبريت" تشتعل مرة واحدة فقط.
    فلا ينتفع بها إلا من شاهدها.
    وكثير هؤلاء الذين شاهدوا المعجزات المادية ولم يؤمنوا بها.
    {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا} (59 سورة الإسراء) أما معجزة القرآن فمعجزة عقلية. تخاطب العقل كلما وجد.
    دامت لدينا ففاقت كل معجزة . . . من النبيين إذ جاءت ولم تدم
    وعندما طلب المشركون من النبي - صلى الله عليه وسلم -
    معجزة تدل على نبوته ، قال تعالى : {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} (51 سورة العنكوت) وجانب الإعجاز في القرآن أفردت له جزءاً كبيراً في كتابى "سورة الواقعة ومنهجها في العقائد" وجزءا من كتابى "حتى لا تخطئ فهم القرآن الجزء الثالث"
    وحسبك هذا الإيجاز هنا.
    - القرآن إذا تكلّم عن الماضي ، صدّقه التاريخ.
    - وإذا تحدّث عن الحاضر - يوم نزول الوحي - صدّقته نتائج الأحداث.
    - وإذا تحدّث عن المستقبل ، صدّقته الليالي والأيام.
    - وإذا تحدّث عن الكون ، صدّقه العلم الحديث.
    - وإذا تحدّث عما وراء الكون صدقته الكتب السماوية السابقة
    "النبأ العظيم للدكتور/ محمد عبد الله دراز"

    (1/30)

    فالقرآن هو معجزة النبي الأولى - صلى الله عليه وسلم -.
    احتوى على الإعجاز اللغوي.
    والإعجاز التشريعي.
    والإعجاز العلمي. من غير مبالغة في إخضاع النصّ الكريم ، للنظريات العلمية.
    إن معجزة القرآن العلمية أوجزتها في سطر واحد ، في قولي :
    "إن العلم الحديث قد استطاع أن يُخطّئ كلّ تفسير قاله العلماء في العهود السابقة. سواء كان هذا التفسير عن الكون أو عن الإنسان.
    ومعجزة القرآن العلمية هي ثبوت تفسيره للكون والإنسان ثبوتاً جعل العلم الحديث يقف أمام القرآن وقوف التلميذ الصغير أما الفيلسوف العملاق."
    هذه لمحة عن المعجزة الأولى للنبي - صلى الله عليه وسلم -
    فماذا عن المعجزة الثانية ؟
    * المعجزة الثانية
    معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - هي تربية الأمة.
    كيف استطاع رجل واحد أن يربِّي أمَّة كاملة ؟
    أمّة ألِفَت الجاهلية بتقادم العهد.
    فمنذ دعوة الخليل إبراهيم وولده إسماعيل لم يرسل الله نبياً بعدهما لهذه الأمة. فالعهد بالنبوات بعيد. فموسى - عليه السلام - قال لقومه {لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} (5 سورة الصف)
    وعيسى عليه السلام - قال بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} (6 سورة الصف)
    بقيت هذه الأمة ، وقد طال انتظارها لنبي ، ومضت قرون طوال ،
    حتى ألفوا الباطل.

    (1/31)

    بتقادم العهد {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} (3 سورة السجدة)
    {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} (6 سورة يس)
    جاء النبي - صلى الله عليه وسلم -
    جاء النبي ليحوِّلَ هذه الأمة من {قَوْمًا لُدًّا} أي ألدّاء في الخصوم.
    إلى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (110 سورة آل عمران)
    إن تحقيق هذا المطلب الكبير يحتاج جهداً شاقاً ، وبصيرة نافذة ، ومنهجاً فائقاً.
    بعد مدد الله - سبحانه - فكيف يقوى رجل واحد على عبء تغيير أمة ؟
    الله المستعان {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} (5 سورة المزمل)
    والمسألة : مدد من الله. وقوّة بصيرة للأمور.
    وقوة تركيز على ما يدعو إليه.
    فهو يعيش لما يدعو إليه ، يمتلك كلّ فرصة ليوجّهها لخدمة دعوته.
    أرأيت إلى الشاة الميّتة ، يراها ملقاة على القمامة ،
    فيحاول أن يتّخذ من هذه "الصورة" مجالاً لتربية أمته ، ووعظها.
    أترون هذه هيّنة على أصحابها ؟
    قالوا : من هوانها عليهم ألقوا بها على القمامة.
    قال : إن الدنيا أهون عند الله من هذه الشاة على أهلها "مسلم الزهد" أ. هـ ..
    فلا تغرنّكم إن أقبلت عليكم ، ولا تيأسوا إن أدبرت.
    ولا تظنوها مقياس رِضَى الله وسخطه ، فهي هيِّنة عليه.
    وعندما توشك الشمس أن تغيب.

    (1/32)

    يقول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه :
    "أَلَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ". (الترمذي برقم 2117)
    قوة تركيز على المقاصد التي يدعو إليها. فهو يعيش في دعوته. ويعيش لها. حتى أوراق الشجر عندما تتساقط يجعل منه النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلاً لتساقط ذنوب المسلم إذا التزم بأمر الله - سبحانه - كلّ شيء مألوف يحاول أن يجعل منه وسيلة للتربية ، للتتكرر الموعظة كلما شاهدنا المألوفات.
    الحُبّ سلاحه
    تضاءل مفهوم الحُبّ قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى كاد ينحصر في الغراميات وشعر الغزل.
    وجاء النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    جاء ليحوِّل مفهوم الحُبّ إلى فنّ من فنون القيادة.
    أعجبني قول أبو الحسن الندوي :
    "أحبّ النبيُّ القومَ بكل قلبه ، فأعطوه بكل قواهم"
    فكيف استطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل من الحُبّ فنّ قيادة ؟!!
    نعيش مع بعض النماذج لدولة الحُبّ.
    * الحبّ في العقائد
    - العبادة اختيارية. فأنت تأتي لله على حبّ.
    - وإبراهيم الخليل قال {لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} وكنّا نتوقع : لا أعبد الآفلين.
    - والذين يريد الله أن يسلبهم نعمة الرضا يسلبهم نعمة الحبّ.
    {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (190 سورة البقرة)
    - فسلب الحُبّ منهم عقوبة كبيرة.

    (1/33)

    * حب النبي - صلى الله عليه وسلم -
    ولقد تجد هذا الحُبّ في قول سعد بن معاذ - زعيم الأنصار - للنبي يوم بدر :
    "لَعَلّكَ تَخْشَى أَنْ تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى حَقّا عَلَيْهَا أَنْ لَا يَنْصُرُوك إلّا فِي دِيَارِهَا ، وَإِنّي أَقُولُ عَنْ الْأَنْصَارِ ، وَأُجِيبُ عَنْهُمْ فَاظْعَنْ حَيْثُ شِئْت ، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ وَاقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ وَأَعْطِنَا مَا شِئْتَ وَمَا أَخَذْتَ مِنّا كَانَ أَحَبّ إلَيْنَا مِمّا تَرَكْتَ وَمَا أَمَرْتَ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ فَأَمْرُنَا تَبَعٌ لِأَمْرِكَ فَوَاَللّهِ لَئِنْ سِرْتَ حَتّى تَبْلُغَ الْبَرْكَ مِنْ غِمْدَانَ ، لَنَسِيرَنّ مَعَكَ وَوَاللّهِ لَئِنْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ خُضْنَاهُ مَعَكَ . وَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ : لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلَا إنّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ . فَأَشْرَقَ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسُرّ بِمَا سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ سِيرُوا وَأَبْشِرُوا ، فَإِنّ اللّهَ قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ وَإِنّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ" (زاد المعاد حـ 3 صـ 30)
    * * *
    * الثلاثة الذين خُلِّفوا. نموذج لحبّ النبي - صلى الله عليه وسلم -
    أجل ... خُلِّفوا ... ولكنهم صدقوا ، فلم يحاولوا إرضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بأعذار مكذوبة كما فعل المنافقون.
    كانت غزوة تبوك ، وتخلف الثلاثة عنها بلا عذر.
    كعب بن مالك ، ومرارة بن ربيعة ، وهلال بن أمية ،
    ونزل في شأنهم قرآن يُقرأ إلى يوم القيامة.
    وجاء في البخاري ومسلم حديث طويل في شأن كعب بن مالك. وإخوانه (1).
    وقد حبس النبي - صلى الله عليه وسلم - كلّ المجتمع عنهم. ولم يحبسهم !! "إنّه السجن في دولة الحُبّ"
    حتى نسائهم حبُسْن عنهم. فلم يكلموهم ، ولم يخالطوهم ، ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
    وضاقت عليهم أنفسهم.
    يقول كعب بن مالك : "كنت ألقي السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أنظر إلى شفتيه ، هل يجيب علىّ أم لا"
    لقد أصبحت المدينة مقبرة يتحرك أهلها فقط. وفي وسط هذا الكرب ، حدث الآتي :
    __________
    (1) هذا نصُّ البخاري :
    4066 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ
    حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ قَالَ كَعْبٌ لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرٌ وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ يُرِيدُ الدِّيوَانَ قَالَ كَعْبٌ فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَأَقُولُ فِي نَفْسِي أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ مَا فَعَلَ كَعْبٌ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِئْسَ مَا قُلْتَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادِمًا وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَ فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي مَا خَلَّفَكَ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ فَقُلْتُ بَلَى إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي فَقَالُوا لِي وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ قَالُوا نَعَمْ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ فَقُلْتُ مَنْ هُمَا قَالُوا مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنْ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينِي فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ فَقُلْتُ أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ قَالَ لَا بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ قَالَ كَعْبٌ فَجَاءَتْ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ قَالَ لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ قَالَتْ إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي لَوْ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَلَامِنَا فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ قَالَ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ يَقُولُونَ لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ قَالَ كَعْبٌ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ قَالَ كَعْبٌ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ قَالَ قُلْتُ أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى قَوْلِهِ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }
    فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
    { سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ }
    قَالَ كَعْبٌ وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ
    { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا }
    وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ".

    (1/34)

    يقول كعب : "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَنِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ وَكُنْتُ كَاتِبًا فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ قَالَ فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا وَهَذِهِ أَيْضَا مِنْ الْبَلَاءِ فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا بِهَا ... " الحديث متفق عليه.
    هكذا انتصرت تربية النبي - صلى الله عليه وسلم -
    انتصرت على إغراء ملوك الأرض ، لأنها ربطت النفوس بملك السماء.
    وما عنده من عطاء. بل ملأت النفوس بحب الله ورسوله.
    وهل يمكن لمسلم ربَّاه النبي - صلى الله عليه وسلم -
    أن ييأس من رحمة الله ، قيرتد على أدباره خاسراً ؟
    سبق أن قلتُ : كلما تأخر الفرج فأبشر ، فهو طول لعمرك.
    فلن تموت حتى تستوفي أجلها ورزقها ، فأجملوا في الطلب
    "من حديث مسلم".
    ونزلت آيات سمُيت السورة باسمها (سورة التوبة) {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (118 سورة التوبة)
    وهكذا انتصر منطق الحب على إغراء ملوك الكفر.
    * فداء وعطاء
    "أحبّ القوم بكلّ قلبه ، فأعطوه بكل قواهم"
    فجاءت لأولّ مرّة قيادة الحبّ.
    وإذا كان أقرب الناس من القائد هم أعلى الناس به ،

    (1/35)

    وبحقيقة ما يدعو إليه.
    فأقرب الناس من النبي - صلى الله عليه وسلم - هم الذين ساهموا بأموالهم وأنفسهم من أجل دعوته تحمّلوا غُرم الدعوة ، في المال والأهل ، آملين في الجنة ، والجنة فقط.
    - أبو بكر : سأله النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا أبقيت لأهلك ؟
    قال أبقيت لهم الله ورسوله ... تبرع بكل ماله.
    وعندما تبرع رجل من المسلمين ببيضة من الذهب ، وعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّها كلّ ما يملك ردّها النبي عليه. ولم يقلها منه. ولكن قبل من أبي بكر كلّ ماله.
    - وعثمان بن عفان - صهر النبي - صلى الله عليه وسلم - ملأ حجر النبي ذهباً. فقلّبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يقول : ما ضرّ عثمان ما فعله بعد اليوم "مرتين" "الترمذي مناقب"
    - ومن قبلهما قدّمت خديجة كلّ ما تملك لخدمة هذا الدين ، وعاشت في شعاب مكة. مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين.
    - عمر - صهر النبي - تبرع بنصف ماله ، وقال لله عندي نصفه "الشيخ الشعراوي"
    - وأول ربا وضعه النبي - صلى الله عليه وسلم - هو ربا عمه العباس - رضي الله عنه - ، وفي وضع دماء الجاهلية - أول دم وضعه هو دم ربيعة بن الحارث ، هذا في مجال المال.
    أما في مجال النفس ، فأهل النبي - صلى الله عليه وسلم - هم أوَّل من تقدموا لأعمال الفداء.
    - علي بن أبي طالب نام ليلة الهجرة في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والخطر محقق.
    - وفي غزوة بدر. وقبل أن يلتقي الجمعان ، تقدّم الأسود بن عبد الأسد المخزومي - الذي عرُف بشراسة الطبع وسوء الخلق ،
    وقال : أعاهد الله لأشربن من حوضهم ، أو لأهدمنَّه ، أو أموتن دونه.

    (1/36)

    فتصدى له حمزة بن عبد المطلب - عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتمكن من قتله في الحوض نفسه.
    - عمُّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أول من حمل السيف يوم بدر.
    وعندما خرج ثلاثة من زعماء الشرك - عتبة بن ربيعة ، وأخوة شيبة بن ربيعة ، وابنه الوليد بن عتبة ، وطلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُخرج لهم أكفاءهم من قومهم ليبارزوهم استجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - للتحدّى ، وأمر ثلاثة من أهله - عبيدة بن الحارث ، وحمزة بن عبد المطلب - وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
    فقتل حمزة شيبة.
    وقتل علي الوليد.
    أما عبيدة فقد جرح غريمه ، وأصابه غريمه بجرح مميت : فانقض عليه حمزة وعليٌّ وأجهزا عليه ، وحملا عبيدة بن الحارث إلى معسكر المسلمين ، حيث توفي هناك.
    فأقرب الناس للنبي - صلى الله عليه وسلم - هم أكثر الناس تحملاًَ لأعباء الدعوة.
    * * *
    * سورة الأحزاب
    دراسة السورة الكريمة تؤكد أن الأمور الصعبة في الدعوة يتحمّلها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته.
    - أولاً : إلغاء التبني بدأ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أمر صعب. فقد أصبح الولد المتبني جزءاً من بيت من تبناه في كل المجتمع. فكيف يُخلع ؟
    ومن فضل الله على زيد بن حارثة. أنه لما فقد اسم "زيد بن محمد" عوّضه الله فجعل

    (1/37)

    اسمه هو اسم الصحابي الوحيد الذي ذكر في القرآن. {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} (37 سورة الأحزاب)
    - ثانياً : من الأمور الصعبة أن يحكم الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - بزواج السيدة زينب بنت جحش ، بعد طلاق زيد لها.
    إن الله يريد خلع الظاهرة من جذورها.
    إن هذا الزواج كانت تحرِّمُه الجاهلية ، فكيف يتزوج محمد زوجة متبناه ؟
    لقد خشى النبي - صلى الله عليه وسلم - من ألسنة الناس.
    وعاتبه الله على ذلك. اقرأ الآيات في سورة الأحزاب 37 وما بعدها (1).
    - ثالثاً : وبقى أمر جليل عالجته السورة الكريمة ، وعالجته قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش ... هذا الأمر هو رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوحِّد صفّ المجتمع طبقياً ، كما وحَّده عقائديا.
    يريد النبي أن يوجد المدينة الفاضلة ، سلوكاً واقعياً ، ولا يريد العقل الفاضل الذي يرفع الشعارات ، يريد مجتمعاً واقعياً!
    {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (13 سورة الحجرات)
    "الناس بنوا آدم ، وخلق الله آدم من تراب" الترمذي.
    "إذا أتاكم من ترضون خُلُقه ودينه فزوِّجوه ، إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض ، وفساد عريض" "الترمذي وابن ماجه في صحيح الألباني حـ 3 صـ 20"
    هذه المبادئ آمن بها الناس بعقولهم وقلوبهم ، فكيف تتحوّل إلى واقع عمليّ في بيوتهم ؟
    إن كثير منهم قَبِلَ هذه الشعارات نظرياً بصعوبة. كزعماء قريش - من أسلم منهم. فكيف يجعلون من هذه الشعارات قواعد اجتماعية تحكم زواج ابنته ؟
    __________
    (1) نص الآيات :
    {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)}.

    (1/38)

    ولو كان الزوج ممن نرضى خلقه ودينه الأمر صعبٌ عليهم ،
    وهم في مرحلة تحوّل.
    هنا يأتي دور النبي - صلى الله عليه وسلم - في علاج الأمور الصعبة.
    ويأتي دور آل بيته.
    زينب بنت جحش. بنت السيدة أميمة بنت عبد المطلب.
    فهي بنت عمّة النبي. شريفة نبويّة.
    يكلّفها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعملية فدائية صعبة
    عليها أن تتزوج بأمر النبي زيد بن حارثة.
    امتنعت في أوَّل الأمر ، فتدخل ربّ العالمين.
    {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (34 سورة الأحزاب)
    واستجابت زينب. وعلمت أنّها مسألة تشريعية ، أو عملية فدائية ، تهون فيها كلّ الرغبات في سبيل الإسلام.
    إن الجنديّ يقُدّم رقبته من أجل عقيدته.
    ولكن إنسان يمكن أن يُرغم فرسه على الذهاب للبئر.
    ولكنه لا يستطيع أن يرغمه على الشرب.
    وإذا كانت مسألة زينب قد انتهت بالطلاق - كما علمنا ، إلا أنّها أثمرت. نجحت مقاصد النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحطيم العنصرية.
    - فقد زوجّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد بن حارثة - من السيدة فاطمة بنت قيس الفهريّة ... وقد أبت في أوَّل الأمر ، ثم استجابت. ووجدت في أسامة خيراً كثيراً.
    - وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بني بياضة أن ينكحوا أبا هند ، واسمه يسار.
    فقال - صلى الله عليه وسلم - "من سرَّه أن ينظر إلى من صوّر الله الإيمان في قلبه فلينظر إلى أبي هند".
    وقال لبني بياضه "أنكحوا أبا هند ، وأنكحوا إليه".

    (1/39)

    - ومن ثمرتها زواج بلال بن رباح - رضي الله عنه - من هالة أخت عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - ، حبشي أعتقه أبو بكر ، بقريشية أخت رجل الأعمال - إن صحَّ التعبير.
    - وفي صحيح البخاري أن أبا حذيفة بن عتبة زوجَّ هند ابنة أخيه الوليد لسالم - وهو من موالي امرأة من الأنصار.
    - والحسين بن علي - رضي الله عنه - أعتق جارية وتزوجّها ، وعندما عتب عليه معاوية ابن أبي سفيان ، زواجه من أَمَةٍ كان يملكها.
    أرسل إليه الحسين : أمّا بعد : فقد بلغني كتابك ، وفيه تعييرك إيّاي ، بأنني تزوّجت مولاتي ، وتركت أكفائي من قريش ...
    إنما كنت أملكها بيميني ، خرجت من يدي بأمرٍ التمست فيه ثواب الله تعالى ، ثم أرجعتها على سّنة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة ، ووضع به النقيصة. فلا لوم على امرئ مسلم إلا في مأثم ، وإنما اللوم لوم الجاهلية.
    وهكذا أثمرت تجربة النبي - صلى الله عليه وسلم - في زواج زينب من زيد. والأشياء بآثارها.
    ثم انتشر الأمر بعد ذلك حتى أصبح في بيوت الأمراء.
    فهارون الرشيد أمّه من الموالي. وغيره كثيرون.
    وبعد :
    إن الدعوة إلى الله - سبحانه - والرغبة في التغيير عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لم نكتف بكلمات بليغة - من جوامع الكلم ، ولا بخطب حماسيّة ، ولا بفنون الشعر.
    لقد كانت تجارب عملية. وسلوكاً واقعياً ، دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - وآل بيته فيها الثمن الغالي.
    حتى نجح رجل واحد في علاج أمَّة كاملة ، وتحويلها من {قَوْمًا لُدًّا} (97 سورة مريم) أي ألِدَّاء في العناد ، إلى {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (110 سورة آل عمران)

    (1/40)

    - سر المعجزة عند مليك مقتدر
    قلت : إن تربية الرجال معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ويلزم من كونها معجزة أن سرّها عند الله وحده. هكذا كلّ معجزة لأيّ نبيّ.
    فالسيد المسيح كانت معجزاته في طبّ الجسد ، حتى إحياء الموتى - بإذن الله - بل صنع الله على يديه أحياء جددا. ومع ذلك فالسيد المسيح. لم يدَّعِ معرفة بسرِّ الحياة ، التي أجراها الله على يديه.
    والخليل إبراهيم ، وموسى - عليهما السلام - كذلك - لا يعرف واحد منهما سرّ الحياة التي أجراها الله على يديه {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} (85 سورة الإسراء)
    أمّا نبينا - صلى الله عليه وسلم - فمعجزته إحياء الأمم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (24 سورة الأنفال)
    {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} (122 سورة الأنعام)
    فالإيمان بالله ، وبالقيم حياة.
    ورحم الله أحمد شوقي :
    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له ... وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
    والجهل موت ، فإن أوتيت معجزة ... فابعث من الجهل أو فابعث من العدم
    ومنهج النبي - صلى الله عليه وسلم - في علاج الأحداث ، وفي الإجابة على الأسئلة ، وفي فنّ القيادة ، مسجّل كلّه في كتب السنة والسير والمغازي.
    والدعاة - في مجموعهم - يقومون بتبليغ ما أدّاه النبي وحده. أو يكادون. وهذه معجزة أخرى ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جمع التخصّصات العلمية التي تفرّغت أجيال لدراستها.

    (1/41)

    جمعها في قلبه ، وبلَّغها لأمتّه ، وربَّاهم عليها.
    استطاع أن يجمع في سنُتّه هذه العلوم ، جمع أستاذ معلّم ، بل مبدع أيضاً.
    فهو الأمي الذي علّم الدنيا "كفاك بالتعليم في الأميّ معجزة".
    فقد ناقشت الدكتور / لينو. أينو. ليناثوري. خبير الآفات الزراعية في الشرق الأوسط ، ناقشته حول قوله تعالى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (38 سورة الأنعام)
    وبعد ساعة من الحديث مع الآية الكريمة ، وقف الدكتور لينو. ليناثوري وضمّ يديه ، وحنى رأسه ، وقال : محمد يستمع إلى صوت السماء.
    فقال له الدكتور المترجم "شلال" جامعة بغداد : تعني أنَّ محمد رسول الله ؟
    قال : هذه المعلومات عرفتها وأنا أُعدُّ رسالة الدكتوراه.
    فمن عرّفها لرجل البادية محمد ؟!!
    واعتنقت ابنته "هيلين" الإسلام بعد عدّة جلسات مباركة.
    وكان إسلامها - والحمد لله - آخر عمل لي ببغداد 11/1981م - والتي شهدت إسلام خمسة من علماء أوربا وسيدتين في بيتي.
    إنّ سرّ المعجزة عند الله وحده . ونحن ورثته - صلى الله عليه وسلم - لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يضع يده على صدر بعض الناس فيعترف الرجل أنّه قد أصبح من أحبّ الناس له - كما حدث يوم فتح مكة ، عندما حاول فُضالة بن عمير أن تتاح له فرصة ليقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه في غمرة النصر ، لم يجد على الرجل . بل استدعاه ، وسأله : ماذا كنت تحدّث به

    (1/42)

    نفسك ؟ قال فضالة بن عمير : كنت أذكر الله. فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم وضع يده على صدر فضالة فانطلق الرجل وهو يقول : ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحبّ إليَّ منه.
    "سيرة ابن هشام" بسند فيه كلام.
    وتكررت هذه الحادثة.
    تكررت مع الشاب الذي حاول أن يبيح له النبي - صلى الله عليه وسلم - الزنا.
    فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - :
    "أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ ؟"قَالَ: لا ، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ ، أَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ ؟"قَالَ: لا ، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ ، أَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ ؟"قَالَ: لا ، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ ، أَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟"قَالَ: لا ، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ ؟ أَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟"قَالَ: لا ، قَالَ:"وَكَذَلِكَ النَّاسُ لا يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ" ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ ، وَقَالَ :"اللَّهُمَّ كَفِّرْ ذَنْبَهُ ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ". (الطبراني في الكبير. 7577).
    ثم يضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على صدر الشاب ويدعو له.
    يقول الشاب : والله لم يرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده عن صدري حتى أصبح الزنا أبغض شيء إلىّ ، فهذا الحديث فيه المنهج ، وسرّ المعجزة كلاهما.
    أمّا المنهج ففي محاولة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقنع الشاب بأنّ الإسلام يمنعه من الاعتداء على أعراض الناس.
    وفي نفس الوقت يمنع كلّ الناس أن يعتدوا على حرماته.
    فالإسلام يمنعك لحمايتك.
    وشرطي المرور يمنع الأمير من السير بسيارته ليحيمه ، لا ليتدخل في حريته.
    هذا هو الجانب الأول ، جانب الإقناع.
    أمّا الجانب الثاني فهو وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على صدر الشاب - الذي يحاوره - فيتحقق مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا أمر لا نستطيعه.
    وهو من تمام المعجزة. وقد انتهى عصر المعجزات.

    (1/43)

    أقول : إذا عجز أتباع السيد المسيح عن ميراث معجزته ، في إبراء الأكمة ، والأبرص ، وإحياء الموتى ، فهم لم ييأسوا من بذل كل جهد للقرب من هذه المعجزة. في مجال إحياء الأحياء. وكلنا في جهاد علمي لإحياء الأحياء بالطبّ وعلومه.
    ونحن الأمة الوارثة لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -
    ونبينا معجزته الثانية تربية الأمَّة - كما قلنا -
    فعلينا أن نلتزم بقوله - صلى الله عليه وسلم - "فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ" "البخاري. 38)
    والذي لا يستطيع واحد من الدعاة ، أو جماعة منهم ، أن تحقّقه ،
    فإنّ مجموع الأمَّة من الدعاة يمكنها أن تحققه.
    "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا" "البخاري ومسلم" وذلك إذا تعاونوا.
    وما دام المنهج قد وصلنا - والحمد لله - فالأمل في الله كبير.
    وبعد أكثر من ثلث قرن في الدعوة - على قدر الطاقة - أثمر بعضها ما يمكن أن أعيش على ذكراه ، وأن أحمد الله عليه.
    والدعوة إلى الله لا تضيع ، ما دامت مخلصة.
    المهم ... أنني أسجل الآن هذه السطور لألخص عوامل النجاح في تبليغ المنهج النبوي ، وخدمته ، وكلنا في خدمة النبي - صلى الله عليه وسلم -
    * * *

    (1/44)

    * القانون العام
    أولاً : قوة الإيمان بما ندعو إليه إيماناً يولّد الإصرار. وتهون أمامه الصعوبات.
    ثانياًَ : وحدة الهدف. وحدة موضوع المناقشة.
    فقد تعوّد الناس أن يجعلوا من مجالسهم وأحاديثهم ذات شجون -
    أحاديث من هنا وهناك -
    ثالثاً : وضوح الموضوع والهدف في نفس الداعي.
    رابعاً : قدرة الداعي على التركيز.
    هذه أمور أربعة تعمل عمل السحر.
    * إيمان الداعي بالرسالة
    لا يتحقق شيء في خارج الإنسان إلا إذا كان مسبوقاً بتصوّر ذهني واضح لهذا الشيء ويختلط التصوّر بالإيمان الكبير بهذا الشيء فهو التصوّر المؤمن ، بحتمية التنفيذ. وبمقدار إيمانك بالصورة ، بمقدار نجاحك المأمول.
    وذلك عندما تنتفي الموانع.
    وقد سبق أن تكلمت عن رصيد النبي - صلى الله عليه وسلم -
    الرصيد الإيماني الذي يحكم أعماله وآلامه وآماله ، منذ أن قال لعمه - في مكة - والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يتمّه الله لي ، أو أهلك دونه.
    فرصيد الإيمان موفور عند النبي - صلى الله عليه وسلم -. ونجاح كلّ داع مرهون بقدر إيمانه بدعوته.
    * وضوح المنهج
    وضوح المنهج في ذهن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتمل ليلة الإسراء والمعراج.
    فمجموع المشاهد التي رآها النبي ليلة الإسراء عرض الله فيها على النبي - صلى الله عليه وسلم - صورة

    (1/45)

    متكاملة للإسلام ، عقيدة وشريعة وأخلاقاً. عبادات واقتصاديات ،
    مما يحتاج لرسالة خاصة.
    ومنذ هذا اليوم والصورة واضحة في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنه مع علمه بما سينزل عليه في شأن الخمر - مثلاً - إلا إنه لم يسبق الوحي ، حتى يحتفظ للوحي بمنهج التدرجّ في التشريع.
    لقد قال القرآن الكلمة الأخيرة في الخمر في الآية التسعين من سورة المائدة (1) ، وهي آخر سورة نزلت من عند الله.
    ومع ذلك لم يسبق النبي الوحي بشيء من الترهيب في الخمر ، مع أن بعض الآيات مهدّت للتحريم.
    * قوة التركيز
    كثيراً ما يتكلم الناس. ولكن {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} ولا وزن له.
    وكثيرا ما نسمع الخطب العظيمة ، وأحاديث الوعظ ، ولا تحرك في القلب ساكنا. بل كثيراً أولئك الذين يتوجهّون بالدعاء إلى الله. ولا يستجاب لهم.
    وأنت تقرأ بعض "التعاويذ" فلا تشعر بشيء ، بينما قد يقرأها أمامك ساحر فيتحرك الحجر ، ولو من باب {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ} ما السبب ؟
    الكلمات هي الكلمات. والدعوات هي الدعوات.
    فلماذا تستجاب من أحدهم ، ولا تستجاب من الآخر ؟
    هنا قوّة الضرورة. فدعوة المظلوم مثلاً ترفعها الملائكة إلى الله.
    لأنّ المظلوم يشعر بضرورة الاعتصام بالله. فقد تخلُفت الأسباب عن نصرته.
    بقي الله - سبحانه - "دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ، ويفتح لها أبواب السماء
    __________
    (1) نصُّ الآية :
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)}.

    (1/46)

    ويقول : وعزّتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين". (الترمذي).
    وواضح أن وحدة الهدف عند الدعاء سببها الضرورة الملحّة لهذا الأمر.
    {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (62 سورة النمل)
    فقوة التركيز هي الجانب المؤثر في السحر ، والتنويم المغناطيسي ، والدعاء المقبول. والأمور الثلاثة "الشعور بالضرورة ، ووحدة الهدف ، وقوة التركيز لو اجتمعت في الحوار ، فمن رزُق هذه الثلاثة من الدعاة يمكن أن يضع يده على صدر من يخاطبه فينساق الهدى إلي قلبه."
    ويمكن لكلماته أن تصنع المستحيل.
    وبهذا استطاع رجل واحد أن يُربي أمَّة .
    لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا شحنة من الطاقة الروحية يغلب بها كل الرجال الذين يحاورهم.
    ومازالت عبادة الصلاة ، بالمنهج الذي طلبه القرآن. تُعلّم المسلم التركيز. وذلك عندما طلبت من المسلم أن يدرّب نفسه خمس مرات كلّ يوم على التفكير فيما يقرأ ، وفيما يسبِّح ، وفي معنى السجود ، وذلك إذا سجد بقلبه.
    "فليس لك من صلاتك إلاّ ما تعقل منها"
    فالداعي بحاجة إلى قوّة التركيز فيما يتحدّث فيه.
    حتى لا يتحدّث ساعة وهو لا يقول شيئاً.
    ورجل الأعمال يحتاج إلى قوّة التركيز لإدارة شئونه.
    والطالب أكثر الجميع حاجة للتركيز.
    وهو سرّ أن يقرأ أحد الطلاب المحاضرة مرّة واحدة فيحصل على الامتياز.

    (1/47)

    والصلاة هي النادي الذي يتم فيه التدريب على قوة التركيز.
    واليوُجا - التي يبشرون بها في بلادنا غزو ديني جديد ، لعقائد الهند وعبادات البوذية.
    وقد أغنانا الله عنها بمدرسة الصلاة ، وما فيها من تدريب على التركيز. خصوصاً صلاة الليل.
    وفي كتاب (كيف تعدين نفسك "اليوغا") إعداد هالة عمر ، تذكر معُدّة الكتاب أن هذه الرسالة تمثل جزءا من أهداف "اليوغا".
    ونقول : وهناك العديد من الآفاق التي تتراوح بين السيطرة على الجسد والتأملات الروحانية الشاهقة الارتفاع.
    ثم تقول : فالهثايوغا بدنية. وهذه هي التي نعالجها في هذا الكتاب بصورة خاصة. لكن فيما بعد ستعطيك "حكومات الكهنة العظيمة".
    ونحن لا نناقش التمارين الجسدية في أيّ مدرسة.
    ولكن الذي نخشاه هو الغزو والفكر.
    فقد أصبحنا في عالم الغزو الفكري بكل وسائله وفنونه.
    فلنعالج - كلَّ قضايانا بمنهج الإسلام ، الذي ورثناه عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -.
    * * *

    (1/48)

    سُلم أخلاق النبوة (المرحلة الأولى)
    - أيها اليتيم العظيم {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}
    - حوادث ذات دلالة. ولكنّ معارفنا عنها قليلة.
    - خديجة - أول من استدل بأخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - على نبوته.
    - وهرقل كذلك.
    - {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} شهادة لمرحلة ما قبل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} فكيف به بعد الوحي ؟
    - السُلّم يواصل الصعود.
    - تربية القرآن للنبي - صلى الله عليه وسلم - تربية لأمته.
    - {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}
    خذ العفو - دراسة اجتماعية ودينية واقتصادية.
    (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) - دراسة حول فنّ الدعوة إلى الله.
    ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    - أين نساء المؤمنين من الأمر بالمعروف ؟
    - {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} العّرْضُ والإعراض.
    - ومازال السلم يواصل الصعود.
    وإلى الجزء الثاني وهو كيف تمّم النبي مكارم الأخلاق - صلى الله عليه وسلم -
    - وأخيراً امتزاج بالدعوة. امتزاج الدسم بالحليب!!

    (1/49)

    * رحلة الأخلاق عند النبي - صلى الله عليه وسلم -
    بدأت هذه الرحلة المباركة من رعايته - سبحانه - للنبي اليتيم.
    ومعلوم أن اليتم قبل البلوغ. وإلى هذه المرحلة أشار القرآن الكريم ، بقوله تعالى : {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} (سورة الضحى)
    ومن آواه الله حفظ خُلقه ، ونشَّأة فيما يريد. وأعدّه لما يريد.
    {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (124 سورة الأنعام)
    وقد وردت بعض الأخبار في تفصيل عناية الله لأخلاق (اليتيم) وحفظه - سبحانه - لليتيم من الشرك ومن مفسدات الفطرة.
    فكان زهرة في الصحراء. عافًّا في بيئة لا تعرف العفاف.
    ولم يستطع أعداؤه أن ينطقوا بكلمة واحدة عن ماضيه كلمة من شأنها أن تصرف الناس عنه وعن دعوته ، ولو استطاعوا لفعلوا.
    فالصفحة الأولى من رحلته الأخلاقية أنه اليتيم الذي رعاه الله.
    ليُعدّه لأمر عظيم.
    وسوف نذكر بعض ما ثبتت صحته من أخبار طفولته - صلى الله عليه وسلم - وحصيلة الصحيح في هذه المرحلة - مع أهميتها - قليلة.
    * الله تولاه برعايته
    الخبر الذي اشتهر بين الكتّاب عن سعي النبي - صلى الله عليه وسلم - في صباه ليشارك قومه في حفل زواج ، وطلب من فتى من قريش يبُصر له غنمه ، حتى يُسمر هذه الليلة بمكة ، كما يسمر الفتيان ، فخرج حتى جاء أدنى دار من دور مكة ، فسمع غناء وصوت دفوف ومزامير ، فسأل : ما هذا ؟
    قالوا : فلان يتزوج.
    يقول : فلهوت بذلك ، حتى غلبتني عيني فنمت.
    فما أيقظني إلاّ مسّ الشمس ، فرجعت إلى صاحبي.

    (1/51)

    ثم فعلت ليلة أخرى مثل ذلك. ثم يقول : فوالله ما هممت بعدها بسوء مما يعمله أهل الجاهلية ، حتى أكرمني الله بنبوته.
    هذا الحديث ذكره الحافظ الذهبي في سيره الجزء الأول صـ 79 إلا أن ابن كثير قال منه في سيرته "هذا حديث غريب جداً" ومعلوم أن ابن كثير من علماء الحديث.
    - وروي ابن سعد "في الطبقات الكبرى" جـ 1 صـ 158- أن أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - أعمامه وعماته - أكدوا عليه ضرورة أن يحضر عيداً لقريش ، فما زالوا به حتى ذهب ،
    "وكان أبو طالب يحضره مع قومه ، وكان يكلم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ذلك ، حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب ، وجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا ، وجعلن يقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيداً ولا تكثر لهم جمعاً ، قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ، ثم رجع إلينا مرعوباً فزعاً ، فقالت له عماته: ما دهاك ؟ قال: إني أخشى أن يكون بي لمم ، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك ، فما الذي رأيت ؟ قال: إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي وراءك يا محمد لا تمسه! قالت: فما عاد إلى عيدٍ لهم حتى تنبأ."
    * حديث شق صدره.
    وفي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
    أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لَأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرْئِي أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ".
    وواضح أن هذه المرةّ في طفولته. (رواه مسلم. 236)
    والله أعلم بسرِّ ما أخرج جبريل من قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو رمز لتطهير قلبه من حظ الشيطان. ولا ينكر أحد أن للغدد دخل في تصرفاتنا وأخلاقنا.

    (1/52)

    وقد شاهدت بعيني ما ذكرته بالتفصيل في كتابي "سورة الواقعة ومنهجها في العقائد" من اجتماع جماعة من الشباب الصوفي ، وأقاموا حلقة للذكر ، ثم قام واحد منهم فخلع قميصه ، ثم أدخل سيفاً في بطنه وأخرجه من ظهره. فقام جاره في المجلس ، وأدخل يد المكنسة الغليظة في بطنه ، وأخرجها من ظهره, فلما أخرجها لم تنزل منه نقطة دم واحدة. بينما أوقدوا ناراً على قرص من حديد عدَّة ساعات ، ثم قام أحدهم وحمله بيده ، ووضعه في فمه ، ومرّ علينا. فوالله ما كاد أحدنا يطيق حرَّ القرص من بعيد.
    لا أستدلّ بهذا العمل على تقوى من فعل هذا ، فالتقوى لها موازينها الشرعية. ولكنّني أقرب للأذهان عملية شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإعادته ، مادام الخبر قد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
    فلا يسعنا أن نحكِّمَ عقولنا ، وقد تكرر الشَّقُّ في أحداث الإسراء. فمرة في الطفولة ، ومرة في مقدمة الإسراء.
    - الاستسقاء باليتيم
    ومن رعايته - سبحانه - لطفولة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحفظه له - صلى الله عليه وسلم - ما جاء في وفيات المشاهير والأعلام للذهبي حـ 1 صـ 53
    أن قحطاً أصاب الوادي ، وقصد الناس أبا طالب يطلبون منه الدعاء ، ويستسقون به فأخرج أبو طالب "اليتيم الأعظم" أخرج معه غلاماً فألصقه بالكعبة. فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا ، وأغدق وأغدودق ، وانفجر له الوادي ، وأخصب النادي والبادي.
    فأنشد أبو طالب ابيانا مطلعها :
    وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل

    (1/53)

    * الراهب بحيرا
    وقصة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الراهب بحيرا والذي عرف النبي - صلى الله عليه وسلم - بما قرأه عنه وخاف عليه يهود الشام أن يقتلوه. وطلب من عَمِّه أن يرجع به.
    والقصة ثابتة في كتب السيرة
    وقد بالغ بعضهم في هذا الحادث ، وادعّى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حفظ القرآن والعلم من هذا اللقاء. وهو تفسير مضحك ، لأمر جليل. والجنون فنون.
    فلقاء صبيٍّ مع راهبٍ كهلٍ لمدة لا تكفي إلا لتناول الطعام ، وفي صحبته عم الصبي وعدد كبير من قومه.
    تكفي لتلقين الصبي ما يجعله نبياً رسولاً. {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} ويجعل كتابه فرقاناً بين عهدين للدنيا ، ونهضة للشعوب!!
    قال لي أحدهم :
    القصة موضوعة (خرافة)
    قلت له : هذه القصة إنْ آمنت بها آمنت بأن محمداً نبيٌّ. لأن الراهب عرفه مما قرأ عنه في كتب النبيين.
    وإن أنكرتها كانت نتيجة الإنكار أن محمداً نبيٌّ.
    للزوم أنه تلقى القرآن من عند الله ولم يتعلم من بشرٍ.
    وللمستشرقين في محاولة تفسير النبوة كلام طويل.
    فهم يقبلون أي تفسير ، إلا أن يكون هذا القرآن من عند الله.
    وإن شاء الله - سوف أذكر أخبار علماء أوربا الذين جمعني بهم "جامع البُنِّيَّة ببغداد"

    (1/54)

    وانتهى الحوار معهم بإسلامهم. وهم خمسة من العلماء وسيدتان.
    هذا وقصة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع بحيرا في السيرة النبوية "وفيات المشاهير والأعلام للذهبي حـ 1 صـ 6. وفي سيرة ابن إسحاق "السير والمغازي". "وكتاب دلائل النبوة حـ 1 صـ 373". "وسيرة ابن كثير حـ 1 صـ 243". وغير هذا من المصادر لمن أراد أن يدرس. ولو أردنا بسط الحديث فيها لألزمنا هذا الأمر لحث وتتبع كتب أهل المسلمين.
    وحسبنا علمياً مخطوطات المهندس الأديب زهدي جمال الدين والذي جنَّد حياته لخدمة هذه القضية. أسال الله أن تنشر هذه السلسلة.
    * * *
    * رعي الغنم مدرسة للقيادة
    رعاية الغنم مقدّمة أعدّها القَدَرُ لتدريب النبي - صلى الله عليه وسلم - على رعاية الأمم.
    "ذلك لأن الغنم يكون فيها السخلة المستضعفة ، والشاة الضالة ، والكبش المستأسد ، والماعز الساذجة ، والتيس المصارع.
    هذه جائعة بحاجة إلى أن تأكل. وهذه ظامئة بحاجة أن تشرب ، وتلك والدة بحاجة إلى الرعاية ، وأخرى جامحة بحاجة إلى أن تكبح وتقاد بسياية ولين.
    أو بعنف وصرامة".
    فليست رعاية الغنم كما نرى اليوم أنعام تقطع طريق السريع ، وتسبب حوادث السيارات ، وراع يجلس في الظل يعزف الناي.
    إن تدريب النبي - صلى الله عليه وسلم - أعواماً طوالاً على رعاية الغنم يعده لصبر طويل على رعاية الأمم الشاردة.
    فقد شبّه القرآن المجتمعات الضالة بالأنعام {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (179 سورة الأعراف)

    (1/55)

    وقد أثّرت هذه السنوات في فنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيادة الشعوب.
    بل وأثّرت حتى على أسلوبه - أحياناً -
    "فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ" أبو داود والنسائي
    قالها - صلى الله عليه وسلم - وهو يُرغِّب في الجماعة ،
    وينفّر من الانسلاخ عنها.
    وقصة الأعرابي الذي أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال له : هل أحسنت إليك ؟
    قال الأعرابي : لا. ولا أجملت.
    فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ، فأشار - صلى الله عليه وسلم - إليهم أن كفوا عنه.
    ثم قام ودخل منزله ، وأرسل إلى الأعرابي ، وزاده شيئاً ، ثم قال له : أحسنت إليك ؟
    قال نعم. فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ،
    وقال ذلك أمام الصحابة. فقال - صلى الله عليه وسلم -
    "إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه ، فأتبعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نفوراً"
    فناداهم صاحب الناقة : خلّوا بيني وبين ناقتي ، فإنّي أرفق بها وأعلم.
    فتوجه لها بين يديها ، فأخذ لها من قُمام الأرض - أي حشائشها - فردّها هونا هونا ، حتى جاءت ، واستناخت ، وشدّ عليها رحله. واستوى عليها. "الإحياء حـ 2 صـ 336"
    فواضح في هذه القصة بقايا عمله في فنّ رعاية الغنم.
    والحديث قبلها كذلك.
    وجاء الأمر صريحاً في قوله - صلى الله عليه وسلم -
    "وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ" البخاري ومسلم.
    * * *

    (1/56)

    * من يضع الحجر ؟
    القصة يعرفها كل من يعرف شباب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكمته.
    كان محمد - صلى الله عليه وسلم - في الخامسة والثلاثين ، وأعاد العرب بناء الكعبة. ووصلوا إلى موضع الحجر ، فاختلفوا. واختصموا ، كل قبيلة تريد شرف وضع الحجر ، حتى قال أسنهم - حفظا لهم من الحرب - اجعلوا أمره لأول من يدخل عليكم من باب المسجد.
    فكان محمد - صلى الله عليه وسلم - . فهتفوا : هذا هو الأمين - صلى الله عليه وسلم - رضينا به حكما.
    فلمّا رأينا الأمر قد جدّ جدّه ... ولم يبق شيء سوى سلّ المهنّد
    رضينا وقلنا العدل أوَّل طال ... يجيء من البطحاء من غير موعد
    ففاجأنا هذا الأمين محمد ... فقلنا رضينا بالأمين محمد
    كان محمد يستطيع أن يحكم بينهم بأي حكم. ولكن عبقريته جعلته يخلع ثوبه ، ويختار من كل جماعة رجلاً يشارك في حمل الثوب ،
    حتى إذا ما وصل الحجر مكانه ، رفع محمد الحجر ،
    ووضعه بيده الشريفة في مكانه.
    إنها خبرته الواسعة بالنفوس ، وإنه قضاؤه العبقري ، الذي تجلت فيه الألمعية.
    يقول الدكتور / أحمد الشرباصي وهو يروي قصة الحجر بأسلوب فائق الجمال يقول : جمع المشارب المتضاربة المختلفة. واستطاع أن يحسم الموقف الحرج السريع ببراعة وألمعية ، كما استطاع ألاّ يحرم فرداً من المتنازعين من الاشتراك في هذا الشرف المرموق ، وأراد في الوقت نفسه أن يعطيهم رمزاً بأنّه الهادي المنتظر ، وأنه المعلم الذي يتهيأ الآن بعناية ربِّه لحمل الأمانة الكبرى ، والهداية العظمى ، إلى سائر الناس.
    أرضاهم محمد حين أفحمهم جميعاً بهذا الحل الرائع العجيب ، الدال على الذكاء والعبقرية وسرعة الخاطر اللمَّاح. (يسألونك حـ 3 صـ 293)
    ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم أن الله يعده للأمر الكبير. ولكنها دلالة الحال لا المقال.

    (1/57)

    سلم أخلاق النبي (المرحلة الثانية)
    - وجاء الوحي.
    - الوحي يتسامى بالنبي من كمال إلى أكمل.
    - تربية النبي - صلى الله عليه وسلم - تربية لأمته.
    - نماذج فقط من آيات القرآن.
    - خذ العفو. فماذا بقى للورثة بعد إنفاق العفو ؟
    - خذ العفو. دراسة اقتصادية للمجتمع المسلم.
    - المنيحة - وجلب البضائع - والقرض الحسن.
    - {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} دراسة في العُرف ، والمعروف ، وفلسفة الألفاظ المطلقة.
    - {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} نظرية العرض والإعراض

    (1/58)

    السُلّم يبدأ من كمال إلى أكمل
    البيان والكمال لا نهاية لهما.
    ومن طريف المناقشات ، تقدّم طالب من كلية أصول الدين جامعة الأزهر ، إلى الامتحان النهائي. "امتحان مشافهة" فسأله الأستاذ سؤال ذكاء :
    هل يستطيع الله - سبحانه - أن ينُزّل قرآنا أعظم من هذا القرآن ؟
    قال الطالب : محمد سامي سالم : نعم يستطيع.
    فقال الأستاذ : هل تعني أن القرآن مفضول ؟
    فقال الطالب : وهل تعني أن الله عاجز ؟
    ثم قال : إن البيان والكمال لا نهاية لهما.
    فاكتفى الأستاذ بهذا السؤال.
    سقُت هذا المثال لأمهّد لقضّية علمية هي أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - انتقل بعد الوحي من كمال لأكمل. والكمال لا نهاية له.
    كان قبل الوحي على خلق عظيم.
    لأنَّ الآية الكريمة نزلت في أيام الوحي الأولى - كما عرفت - ثم بدأ يصعد درج الكمال حتى أصبح قرآنا يمشي بين الناس.
    لقد عبَّر القرآن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في نهاية السُلَّم بأنَّه قد امتزج بالقرآن - كما يمتزج الدسم بالحليب.
    فالذكر منزل من عند الله.
    والرسول منزّل من عند الله كالذكر تماماً!!

    (1/59)

    {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا} (10 سورة الطلاق)
    وكلمة "رسولاً" تُعرب بدلاًَ أو عطف بيان من ذكر.
    ومعلوم أن البدل والمبدل منه شيء واحد. أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا- أي قرآنا. "هَذَا ذِكْرٌ" أنزلنا إليكم رسولاً.
    لقد امتزج الوحي بالرسول. وهذه مرحلة من مراحل السُّلَّم الأخلاقي ، وهي قمة المراحل.
    ولا عجب فقد امتزج الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالملائكية ليلة الإسراء ، فرأى من غير إراءة ، في المرحلة الثانية. ثم صعد مقام ما فوق الملائكيّة في المرحلة الثالثة ، وذلك عندما وصل إلى سدرة المنتهى ، فوقف جبريل ، وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - تقدم.
    فقال النبي : أهنا تفارقني ؟
    قال جبريل : لا أستطيع أن أتقدم من مكاني.
    {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ} (164 سورة الصافات)
    فالنبي الذي انتقل من مرحلة بشرية إلى مرحلة ملائكية ليلة الإسراء ،
    انتقل من مرحلة إلى مرحلة في مقام الأخلاق.
    ترقّى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح ذكراً "قرآنا" يمشي بين الناس.
    وحاول الإمام الزمخشري أن يخرج من هذا التصور فقال :
    إن المراد (برسول) هو جبريل.
    وللإمام الزمخشري رأيه. ولكن أوَّل سورة إبراهيم تبين أنَّ الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور هو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}

    (1/60)

    تربية القرآن للنبي - صلى الله عليه وسلم -
    والآن مع نماذج من آيات القرآن الكريم في تربية النبي - صلى الله عليه وسلم -
    {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (4 سورة المدثر)
    بهذا المعنى الظاهر وبدون تأويل للنص الكريم.
    فالطهور شطر الإيمان. وبعض العبادات التي سيشرعها الله - سبحانه - لا تصلح بغير طهور.
    بل إن الصلاة ، ومسّ الصحف ، والطواف حول الكعبة ، سوف يشرع لها أكثر من الطهارة المادية التي تهدف إلى إزالة النجس - سوف يشرع لها الوضوء. بل والغسل ، لرفع حدث معنويّ ، لم تصاحبه نجاسة مادية ،
    يتطهَّر منها غالباً.
    فالطهارة في صورتها المادية والمعنوية من أول ما أُمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أول تربية القرآن للنبي - صلى الله عليه وسلم -
    وفهم بعض علماء السلف من الآية الكريمة الأمر بطهارت النفس ، طهارة داخلية.
    قال قتادة ومجاهد : نفسك فطهّر من الذنب.
    فكنّى عن النفس بالثوب.
    قال ابن عباس : لا تلبسها على غدر ، ولا معصية.
    واستشهد بقول غيلان بن سلمة الثقفي.
    وإني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست ولا من غدرة أتقنع.
    وذكر صاحب مدارج السالكين أن بين الثياب والقلب مناسبة ظاهرة وباطنة.
    ولهذا نهى الإسلام المسلم عن بعض الملابس كالحرير والذهب وجلود السباع ،

    (1/61)

    لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع.
    وتأثير النفس والقلب من الثياب أمر خفي ، يعرفه أهل البصائر.
    {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} (6 سورة المدثر)
    النصّ الكريم مع إيجازه تربية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأمته.
    لا تمنن على من تعطيه.
    فالمنُّ من خلق فرعون {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} (18 سورة الشعراء) وردّ عليه موسى {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} ؟! (22 سورة الشعراء)
    فلا تمنن لأنَّ المنَّ من خلق صغار النفوس.
    ويحتمل النصّ الكريم {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} - أي لا ترى ما تعطيه كثيراً.
    إنّ أصحاب النفوس الكبيرة يعطيك أحدهم ما ملكت كفَّاه ويعتذر ..
    والنبي - صلى الله عليه وسلم - إمامهم.
    فقد كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر.
    والفهم الثالث للنص المعجز الكريم :
    لا تعط وأنت تطلب المزيد بعطائك.
    إن بعض الناس يهدي إليك في مناسبة لتكون هديته لك جلبا لعطائك ، فهي استثمار ، وليست إهداء.
    فنهى الله الأمَّة عن الأمور الثلاثة. ليكون العطاء للعطاء ، خالصاً لربِّك.
    وربما تحتمل الآية فهماً رابعاً وأكثر.

    (1/62)

    {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ}
    أول ما تأمر به الآية بسياقها هو إخلاص الصبر لله.
    فالصبر لربك وحده.
    اصبر على تكاليف الدعوة.
    فسوف يتجافاك أقرب الناس لك بسببها. ويُخرجك قومك {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} (5 سورة المزمل) فاصبر لتكاليف هذا القول الثقيل.
    كلُّ شيء يصدر عن خصومك يؤذيك. لأنهم أهلك ، فاصبر حتى على الكلمة ينطقون بها.
    {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} (10 سورة المزمل)
    وقد رفعناك إلى درجة الأنبياء ، وشدّة القرب ينشأ عنها صعوبة التكاليف ، فاقتد بالأنبياء السابقين ، فقد صبروا.
    صبروا على تكاليف الدعوة ، والتعامل مع العقول المتباينة.
    حتى ولو كان النبي ملكاً ، فحياته لا تخلو من الصبر.
    {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (17 سورة ص)
    داود ملك نبي. ومع ذلك هو قدوتك في الصبر. لأنه جمع بين أمرين ثقيلين.
    - التبليغ عن الله لشعب جعل الله معجزة أحد أنبيائه وأكبرهم "عَصًا" فهو شعب لا يصلح بغيرها.
    - ثانياً تحمل داود إقامة العدل بين الناس في مجتمع لا يُعين حاكمه النبي على العدل {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} (26 سورة ص)

    (1/63)

    اصبر يا محمد صبر داود الملك النبي.
    اصبر على التبليغ ، وعلى إقامة العدل بين الناس. وليصبر بعدلك وصبرك كل من كلفناه بمثلهما عن أمتّك.
    اصبر وكُلّك ثقة أن الله الذي رعاك طفلاً لن يتخلَّى عنك نبيا.
    * * *
    ومن آيات القرآن في تربية النبي - صلى الله عليه وسلم -
    ما جاء في النهي عن مدّ نظره إلى متع الحياة ونعيمها.
    {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (131 سورة طه)
    والمنهي عنه هنا هو نظر الإعجاب. لماذا وسّع الله على هؤلاء الكفار - مع كفرهم.
    وكلمة {مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا} أي جعلنا لهم من كل شيء زوجين.
    من الفرس زوجين ، ومن البيت زوجين ، ومن الخدم زوجين.
    ولا يتصوَّر عالم بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلقه ، بل ومبادئ اللغة العربية ، أن النهي هنا عن النظر للزوجات.
    حاش النبي الأعظم ، ولو كان النظر للزوجات لتغير الضمير في قوله تعالى {أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} وأصبح أزواجاً منهن. بنون النسوة لتوافق الزوجات.
    وقد تكرر النهي عن نظر الإعجاب على من وسَّع الله عليه مع كفره وضلاله في سورة الحجر 88 وقد علمنا أن الله يُؤدّب الأمَّة في صورة نبيها - صلى الله عليه وسلم -.
    لأن الآيات ما تزال عاملة إلى يوم القيامة .
    * مازلنا مع القرآن يربي النبي - صلى الله عليه وسلم -
    ومن آيات القرآن التي ربّي بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وما زالت منهجاً لتربية أمته - نختار هذه الآية.

    (1/64)

    {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (199 سورة الأعراف)
    سنعيش مع مقاصد الآية الكريمة بقدر بصرنا المحدود.
    إنّا أصحاب البصائر من العلماء فالقرآن يفيض عليهم على قدر ما يطيقون. فعطاء القرآن لكل عقل بقدر ما يطيق.
    ونقُدِّمُ لهذه الدراسة بأمرين :
    * المقدمة الأولى
    هو إيمان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعِظَم الآمر - سبحانه -
    الأمر الذي قامت لأمره السموات والأرض. {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (11 سورة فصلت)
    * المقدمة الثانية
    يقين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الأمر صادر له من الله - سبحانه - {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} (285 سورة البقرة)
    فقوة إيمانه بربّه ، وبصدور هذه الأوامر منه - سبحانه - تشبه قوة (المولد الكهربي) الذي يغذِّي مدينة كبيرة ، لا بدَّ أن يعدلها قوة ، ويزيد عليها.
    ومن هنا كان إيمان خليفته لو وزُن بإيمان الأمَّة لرجح - إيمان أبي بكر - رضي الله عنه - فكيف بإيمانه - صلى الله عليه وسلم -.
    وهو مصدر الطاقات الإيمانية لكلِّ الأمَّة ؟!
    وكل شيء في حياته يؤكد هذا الإيمان.
    - كان نصره الأكبر في مكة يوم أن قال لعمه : يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه. (دلائل النبوة للبيهقي)

    (1/65)

    * قصة الهجرة
    كل خطوة تؤكد ثقته بربِّه.
    أولاً :
    خروجه من بين الشباب المُشْرِك ، الذي اجتمع لقتله ، ووضعه التراب على رؤوسهم وكان يمكنه أن يتصرَّف في الخروج ، أو ينام ليلتها عند الصِّدِّيق ، أو عند السيدة أمّ هاني. كما نام ليلة الإسراء.
    ثانياً :
    وَعْدُه لسراقة بن مالك بأن يعطيه سوار كسرى ، وقد لا تكفي كلمات الدنيا للتعبير عنه قال - صلى الله عليه وسلم - لسراقة : كيف بك يا سراقة إذا سورّت بسوار كسرى ؟!!.
    قال سراقة "متعجباً" : كسرى بن هرمز ؟ّ
    قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : نعم.
    - سبحان الله - رجل خرج من قومه فارًّا بدينه ، يمتد أمله إلى الانتصار على ملك من أقوى الملوك. إنه وعد الله. وسراقة ... خرج يريد قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - لينال جائزة قريش. مائة ناقة.
    وهذه ثروة تجعله من كبار القوم.
    ومع ذلك يكتفي من خروجه بوثيقة يكتبها له عامر بن فهيرة بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
    والأعجب من كل هذا هو تحقق وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لسراقة ، في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - واستلم سراقة سوار كسرى!
    ثالثاً :
    في حادث الهجرة أيضاً. يدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وقد خرجت كل المدينة للقائه.

    (1/66)

    خرج المؤمنون به. وخرج اليهود. وخرج من بقى على دينه مشركاً.
    وكل جماعة من أتباعه تريد شرف ضيافته.
    ولكن العجيب أنْ يُعلق النبي - صلى الله عليه وسلم - مستقبل الدعوة على "الناقة التي يركبها"
    "دعوها فإنَّها مأمورة"
    الله أكبر ... ماذا سيكون مستقبل الدعوة إذا لم تبرك الناقة ؟!!
    الأمر خطير جدًّا.
    فاليهود شهود.
    وكفار المدينة شهود.
    حتى المؤمنون به لم يشهدوا منه معجزة بَعْد.
    ولكن سرعان ما بركت الناقة. وتحقّقت أوَّل معجزة أمام الأعيان.
    أو قل : تحقق وعد الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -.
    إن ثقة النبي بوعد ربِّه ، ثمرة لإيمانه الكبير ، الذي يفوق مجموع إيمان من آمن به ، إلى يوم القيامة.
    إن الدنيا في كلّ عصورها لا تعرف رئيساً لدولة - مهما كانت قوتّه - يمكنه أن يصرف حراسه عنه ، ويعلن أنّه لن يموت إلا في فراشه.
    وتختم حياته كما قال.
    كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحرس من أصحابه ليلاً.
    حتى نزل عليه قوله تعالى {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}
    فلم يقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينتظر حتى الفجر.
    بل أخرج رأسه من القبة وقال : "انصرفوا فإن الله تولى حراستي.
    وفي رواية عائشة : " أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ ".

    (1/67)

    وقد شهدنا في عصرنا قتل رئيسين لدولتين كبيرتين ، وهما يستعرضان قوات بلادهما في البر والفضاء.
    أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ - عز وجل - لم تكن مجرد حماس لبشارة قرآنية. ولكنها أصبحت سلوكاً مصاحباً للنبي - صلى الله عليه وسلم - في كل حياته. حتى في غزوة شرعت فيها صلاة الخوف ، نام النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت ظل شجرة ، وعلَّق سيفه عليها ،
    نام بدون حراسة من أحد.
    فتسلل رجل من المشركين ، وأخذ السيف ،
    وأيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : يا محمد. من يمنعك مني ؟
    قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : الله يمعني منك.
    ضع السيف.
    فوضع الرجل السيف
    إن ثقة النبي - صلى الله عليه وسلم - الدائمة بوعد الله الذي تحقق في الدنيا ، أورثته الثقة الكبرى بوعود الله بما في الآخرة.
    إن ما عند الله خير للصابرين ، هذا يقينه. وقُرب نصر الله مهما تأخر. فالتأخير لصالحه لأنه طول لعمره في الدنيا. فلن ينتهي عمره حتى يتحقق نصر الله له كما وعد.
    هذا اليقين قد أثَّر في أخلاق النبي استجابة لكل أمر ، فكان شعاره {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} (84 سورة طه) واجتناباً لكل نهي {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (15 سورة يونس)
    والآن مع الآية الكريمة {خُذِ الْعَفْوَ} دراسة موضوعية.

    (1/68)

    {خُذِ الْعَفْوَ}
    - في الجانب الاجتماعي ، والقيادي ، وجانب التربية.
    - صَدَقَةُ الفطر للفقير أم من الفقير ؟
    - الجانب الاقتصادي في الآية الكريمة.
    - لابد من السُّنَّة ليصحَّ فهم القرآن.
    - إنفاق (العفو) لا يتعارض مع حقِّ الورثة.
    - القرض الحسن. متى يكون حسناً ؟
    - المنيحة - أين المنيحة في مجتمعات كمجتمعاتنا ؟
    - مشاريع للربح ، ومع ذلك هي إنفاق للعفو.
    - دراسة علمية لآية واحدة في تربية القرآن للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

    (1/69)

    {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (199 سورة الأعراف)
    - {خُذِ الْعَفْوَ} المعنى الأول.
    العفو هنا جوهرة مضيئة من كل جانب. أينما أبصرتها وجدت نورا.
    جوهرة أمر الله النبي لأن يأخذها ، ليطفئ بها غيظ النفس المعتدي عليها ، وما عند الله خير وأبقى.
    {خُذِ الْعَفْوَ}
    خذ العفو سبيلاً لعلاج من أساء إليك ، إن كان الذي صدرت منه الإساءة كريم النفس ، فإن عفوك عن كريم النفس خير وسيلة لعلاجه.
    {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (34 سورة فصلت)
    - {خُذِ الْعَفْوَ} المعنى الثاني.
    والعفو هنا يعني السهل الميّسر من كلام الناس في المعاشرة والمعاملة. والصحبة. ولا تطلب منهم التكلّف ، ولا تكلّفهم الشاق من النداء. وحسبك أن يناديك أحدهم : يا رسول الله.
    اعف عن أخطائهم ، وتقصيرهم.
    واعلم أنَّ الإيمان إن تمكَّن في قلوبهم فسوف يتحوَّل نداؤهم لك إلى خير نداء.
    وأدبهم إلى أعلى أدب. {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} (63 سورة النور)
    وبعد ثبوت الإيمان في قلوبهم ، كان الواحد منهم يجيب نداء النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : فداك أبي وأمي يا رسول الله.

    (1/70)

    - {خُذِ الْعَفْوَ} كلمة في التربية - والمعنى الثالث للكلمة.
    العفو هو الفائض من أموالهم {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (219 سورة البقرة) والنبي سيأمر أمَّته بالصدقات ، وتفرض الزكاة. وفي الأمَّة فقراءكثيرون.
    فهل سيظل الغنيّ وحده يُعطي ، ويظل الفقير يأخذ ؟
    هنا نتعرف على سرٍّ في التربية. وقاعدة لها أثرها.
    أعني بهذه القاعدة أنَّ اليد التي تتربىّ على إنفاق ما تملك ، طلباً لإرضاء الله ، هذه اليد لا تقبل أبداً أن تّمتدَّ لأخذ ما يغُضب الله. "مادامت تملك الاختيار" فمن قدّم الصدقة خالصاً لوجه ربّه ، لا يتصور منه أن يمدّ يده لأخذ ما يغضب الله ، من سرقة ورشوة.
    من هنا شرع الإسلام صدقة الفطر على من يملك قوت يوم العيد وليلته.
    في بعض المذاهب ، لتربية اليد الفقيرة على العطاء ، حسبةً لوجه الله.
    ومن هنا - أيضاً - أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ {الْعَفْوَ} من أموال الفقراء. تربية لهم على العطاء.
    وعندما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن خير الصدقة قال :
    " خير الصدقة جَهْدُ الْمُقِلِّ". (أبو داوود. 1237)
    فوجوب الصدقة على الفقير في يوم العيد مجرَّد تربية ، وليست تكليفاً ، فالصدقة قد شرعها الله لهم ، وليست عليهم.
    {خُذِ الْعَفْوَ} نظرة في الاقتصاد
    عجبت من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -
    القرآن يمُهّد لتحريم الخمر عليهم.
    {يَسْأَلُونَكَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}.
    فتحريمهما سوف يؤثر على السوق التجاريّة.
    وأغلب حياتهم من التجارة.

    (1/71)

    ومن ناحية أخرى فالمشركون يمهد القرآن لمنعهم من الحج ، وهو ثروة اقتصادية كبيرة.
    ومع ذلك فصحابة النبي يسألونه : ماذا ينفقون ؟!
    {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (219 سورة البقرة)
    والعفو هو الفائض عن الحاجة.
    وعبَّرت عنه السنة بكلمة (الفضل) في قوله - صلى الله عليه وسلم -
    " يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ". (مسلم. 1718)
    وفي حديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
    " مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ ".
    يقول أبو سعيد الخدري : "فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ". (رواه مسلم. 3258)
    أي لا حق لنا في زائد عن حاجتنا.
    وإنفاق العفو من المال يشمل إنفاق الزكاة والصدقات.
    وما يجب على المسلم من واجبات أخرى غير الزكاة المفروضة ، كالإنفاق على الأهل والأقربين ، وتحمّل الدية مع العشيرة ،
    وغير ذلك من الإنفاق "للفضل".
    {{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}
    وأسال : إذا أمرنا الله أن ننفق {الْعَفْوَ} وهو الفائض عن الحاجة ،
    فماذا سنبقى للورثة ؟
    إن كلَّ ما يملكه المسلم إمّا أن ينفقه على الضروات ،
    وإما أن يكون "فضلاً" أو "عفواً" فينفقه في باب إنفاق العفو.
    فماذا سيبُقى لورثته ؟
    إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
    " إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ".
    (البخاري. 1213 - ومسلم - 3076).

    (1/72)

    وقد حفظ الله حقوق الورثة عندما منع الوصيَّة بأكثر من الثلث "الثلث والثلث كثير" فكيف أنفق "العفو" وهو الباقي بعد إنفاق الضرورة ؟
    وماذا سأبقي للورثة ، ولنوائب الأيام ؟
    والحق أنه لا تعارض أبداً بين حق الورثة وبين إنفاق العفو "المتبقي"
    لا تعارض إذا درسنا سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - دراسة شاملة ، وليست دراسة (شكلية)
    فالإسلام قد شرع إنفاق المنفعة. مع بقاء المال ملكك.
    وسوف أختار بعض النماذج لإنفاق العفو.
    أولاً : القرض الحسن
    القرض الحسن إنفاق للمنفعة مع بقاء المال على ملكك.
    فهو إنفاق للعفو.
    وقد شرعه الله ليسدَّ حاجة المضطر.
    والضروريات : حددها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله :
    " إِنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى مِنْ صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا مَاتَ إِلَّا مَنْ يَدِينُ فِي ثَلَاثِ خِلَالٍ الرَّجُلُ تَضْعُفُ قُوَّتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَسْتَدِينُ يَتَقَوَّى بِهِ لِعَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِ وَرَجُلٌ يَمُوتُ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ لَا يَجِدُ مَا يُكَفِّنُهُ وَيُوَارِيهِ إِلَّا بِدَيْنٍ وَرَجُلٌ خَافَ اللَّهَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزْبَةَ فَيَنْكِحُ خَشْيَةً عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْضِي عَنْ هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
    (ابن ماجة. 2426)

    (1/73)

    وفي حديث رواه الإمام أحمد "أن الله يسدد عن عبد اقترض لسرقة أو حريق أصابه ، فيعوّض الله على صاحب الدين يوم القيامة ، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفنه ، فترجح حسناته على سيئاته ، فيدخل الجنة بفضل رحمته - أي بفضل رحمته لأخيه الذي أقرضه ، وصبره عليه.
    ففضل مَالكَ - وهو العفو - تقضي به حاجات الناس في القرض الحسن ، فيكتب إنفاقاً للعفو. ولك أجر قد يعادل أجر الصدقة. ومالك لم يخرج من ملكك.
    * ضرورة السداد
    - فالَمِدينُ إذا مات شهيدا فالشهادة تكفّر كلّ سيئاته ، إلاّ الدَّيْن.
    حديث أبي قتادة "رواه مسلم"
    - وقد امتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة على رجل مات وعليه دين ، حتى تحمل أحد الصحابة دَيْنَه.
    فصلى النبي عليه "البخاري"
    - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره أن يحتفظ بشيء
    من الذهب أو الفضة عنده ، إلاّ مالاً يدّخره لسداد دَيْن.
    عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :
    " لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ ". (البخاري. 2214).
    * الجزاء على القرض
    وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - القرض كالصدقة.
    "كل قرض صدقة" وفي بعض الروايات " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً ". (ابن ماجة. 2421).
    بل إنه - صلى الله عليه وسلم - جعل أجر القرض - في بعض الأحوال - أعلى من أجر الصدقة.
    "رأيت ليلة أن أسرى بي مكتوباً على باب الجنّة الصدقة بعشر أمثالها. والقرض بثمانية عشر"

    (1/74)

    فلما سأل جبريل - عليه السلام - قال له :
    السائل يسأل وعنده الشيء
    أما المقترض فيقترض ولا شيء عنده "ابن ماجة صدقات"
    وفتح باب القرض الحسن يحدّ من القروض الربويّة.
    حتى ولو في باب الديون الاستهلاكية ، فلا يقترض المسلم بالربا للعلاج ، أو للزواج ، أو لدفع نفقات الدراسة.
    وهذا لون من إنفاق {الْعَفْوَ} مع بقاء رأس المال في ملكيتك.
    ويجب على المدين أن يسرع في السداد :
    " مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ " (البخاري ومسلم).
    والقرض الحسن تفريج لكربة المسلم : " الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (بخاري ومسلم)
    وقد يشتد الكرب على المسلم ، فيصبح الكرب طوقا في عنق المسلم.
    وعندئذ يدخل من يحُييه مع من قال الله فيهم {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (32 سورة المائدة)
    ولا يفوتني أن مذهب السيدة عائشة وعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما - جعلا زكاة الدين في السنوات المتعدِّدة يُدفع لسنة واحدة, وسبب ذلك أنَّ الزكاة تجب في المال النامي ، وهذا المال ليس نامياً بأمر الشرع.
    فتوقفت زكاته حتى يرده المدين ، فيزكيه سنة واحدة.
    ثانيا : الماعون. إنفاق للعفو.
    للجماعة المسلمة حقوق في مال المسلم ، غير الزكاة.
    لها حقوق سلبية. كتحريم أن يتاجر في شيء يضرُّ الجماعة. كالخمر ، وبيع السلاح للعدو. أو يحكتر الأقوات ، وما يلحق بالأقوات من دواء ، وكساء. ولها حقوق

    (1/75)

    إيجابية ، رمز لها القرآن "بالماعون" وهو العون بمعناه الأعمّ.
    وبينها النبي - صلى الله عليه وسلم - وسماها "المنيحة"
    * عارية الماعون
    الماعون. كل شيء من الأدوات يقضي الناس به حاجاتهم.
    كأدوات البيوت ، وآلات الزراعة ، والعدد اليدوية.
    والحاجة إليها تختلف بمقدار الضرورة.
    يقول عبد الله بن مسعود : كنّا نَعدّ الماعون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَارِيَةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ "البيهقي"
    وقد جعل الله "الويل" لمن منع الماعون. وجعل سورة في القرآن باسمه (سورة الماعون) تكريماً لمن ينفقه.
    * عارية المنيحة
    نوع من إنفاق المنفعة ، مع بقاء المال على ملكك.
    شرعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليساعد المسلم على إنفاق {الْعَفْوَ} إنفاق الزائد عن حاجته ، كما طلبت الآية الكريمة
    {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}
    وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم -
    أجر المنيحة. مع بقاء ملكيتها. فقال :
    " أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ ". (البخاري. 2438).
    وفي حديث الترمذي ، ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - من المنيحة :
    فسطاطا يستظل الناس به في سبيل الله.
    ومنيحة خادم في سبيل الله.
    وطروق فحل في سبيل الله.
    فإنفاق المنفعة في سبيل الله. مع بقاء المال على ملكك
    هو إنفاق "للعفو" وهو أعلى

    (1/76)

    درجة في الدرجات الأربعين.
    (غسالة) اشتريت غيرها. (ثلاجة) استبدلتها بجديدة.
    (سيارة قديمة) - في الخليج - تبقي على ملكيتك ، وتنفق المنفعة.
    كل هذا للعفو في الآية الكريمة.
    * استثمار الأصل
    وهذا حق من حقوق الجماعة في مال المسلم, وهو أيضاً إنفاق للعفو. الذي أمر الله المسلمين أن ينفقوه. أعني به هنا استثمار المال في خدمة البيئة المسلمة مع بقاء ملكيته لك.
    - في الاستيراد. وجلب الضروريات. أداء لحقوق الجماعة ، وقد كره الإسلام حفظ المال وعدم استثماره.
    {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} (2 سورة الهمزة)
    وقد فرض الإسلام الزكاة في المال المدَّخر عقوبة لصاحبه. لعدم استثماره ولأنّه هو الذي منع نماء المال بحبسه عن الجماعة...
    - ماذا يفعل المريض الذي لا يملك ثمن الدواء ، ولا يتيسر حصوله عليه.
    إن جلب الدواء من هناك ، أخذٌ بيد المريض ، حتى تتكمن بلادنا من صناعته - إن شاء الله -
    - وقطع غيار السيارات ، والمصانع ، وأدوات البناء. استثمار المال فيها خدمة للمجتمع ، وإنفاق للعفو الذي أُمرنا به.
    يقول - صلى الله عليه وسلم - "الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ "
    (رواه ابن ماجه. 2144).
    - وبناء العمارات للسكن ، يأكل من فضل الله كلُّ عامل ، قبل أن ينتفع بانيها لعل هذا الإيجاز قد نبّه القارئ الكريم إلى دور القرآن في التربية. والقرآن لا يُفرّق بين أمر الدنيا وأمر الدين.
    فالمسلم ينفق العفو. في خدمة الجماعة باستثمار ماله.
    والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمره الله أن يأخذ العفو ، ليعيد تنظيمه. ويعطي لكل مستحق حقه ، ويؤلف قلوب الطلقاء (الذين أسلموا يوم فتح مكة).

    (1/77)

    والآن مع الأمر الثاني من الآية الكريمة {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}
    العُرف في القرآن والسنة
    كثير من آيات القرآن الكريم ، تأمر هذه الأمَّة ، أن تحمي دينها بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر. لما يُحدثه ذلك من عملية تجديد ، مستمرة لهذا الدين ، وصيانة له.
    وقد أعجبني فقه الموضوع ، عند العلامة أبي الأعلى المودودي ،
    عندما جعل تعدِّى الخير إلى الغير ، دليلاً على تكامله فيك.
    - فالنار من شأنها الحرارة ، ولكن كمال اشتعالها أن تحرق.
    والثلج من شأنه البرودة الذاتية ، ولكنها تكمل عندما تنتقل برودة الثلج إلى الوسط المحيط به.
    - والقرآن الكريم نقل لنا نموذجاً إيمانيا ، ونموذجاً من أهل الكتاب ، في موضوع انتقال التأثير للآخرين.
    كلاهما في سورة آل عمران.
    {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} (98 سورة آل عمران)
    عاب عليهم كفرهم ، وهو أمر ذاتي فيهم. ثم عاب عليهم سعيهم لنقل الكفر للآخرين {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} (99 سورة آل عمران).
    فهم على ضلال وإضلال.
    وفي نفس السورة الكريمة ، جاء وصف الأمَّة القرآنية بالدرجتين.
    الأولى : درجة الإيمان.
    الثانية : درجة الدعوة لهذا الإيمان.

    (1/78)

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (102 سورة آل عمران).
    هذه درجة الإيمان..
    بعدها جاء حديث القرآن عن ضرورة انتقال الإيمان وحمايته في الآخرين. {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (104 سورة آل عمران)
    وكما سبق أن بيَّنَّا في قانون "المطلقات" جاء في الآية الكريمة في الدعوة إلى الخير "مطلقاً" والأمر بالمعروف "مطلقاً" والنهي عن المنكر بهذا الإطلاق بدون أن يُحدّد ما هو الخير ، ولا ما هو المعروف ، ولا ما هو المنكر.
    ومازال القرآن يُرَّبَّي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويأمره بالعرف ، وأن يصبر على تكاليف الدعوة.
    وما زالت القلوب الكبيرة تستجيب لدعوته ، فتجددّ فيه النشاط.
    حتى يفاجئه القرآن بما لم يتوقّع ، ولا ينتظر.
    يفاجئه وهو على أبواب ختام دعوته ، بأنّ كثيرا من أهل الكتاب لا يزيدهم ما أُنزل إليك من ربّك إلا طغياناً وكفرا. {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} (64 سورة المائدة)
    كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمنَّى أن يزيدهم ما أُنزل إليه من ربّه هدى وإيماناً.
    أو حتى قُربا من الهدى والإيمان.
    ولكن القرآن كشف له عن حقيقة القلوب الغُلْف من أهل الكتاب.
    وهنا سارع القرآن ليجدّد فيه الأمر بالعرف ، يجدّد فيه النشاط.
    ويمسح عن نفسه ما أصابها.

    (1/79)

    إن مصائر الناس بيد الله. وإنّما عليك البلاغ فقط.
    واصلْ دعوتك التي بدأتها منذ يوم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وقد مضى على عطائها ربع قرن من الزمن أو يكاد من التبليغ فقط.
    وبأسلوب شديد ، يقول له ربّه {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (97 سورة المائدة) بَلِّغْ ... سواء زادهم ما أنزل إليك من ربك هدى ، أو زادهم طغيانا وكفرا.
    وإن لم تفعل "اليوم" وبعد واحد وعشرين عاماًَ من الكفاح المتصل ، فكأنكّ لم تُبلغ شيئاً - لأن حبات العقد مقترنات.
    فتربية القرآن للنبي - صلى الله عليه وسلم - عملية دائمة ، صاحبته حتى لقي ربَّه. يوصِّله كمال لكمال ، وهذا هو سلم أخلاق النبوة.
    * * *
    * نظرات في كتب السنة في الأمر بالمعروف.
    - من أبدع الصور البيانية في موضوع النهي عن المنكر ، ما رواه البخاري والترمذي عن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال : " مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ".
    فالأمر بالمعروف ، ومنع الناس عن المنكر ، نجاة للمأمور والآمر.

    (1/80)

    وبإهمال الدعاة تغرق سفينة الحياة ، في بحار الضياع والنسيان.
    - عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ". (رواه مسلم. 71).
    - الدرجات الثلاث في النهي عن المنكر درجات مشروعة.
    - والتغير باليد يملكه الأب. الذي يربي ولده.
    في مثل تأديبه لعدم الصلاة "واضربوهم عليها لعشر"
    وهو ضرب يؤكد للصبي جدية الأمر الذي تطلبه منه منذ ثلاثة أعوام
    "مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع"
    - كما يملكه الزوج في مقام علاج النشوز ، أو الإعراض ، للحفاظ على الحياة الزوجة. {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} (34 سورة النساء)
    لم يوقف العالم - كلّ العالم - عقوبة الضرب.
    ولم تزل الجيوش في كل العالم تعتبر الضرب عقوبة مشروعة توقعها على الجنود ، حماة الأوطان. هذا وللضرب شروط سنعرفها في "الطلاق البدعي والسني" إن شاء الله ... كما أنَّ بعض النساء مصابات بمرض "القوة الجنسية" فهي تشعر بلذة "ضرب الحبيب" - كما يقولون.
    - ومن جاهدهم بلسانه. وهو موضوع الرسالة.
    - "ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، ليس وراء ذلك من الإيمان حبَّة خردل"

    (1/81)

    الجملة الأولى ترفع الحرج عن المؤمن الذي لا يستطيع أن يؤدِّب بيده ، ولا بلسانه ينكر بقلبه ، وفي ذلك عصمة له من المشاركة في المنكر.
    وحدَّد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن إنكار القلب آخر درجات الإيمان. ليحدد موقف الذين ... الباطل للناس ، بأي فن من فنون الزينة. وأظلمهم لنفسه من باع دينه بدنيا ... وتطوَّع بالنفاق.
    * * *
    * الأمر بالمعروف قانون أخلاقي
    لا تتم دراسة قانون الأخلاق إلا إذا درسنا قانون الإلزام السلوكي ، وما يتبعه من المسئولية الفردية.
    ولكن المسئولية الفردية لا تعفي المسلم من المساهمة في المسئولية الجماعية. فنحن مسئولون عن انحراف مسالك الآخرين ، بقدر ما أوجب الإسلام علينا من تغيير المنكر باليد واللسان والقلب.
    ودور القلب هو الإنكار المقتضي عدم المشاركة في الخطيئة ، وعدم تزيينها للناس. فالعمل الاجتماعي السلبي - أو ما تسميه اللامبالاة - تجريم ، بنفس درجة العمل الإيجابي.
    فالامتناع عن النهي عن المنكر هو المشاركة السلبية في الجريمة.
    وقد حدثنا القرآن الكريم أن شعبا قديما قد تعرض للعنة على لسان الأنبياء بذنبٍ هو عدم إنكاره على بعض أعضائه فعل الشر {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (79 سورة المائدة)
    فقانون الأخلاق القرآني يفرض على المسلم أن ينهى عن المنكر ، استجابة لمبدأ

    (1/82)

    المسئولية التي تتعدى الغرض ، إلى الدور الاجتماعي ، مع الاحتفاظ بالمسئولية الفردية.
    وقوله تعالى {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (25 سبأ) "لَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ" إن دعوناكم فنفرتم ، وأعرضتم ، فإنما علينا البلاغ فقط وهذا يكفي للنجاة".
    {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} (165 سورة الأعراف)
    * * *

    (1/83)

    * (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)
    خواطر متفرقة
    - إذا كنت وحدك الذي يعرف هذا المنكر فعلاجه في رقبتك وحدك. لأن في ذلك ستر على العاصي. والله حليم ستّير يُحبُّ الحياء والسِّتْر.
    - وإذا كنت وحدك القادر على تغيير هذا المنكر فتغييره فرض عين عليك كالرجل يرى على ولده أو زوجه منكراً. فواجب عليه أن يعالجه.
    - الأمر بالمعروف يأخذ حكم المأمور به ... والنهي عن المنكر كذلك.
    فمن يأمر بفريضة ، فالأمر بها فرض ، ومن ينهى عن الزنا والربا فحكمه الوجوب ومن يأمر بمندوب أو مستحب. أو ينهى عن مكروه ، فحكم الأمر هو حكم المأمور به ، يعني مندوب أو مستحب. فادعو للأمور الكبيرة ، واعملوا بما اتفقتم عليه وليعذر كلٌّ منَّا أخاه فيما اختلفنا فيه.
    - النهي عن المنكر مقدّم على الأمر بالمعروف.
    من باب التخْلية مُقدَّمة على التحلية.
    والعامل الذي ينظف المرافق ، لابد أن يخلع ملابسه أولاً ، ثم يغسل جسده جيداً. ثم إن شاء وضع عطراً ، أو خرج بلا عطر.
    ودرء المفاسد بالنهي عنها ، مُقدَّم على جلب المصالح.
    - لا يكفي أن نحرّم الربا ، ونذكر ما ثبت من نصوص في تحريمه.
    بل لا بدَّ للبحث عن حلول عملية لصاحب المال ، ليستثمر فيها ماله ، استثمارا مأمونا حلالا. وذلك بفتح الباب أمام صاحب الخيرات الذي ينقصه المال ، بالدعوة إلى الشركات المشروعة ، هذا بماله وهذا بخبرته.
    والقرض الحسن يعالج مشكلة القروض الاستهلاكيَّة.
    وقد تحدثت عنه في قوله تعالى {خُذِ الْعَفْوَ}
    فالإسلام دعوة تامة.

    (1/84)

    - لم تختلف المدارس الإسلامية في وجوب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ولكنها اختلفت في طريقة التنفيذ. إلى مدارس ثلاث.
    المدرسة المسالمة. وهي مدرسة الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه -.
    والمدرسة المهادنة. والمدرسة المقاتلة.
    ومعلوم ما تحمَّله الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه -
    من سجن وتعذيب. ومع ذلك لم يحاول إثارة الفتنة. صيانة للدماء ،
    حفظاً للأمَّة من المفاسد.
    وحتى لا يقوي عدوّها بسبب تفرّق الكلمة.
    أفتى باستنكار القلب. فقال لعلماء بغداد عندما اجتمعوا عنده يريدون التّبرؤ من الحاكم الواثق.
    فقال لهم : "عليكم بالنكرة بقلوبكم. ولا تخلعوا يدًا من طاعة ، ولا تشقُّوا عصًا للمسلمين".
    وفي طبقات الحنابلة حـ 1 صـ 26 يقول الإمام أحمد :
    والجهاد قائم مع الأئمة. سواء برُّوا أو فجروا. والجمعة والعيدان معهم ، والحج معهم ، وإن لم يكونوا بررة عدولاً أتقياء.
    ولا تنزعوا يدًا من طاعة ، ولا تخرجوا عليهم بسيوفكم ،
    حتى يجعل الله لكم مخرجا.
    وسوف نتابع الدراسة في فصل "اطمئن أنت مؤمن" - إن شاء الله -
    ورأي الإمام أحمد - رضي الله عنه - أنفع للأمَّة ، وأقوم.
    فإذا كان المنكر لا يزول إلا بمنكر أكبر منه صارت إزالته على هذا الوجه منكرا. والدم لا يغسل بالدم.
    ولابن القيم كلام طيِّبٌ في هذا المقام ، نذكر بعضه :
    إن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إنكار المنكر ليحصل بإنكاره المعروف.
    فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو منكر أكثر منه ، وأبغض إلى الله منه ، فإنّه لا يسوغ إنكاره.

    (1/85)

    وقد استأذن الصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقاتلوا الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها.
    فقال : لا. ما أقاموا الصلاة. (إعلام الموقعين).
    أقول : بل إن الأحاديث الصحيحة تطلب من المسلم أن يصبر في هذا الموضوع لا على من يؤخر الصلاة فقط
    - كما ذكر ابن القيم - رضي الله عنه - بل في أسوأ من ذلك وأظلم.
    ففي حديث حذيفة بالبخاري ومسلم :
    " قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ
    قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ كَيْفَ قَالَ يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ".
    ثم نعود لحديث ابن القيم وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى أشياء في مكة بعد أن فتحها وصارت دار إسلام ، عزم على تغييرها ، ثم لم يفعل.
    عزم على تغيير البيت ، ورده على قواعد إبراهيم ، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك ، لقُرب عهدهم بالإسلام ، وكونهم حديث عهد بكفر.
    ثم قصّ ابن القيم حادثة رآها وهو يسير مع الإمام ابن تيمية ، أو سمعها منه.
    مرّ ابن تيمية على جماعة من التتار يشربون الخمر. فأنكر عليهم بعض من كان يسير معه.
    فقال له ابن تيمية : إنما حرّم الله الخمر لأنها تصدّ عن ذكر الله ، وعن الصلاة.
    وهؤلاء تصدّهم الخمر عن قتل النفوس ، وسبي الذراري ، وأخذ الأموال. فدعهم.
    * * *

    (1/86)

    - الحرص على وَحْدة الأمَّة لا يعني الطاعة في منكر
    واشترط الإسلام لطاعة أولى الأمر طاعتهم لله فيما يأمرون به. فلم يُفرد لهم أمراً بالطاعة في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (سورة النساء 59)
    والمأمور به من أولئك الحكام نوعان.
    - نوع يحتاج في معرفة حكمه إلى البحث والاجتهاد ، وهذا يجب أن تردّه إلى الله ورسوله {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (سورة النساء 59)
    - أما النوع الثاني : فالحكم واضح الضلال ، لا يحتاج لمعرفة موقف الإسلام منه إلى رجوع للقرآن وللسنة. وهذا الأمر لا يحتاج إلا الرفض الصريح. يقول - صلى الله عليه وسلم -
    " السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ". (البخاري. 6611).
    وروي البخاري عن علي - رضي الله عنه - قال :
    " بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ". (البخاري. 3995).

    (1/87)

    وفي مسند الإمام أحمد قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ". (المسند. 19735)
    حتى ولو كان الأمر بالمنكر هو أقرب الناس للمسلم ، وهما الوالدان. فحقهما مقدَّس. ولكن هذا الحق مع قداسته لا يُخوّل لهما سوى سلطة محدودة ومشروعة تنتهي عندما يطلبان منا خيانة الأمانة الكبرى أمانة "الإيمان" {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} (سورة العنكبوت 8)
    ومرة ثانية يتوقف هذا الحق أمام قداسة العدل.
    فعندما يرتكب الولدان أو أحدهما ظلماً فحب الولد للحق ، واحترامه للعدل يجب أن يرجح عنده حقوق الوالدين.
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (سورة النساء 135)
    فحقّ الولاة والحكام ، محفوظ ، مراعاة لجمع الكلمة ، وقوة الأمة. وزجر عدوها.
    وهو كحق الوالدين ، ولكنه حق مقيد في الحالين ، بعد المعصية لله.
    صاحب الحق الأول والمطلق والأكبر.
    وَمَنْ سوى الوالدين والزوج والحاكم داخل في حكمهم من باب أولى.

    (1/88)

    * غرسوا فأكلنا ونغرس ليأكل الآخرون
    ليس شرطاً أن يرى الإنسان ثمار دعوته.
    فما نعيش فيه من الهدى هو ثمرة قرون طوال مضى أصحابها ، وتركوا الخير لنا.
    فعلينا أن نترك الخير للآخرين.
    وقد صرّح الله بهذا للنبي - صلى الله عليه وسلم -
    فقد يمتدّ عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يرى عقاب أعدائه في الدنيا ، وقد يلحق بالرفيق الأعلى قبل ذلك {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ} (سورة الزخرف 41 - 42)
    وفي سورة يونس {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} (سورة يونس 46)
    ورحلة نوح - عليه السلام - هي أطول رحلة علمية لتوصيل فكرة ، وهداية أمَّة . ومع ذلك {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} (سورة هود 40)
    ولكن أمَّة القرآن آمنت بنوح ، وانتهجت - في الدعوة - منهجه ، وهي شاهدة لإبلاغه رسالته.
    ورحلة النبي - صلى الله عليه وسلم - للطائف ، وما لقي فيها من إيذاء المشركين ، كانت من أجل هداية شاب عراقي من نينوي "الموصل" هو "عدَّاس" والقصة بتمامها في كتب السيرة.
    شخص واحد ... من العبيد ... لم يعرف له ذكر في التاريخ بعد هذا اللقاء. كان ثمرة للرحلة الطويلة ، سلام على أهل نينوي. وسلام على الكرام في كل بلد وفي كل زمان.
    * * *

    (1/89)

    - ومن كلمات عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قال : إن الله لا يُعذب العامة بعمل الخاصة. ولكنه إذا ظهرت المعاصي فلم يذكّروا فقد استحقّ القوم جميعاً العقوبة, فليس شرطاً أن ترى ثمار دعوتك.
    * الرفق في الأمر بالمعروف
    دعُيَ الحسن إلى عُرس. وقدّم له الطعام في جام من فضة "طبق" فتناوله.
    وقلب على رغيف ، فأصاب بعض ملابسه وأكل.
    فقال رجل من الحضور : هذا نهي في سكوت.
    أي نهيٌ عن الأكل في إناء من فضّة.
    * عدم كشف المستور
    نهى العلماء عن كشف ستر.
    حدَّث محمد بن أبي حرب أنه سئل عن قربة مغطاة. فقال لا تكشف.
    وعلَّق الأستاذ عبد القادر أحمد عطا محقق الكتاب بقوله : المعصية إذا أُخفيت لم تضرَّ إلا صاحبها.
    أمّا إذا ظهرت فإنّها تضرُّ الآخرين. بإغرائهم.
    والإسلام قويٌّ. والمستخفي جبان. لا خطر منه ، بخلاف المجاهر بالمعصية. (الأمر بالمعروف للخلال صـ 81)
    جاء كلام قيٌّم عن ضرورة ستر المسلم ، وعدم جواز فضيحته ، ولو كان بسبب النهي عن المنكر.

    (1/90)

    يقول : وأمرنا أن نستر على المذنبين ، ما لم يُبْد لنا صفحة الخلاف.
    ليس كما ذُكر عن بني إسرائيل أنهم كانوا إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبح وعلى بابه معصيته مكتوبة.
    وكذلك في شأن قرابينهم. فإنّهم كانوا إذا قرَّبوها أكلت النار قربان من تقبّل الله منه ، وتركت غير المقبول. وفي ذلك افتضاح للمذنب - الذي لم يتقبّل الله منه.
    ثم يقول : وللستر حكمة أخرى.
    وهي أنَّ فضيحة العاصي تسبّب الفرقة والوحشة.
    وهذا ما شدد القرآن في النهي عنه. إلا أن تكون البدعة فاحشة جداً كبدعة الخوارج فلا إشكال في جواز إبدائها ، وتعيين أهلها.
    أقول : وكم من جرائم كبيرة كالزنا واللواط لم تنتشر إلا بسبب الذين يفضحون من يرتكب هذه الجرائم. مع أن أكثرهم يريد إنكار المنكر فتقع الفضائح.
    * مَنْ الزاني منهما ؟
    حدثني شاب لا يعصمه دين ، ولا يردعه خلق.
    حدثني أنه منذ أن عاقبته الشركة التي يعمل بها بالنقل إلى فرعها القاصي لسوء سمعته ، من يومها وهو كما يقول الشاعر :
    على أنَّني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا عليَّ ولا ليَا
    غُربته. ووحدته. ووحشته ، همٌّ وهمٌّ وثالث.
    وفي ليلة مظلمة ، ممطرة زاره خادم ضريح الوليّ لدعوته لحضور حلقة الذكر ، التي تقام بجوار القبر كل أسبوع.

    (1/91)

    وضاق صدر الضيف.
    إنّه من أبناء القرية. ويعلم أنَّ صاحبة البيت ، الذي يسكن فيه الشاب ، والتي تسكن بجواره ، أرملة سيئة الخلق. وسرعان ما حذَّر الشاب منها. وتبرأ من ماضيها.
    تبرأ من الزنا. بل ومن كلِّ النساء - إلا الصالحات.
    وهنا مال الشاب إلى يد خادم الضريح وقبَّلها.
    لقد دلَّه على صيده.
    لقد عاش معها عدَّة أشهر ، وكلُّ باب مغُلق على أسراره.
    إن شدة القرب تسبِّب الخفاء.
    وكما يقولون : الغريب أعمى ، ولو كان بصيراً.
    ما كان للشاب أبداً أن يعرف ساقطته لولا خادم الضريح. واستنكاره للزنا - غفر الله له - لقد دلَّ الشاب على صيده ، وكان سببا فيما جرى.
    إن سوء استخدام الخير يُسبّب البلاء ، ويوقع في الشرّ.
    إنَّ أسماء الله الحسنى فيها أمور متقابلة. فهو - سبحانه - المحيي. المميت. القابض. الباسط. الضار. النافع. الستار. إن ربكم حييّ ستّير يحبُّ الحياء والستر (والحديث رواه أبو داود. والنسائي) ولكن ليس من أسمائه الحسنى "الفضَّاح" (من خواطر أستاذنا الشعراوي).
    وامرأة العزيز ذكرها القرآن قبل حديث النساء عنها ، كالقط الوادع.
    غلقت الأبواب بنفسها ، واختارت أرقى عبارات المراودة.
    {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} (سورة يوسف 23).

    (1/92)

    قطة وادعة.
    فما بالها تتحول بعد انتشار الخبر بين النساء إلى نمر متوحش ؟
    {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} (سورة يوسف 32)
    هكذا تفعل الفضائح بنساء الكبار من الناس.
    فلم تراع منصب زوجها ، ولا عظيم منزلتها.
    فليتق الله من يطُلعون الناس على أسرار عباده.
    وليعلم كلّ مسلم أن الزنا إن تمَّ عن طريق سر كُشف -
    كما فعل خادم الضريح - فهو الزاني في الحقيقة. أو شريك للزاني.
    من هنا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي أمر ماعزاً أن يعترف للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالزنا ، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - :
    " وَيْحَكَ يَا هَزَّالُ لَوْ سَتَرْتَهُ يَعْنِي مَاعِزًا بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ ".
    (مسند أحمد. 20890).
    وقال - صلى الله عليه وسلم - :
    " وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (البخاري ومسلم).

    (1/93)

    * {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا}
    ما دام القول معروفا فلماذا لا يقلنه ؟
    إن الله منع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخضوع بالقول ، وهو أن تتكلم بطريقة تجعل مَنْ في قلبه مرض يطمع فيها.
    فالمنهي عنه طريقة معينة في القول ، وليس مجرَّد القول.
    فالممنوع على المرأة أمران.
    فاحش الكلام. وتستوي في ذلك مع الرجل.
    والميل والخضوع بالقول ، وهو أمر متعلق بطريقة الأداء.
    أمَّا حديث المرأة بالمعروف ، فهي مأمورة به ، جهادا في سبيل الحق {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} كما سنعرف ، وكما وضحت سورة التوبة - إن شاء الله -
    إن القرآن طلب من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - البقاء في بيوتهن لرسالة كبيرة ، وهي الإلمام بجانب الوحي الذي ينزل في بيوتهن.
    ومعرفة الجانب التشريعي الخاص بالمنزل والفراش.
    فكل شيء في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - تشريع حتى الفراش.
    إلا ما خصَّه الدليل.
    وليس ذلك لأحد سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
    وعليهن بعد التلقي أن يبلغن الناس.
    فنساؤه معلمات. ومُبلِّغات لجانب لا يصلح فيه إلا المرأة.
    وزواجه زواج رسالة.
    وقد سبق أن تكلمت في هذا الموضوع في كتابي "هذا نبيك يا ولدي"
    فهل ما زال بعض الذين يجعلون من أنفسهم أهل فتوى يسقطون عن المرأة الجهاد بالكلمة المؤمنة بحجة أن صوت المرأة عورة ؟!!!
    صوت المرأة عورة إذا كان ميلا في القول ، وخضوعاً فيه.
    أما القول المعروف فمأمورة به.

    (1/94)

    - وعائشة - رضي الله عنها - خطبت يوم موقعة الجمل.
    فلم يُعب عليها مخالفوها في الرأي.
    - والسيدة زينب بنت النبي - صلى الله عليه وسلم -
    وقفت في المسجد بعد الصلاة وكلمت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمسمع من المصلين في أمر زوجها.
    - والمرأة التي قطعت خطبة عمر - رضي الله عنه - عندما أراد أن يضع حدًّا أعلى للمهور ، لم يقل لها أحد إن صوتك عورة.
    لو سلمنا بأن صوت المرأة عورة, فهل هذا يمنع عملها الإسلامي مع النساء ؟
    أما تعليمهن وتربيتهن وإعدادهن ، فالطيب ينظر إلى عورة المرأة للضرورة. ونحن نسمع صوتها فقط بالقرآن.
    أعرف أن كثيراً من المسلمين ما زال يمكنه أن يتقبل الحق.
    بل وأكثرهم يبحث عنه ، ويطلبه.
    أما الذي أغلقوا عقولهم "فأي فيلم" بعد غسله لا يتسع لنغيِّرَ ما فيه من صور. فهو لمن سبق.
    * * *
    إن كثيرا من الشباب المسلم يجاهد من أجل أن تلبس امرأته ثوباً شرعياً يستر جسدها ، وهذا واجب شرعي. لا خلاف فيه.
    ولكن أينا يعمل على تشكيل عقل المرأة على ما شكل النبي - صلى الله عليه وسلم - عقل نسائه عليه ؟ الرحلة صعبة.
    وكثير منا يسلك الطريق السهل. من باب ما لا يدرك كُلُّه ، لا يترك كله.

    (1/95)

    وتشهد أيامنا من الخير ما لم تشهده أيام آبائنا - والحمد لله.
    من وعي الشباب.
    فالشباب المسلم يقوم بمحاولة كبيرة لتظهر المرأة المسلمة في لباس العفاف. وحجابها أمر شرعي - كما قلت.
    ولكن الذي يشغلني أكثر هو هل يوجد في بلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - منهجا يُشكِّل عقل المرأة كما شكل النبي - صلى الله عليه وسلم - عقل نسائه ؟
    إن تجربتي في بغداد مع المرأة المسلمة يذكرها كلّ مسلم هناك.
    وما زالت ثمارها - والحمد لله - لقد بدأ العمل الإسلامي مع المرأة مع افتتاح مؤسسة البُنِّيَّة 1974م. وكان عدد النساء المحجبات من السُّنَّة لا يزيد على خمس. أعرف أسماءهن وعوائلهن.
    وقبيل خروجي من بغداد قال لي المرحوم الشيخ عبد الرحمن السنجري إمام بمساجد الموصل "نينوى" إن مسجده بالموصل غلبت النساء فيه على الرجال فضحكت ، وقلت له : اجعل مسجدك للنساء فقط. ونسميك الإمام النسائي.
    - النسائي بفتح النون -
    نجحتْ دعوتي مع المرأة في بغداد. لأنَّ علماء العراق هم أوَّل من استجاب لدعوتي ، وكانت نساؤهم أوَّل الرائدات ، في بغداد وفي الرمادي ، وفي الموصل.
    دَرَس النساءُ القرآنَ وأحكام التجويد ، وكتاب (فقه السنة). ودرَّست لهن التفسير. حتى كنت أذكر رأيا للمفسرين في الآية فتقول إحدي بناتي : الآية تحتمل رأياً آخر.
    دَرَسْنَ القرآن ثم قمن بتدريسه للأبناء والبنات. (1350 تلميذاً ، 950 تلميذةً) يدرسون في الصيف.
    في المرأة خير إذا أحسنا تربيتها على منهج الإسلام ، في كل بلد ، وفي كل عصر.
    امرأة تعمل مُدرِّسة في مدارس صلالة الإبتدائية. خلغت كل ما تلبس في يدها

    (1/96)

    من ذهب لشباب عماني يجمعون التبرعات لبناء جامع في أمريكا.
    كان هذا بجامع المعشني بصلالة.
    وفي جامع المعشني اجتمع أكثر من ثلاثين سيدة عدَّة سنوات يتعلمن القرآن. وتفسير القرآن حتى أتقن القراءة والفهم إلى سورة النمل.
    وكانت المسيرة القرآنية المباركة. حتى تَمَّمَتْ مدرسة القرآن الكريم بديوان البلاط السلطاني المسيرة.
    أين النساء المسلمات ؟!!!
    أبحث بجدّ في كل بلد عربي مسلم عن المرأة المسلمة : أين دورها في خدمة الإسلام ؟ وماذا أعدّه شيوخ الدعوة للإجابة أمام الله ، عن هذا السؤال ؟
    سورة التوبة تتكلم عن النساء في مجتمعين.
    النساء في مجتمع النفاق.
    والنساء في مجتمع الإيمان.
    فهي في مجتمع النفاق تشارك في كل عصر بكل قواها ، وملكاتها ، لخدمة النفاق.
    قال تعالى : {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (سورة التوبة 67)
    وفي مقابل مجتمع النفاق ، وما فيه من تسابق الرجال والنساء لخدمة هذا المجتمع الفاسق. يسوق القرآن في نفس المقطع من السورة الكريمة صورة لمجتمع الإيمان.
    صورة حركية عاملة لخدمة الحق.
    {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
    عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة 71)

    (1/97)

    وقد أدرك دعاة النفاق في كل عصر قدرة المرأة على فتنة الرجال.
    ودورها في خدمة دعوتهم. فجندّوها لخراب الدين والدنيا.
    اشتروها ببعض الكلمات الحلوة.
    وبعض النساء تُسرق من أذنها. وتُصدّق من يمدح جمالها ولو كان أعمى. والغواني يسرُّهن الثناء - كما يقولون -
    وقد استفاد الاستعمار كثيرا من علم نفس المرأة. وجنّدها لتثبيت أقدامه.
    فاختار منهن من تملك التأثير على الرجال والنساء. وجنّد أجهزة الإعلام العالمية لخدمتهن ، وحاول أن يجعل من الرقص فنًّا ، حتى سمعتُ مذيعاً في بلد عربي يُقدِّم راقصة عجوزة فيقول : أقدِّم الفنانة التي عجز الدهر أن يأتي بمثلها.
    وهم يحاولون بكل ماديّاتهم ، وإمكانياتهم أن يجعلوا منهن رائدات للنهضة ، وسابقات لعصرهن.
    في 3/7/1996م وفي إذاعة لندن - القسم العربي "ساعة حرَّة" يقدمون امرأة عجوزاً يقدمها مقدم البرنامج
    على أنها المرأة التي طُبعت مؤلفاتها ونُشرت بعشرين لغة.
    المرأة التي يستضيفها كل إعلام العالم - إلا قليلا -
    المرأة التي حصلت على الدكتوراه الفخرية.
    فإذا بها امرأة متمردة ، تطوف بلاد العالم لتبشر بآرائها. تقول :
    "طاعة المرأة لزوجها رذيلة"

    (1/98)

    "الجدل هو الحياة"
    "كنت زوجة متمرِّدة"
    "الجنس شيء عادي في جسم الإنسان ، فلماذا يُستحى منه ؟!"
    "لا بدَّ من ممارسة الجنس أمام الأطفال"
    "لا شيء اسمه شذوذ جنسي"
    هذا ما تدعو إليه المرأة العجوز ...
    ولهذا فتح الغرب والشرق أبواب الإعلام العالمي أمامها.
    ومنحها شهادة الدكتوراه الفخرية.
    إن حرب الإسلام والفضيلة ، أقصر طريق للوصول للشهرة ، ومجد هذه الحياة.
    وويل لبلاد المسلمين من حرب الاستعمار الثقافي.
    فهو يجند أبناء البلاد لحمل ذكره.
    ومحال أن تطرد البلاد أبناءها.
    بقي السؤال يطرح نفسه.
    أين المرأة المسلمة من هذه المعركة ؟
    أُومن بالمرأة المسلمة إذا وجدت من يُحسن تربيتها ، وعرض الإسلام عليها ، وتوجيهها للعمل الإسلامي ، ولا ينسى أنها امرأة.
    {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} (سورة آل عمران 36)
    بدأت تجربتي في العمل مع المرأة المسلمة في 17/3/1957م وكنت طالبا بالقسم الإعدادي بمعهد الزقازيق الديني. واستمرت إلى أن خرجت من العراق.
    - قالت لي سيدة مسلمة :
    كل مالي تحت تصرفك ، للقرض الحسن ، حتى لا يلجأ الشباب المسلم للربا.

    (1/99)

    - سيدة مسلمة سألتني :
    ما حكم تنظيف دورة المياه هذه ؟
    فلما شاهدت دورة المياه ، ورأيتها من الفضة والذهب !!
    قلت : تقدَّر كل عام. ويخرج ربع العشر من ثمنها زكاة. وتبقى تحفة فقط لا يجوز استخدامها.
    إن الله حرَّم أواني الذهب والفضة في الطعام !!!
    ثم لم يمض عام حتى أراها تخلع كلّ ما تلبس من ذهب وحليّ نادر ، لتتصدقّ بثمنه. فيدفع لها أبوها ثمن الحلي ، ويضمه لها.
    - وسيدة أخرى :
    عاشت صاحبة المشكلة أكثر من عام تترددّ على بيتي (في بلد من بلاد محمد - صلى الله عليه وسلم -)
    وفي يوم قالت لي :
    أنقذتني من الاحتراف.
    قلت لها : من الانحراف.
    قال : أنا جامعية ، وأَعي ما أقول.
    ما زلت أقول : أُومن بقدرة المرأة على خدمة الحق ، إذا أحسنا إعدادها لذلك.
    - وهذه أعدتها الجماعات الشيوعية لما تريد.
    أعدوها لتحضر في درس النساء بجامع البنية ، وتوجّه لي أسئلة حرجة أعجز عن الإجابة عليها. فتثبت الشُبهة في عقول البنات ، ولا تثبت إجابتي.
    وشاء الله أن يجندها لما يريد. وتتحول تحولاً كبيرا.
    فتقدّم بحث السَّنَة النهائية بالجامعة - كلية الاقتصاد - عن الاقتصاد الإسلامي. ومع أن الأستاذ كان شيوعيا منظما

    (1/100)

    إلا أنه قد أعطاها حقها "امتيازاً بدرجة عالية"
    لقد سألتني في يوم :
    هل يمكن أن تقرأ القرآن في أيام الحيض ؟
    فلما قلت لها : لا. تنهَّدت ، وقالت : كيف تعيش المرأة أسبوعا لا تقرأ القرآن ؟!!!
    ثم هاجرت إلى بلد عربي مسلم ، وفتحت دارا نموذجيا للحضانة الإسلامية.
    فليعمل كل إنسان في حدود من عنده ، وعلى الدعاة أن يركزوا على قضية المرأة ، في النساء خير.
    والآية الكريمة التي سبق أن ذكرتها تؤكد ضرورة أن تأمر المرأة المسلمة بالمعروف وأن تنهى عن المنكر. {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (سورة التوبة 71)
    * * *

    (1/101)

    العُرف في كتب الأصول
    العرف ضدّ النُكر. وهو كل ما عرف من الخير عن طريق العقل والشرع. وقصره العلامة الخازن - صاحب تفسير "لباب التأويل في معاني التنزيل" قصره على ما عرُف حسُنه بالشرع.
    والإمام الجرجاني عرَّفه بما استقرت عليه النفوس بشهادة العقل وتلقَّته الطباع بالقبول وعرّفه الإمام الغزالي بأنّه "ما استقرّ في النفوس من جهة العقول ، وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
    والعُرف مصدر من مصادر التشريع.
    وكثيرا ما نسأل عن عرف البلد الذي وقع فيها حادث "ما" قبل أن نجتهد في الفتوى في هذا الحادث.
    وإذا اتفق "العرف : مع نصٍّ شرعيٍّ ، فإنَّ جميع العلماء يأخذون بالعرف.
    من ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لامرأة أبي سفيان "خذي من مال أبي سفيان ما يكيفك وولدك بالمعروف".
    واشترط الشافعي للأخذ "بالعرف" عدم معارضته نصا له.
    والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد راعى "العرف" في التشريع ، في بيع السَّلَم. فقد نهى النبي عن بيع ما ليس عند الإنسان. واستثنى بيع "السَّلَم" لأنّه بيع متعامل به في المدينة ، وفي تحريمه حرج لهم.
    أخرج البخاري عن ابن عباس قال :
    " قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ فَقَالَ مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ".

    (1/102)

    فالنبي أقر هذا العقد مع أنه نهى عن بيع ما ليس عندك من أجل العرف المعمول به. وقد يتغير الحكم الشرعي بتغير العرف في بعض القضايا.
    - كان صمت البكر في موضوع النكاح دليلاً على قبولها للزوج ، ورضاها عنه ، من أجل ذلك قال - صلى الله عليه وسلم - " وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا " .
    ومعلوم أنَّ ذلك منطق العرف في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - والآن تغير العرف في كثير من البلدان ، وأصبح الصمت لا يكفي.
    فهي الآن تعبر بصراحة عما تريد فأصبح إذنها كإذن الثّيب ، ويؤخذ بالعرف لأن أساس النص الشريف قام على اعتبار العرف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد تغير العرف ، فتغير الحكم.
    وأصبح مجرد الصمت لا يكفي.
    وللموضوع أحكام في كتب الفقه.
    * * *

    (1/103)

    * (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) في مجال وصيِّ اليتيم
    - والعرف هو دائرة الحكم بين وصيِّ اليتيم وبين ما له من حقوق.
    فإن كان الوصي موسرا تطوع ، وإن كان فقيراً فله راتب المثل (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) وقد جعل عمر بن الخطاب ولي أمر المسلمين كوصي اليتيم ، ولنا عود على موضوع اليتيم وأمواله - إن شاء الله - في باب " الأغنياء الذين رباهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أموال اليتامي صـ 164 ".
    - (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) في مجال الحياة الزوجية .
    الحياة الزوجية في القرآن قائمة على المودة ، فإن عسرة " المودة " فالرحمة . وهى تعني تنازل القويّ عن بعض ما يستحق لبقاء الشركة.
    فإن خلت الحياة الزوجية من العمودين " المودة والرحمة " فآخر دعواهما هو العدل (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فالعدل آخر المطاف.
    ولا تنخفض الحياة الزوجية عن العدل ، عن المثلية.
    وقوله تعالى (بِالْمَعْرُوفِ) قيد لا بدَّ منه في العلاقة الأسرية.
    فلولا هذا القيد لقالت الزوجة : أنا غسلتُ الملابس اليوم ، فاغسلها غداً.
    وقال الرجل : أنا أنفقت على البيت هذا الشهر ، فتحملي النفقة الشهر القادم.
    ولكنْ قوله تعالى (بِالْمَعْرُوفِ) حدد الإنفاق على الزوج ، وعمل البيت على الزوجة ، والمعروف سيد الأحكام. كما يقولون.
    ودرجة (الْمَعْرُوف) هي ميزان الاعتدال (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
    (سورة البقرة 231)

    (1/104)

    كل شيء في الحياة الزوجية بالمعروف.
    بل إن الكلمة الطيبة بالمعروف خير من صدقة يتبعها أذى {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} (سورة البقرة 263)
    * * *
    بهذا أمر الله النبي - صلى الله عليه وسلم -
    أمره أن يأمر بالعرف. فكمال الشيء أن ينتقل أثره إلى ما يجاوره.
    ونحن لا نتحمل من آثام المجتمع إلا حصة المشاركة لهم بعدم نهينا عن المنكر ، بالدرجات الثلاث التي عرفناها اليد فاللسان فاستنكار القلب.
    والمرأة شريك الرجل في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وللنساء طاقات كبيرة في خدمة الحق لو أحسنَّا الإفادة منها.
    * * *

    (1/105)

    في هذه الصفحات
    العرض والإعراض
    - الإعراض لا يمنع من العرض.
    - من الذين أُمرنا أن نُعرض عنهم ؟
    {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}
    - أعجب قَسَم في القرآن.
    إبراهيم الخليل بين العرض والإعراض.
    فرعون يمزح.
    وموسى يُعرض عن الجاهلين.

    (1/106)

    {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (سورة الأعراف 199)
    الأمر الثالث من الآية الكريمة
    إن الآية الكريمة مدرسة قرآنية. مهما أسهبنا في الحديث عنها لم نحط بها خُبْرًا.
    والأمر بالإعراض عن الجاهلين يأتي بعد قوله تعالى {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}.
    فلابد من التبليغ أولاً.
    فنحن لا نعرف الجاهلين. الذين سنعرض عنهم ، إلا بعد أن نبذل كل سبيل لهدايتهم. وقد تتبعت آيات القرآن الكريم التي أمرت بالإعراض عن الجاهلين ، فرآيتها تعني أولا المنافقين.
    والإعراض عن المنافقين يعني عدم كشف ما يخفونه من نفاق وكفر.
    وأول الآيات في سورة النساء 61
    {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا}
    ثم يأتي الأمر بالإعراض عنهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} (سورة النساء 63)
    فمع الأمر بالإعراض عنهم طلب الله منه - صلى الله عليه وسلم - أن يعظهم وأن يقول لهم كلاماً يستقر في قلوبهم ونفوسهم {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ}
    وهل على النبي - صلى الله عليه وسلم - غير هذا ؟
    ونفس المعنى في الآية 81 من السورة الكريمة ، مع زيادة الأمر بالتوكل على الله.
    وفي سورة التوبة آية 95.

    (1/107)

    أمر الله النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُعرض عن الذين تخلفوا عن القتال في غزوة تبوك ، ثم كاذبوا عندما رجع النبي إليهم, والآيات تبدأ بقوله تعالى : {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} (سورة التوبة 90) إلى أن قال ربّ العالمين للنبي - صلى الله عليه وسلم - {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} (سورة التوبة 95).
    أعرض عنهم ، حتى تحافظ على الجبهة الداخلية ، واتركهم للمجتمع يؤذيهم بمعاملته لهم.
    إلى هنا الإعراض عن المنافقين.
    أما في سورة الحجر 94 وهي متقدمة في النزول ، لأنها مكية.
    فجاء الإعراض عن المشركين {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} والمطلوب منه في الإعراض أن يُعرض عن بعض أحوالهم ، لا أن يُعرض عن ذواتهم.
    - كما قال صاحب التحرير والتوير حـ 14 صـ 88 أعرض عن أحوالهم لا عن ذواتهم ، أعرض عن إبائهم إعلان الدعوة - وكانت الدعوة سراً في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، حتى نزلت هذه الآيات.
    وأعرض عن إيذائهم لك بالاستهزاء ، وإيذاء المسلمين بالتعذيب ، وواضح أنه لا يريد الإعراض عن دعوتهم لصريح قوله تعالى : {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}.
    وفي سورة النجم آية 29 {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}
    أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُعرض عن طراز من الناس انحصر علمهم وعملهم ونشاطهم وفكرهم في الدنيا. وفي الدنيا فقط.

    (1/108)

    الدنيا همهم. والدنيا في قلوبهم ، والدنيا مبلغهم من العلم.
    قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - :
    " الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ".
    (رواه الإمام أحمد. "23283" عن عائشة - رضي الله عنها).
    وفي الدعاء المأثور "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا" ابن كثير حـ 4 صـ 273 والإسلام لا يطلب منا أن نهمل دنيانا ، فعمار الأرض رسالتنا {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (سورة هود 61)
    والعمُر والعَمار والعمُران والعُمرة كلها من مادة واحدة.
    وقد شرع الإسلام إحياء الأرض وملك الأرض لمن يحييها ، وينزع الحاكم الأرض ممن أخذها ولم يستطع أن يزرعها.
    وأحكام هذا الباب في كتب الفقه. كأحكام العبادات تماماً.
    وبعد :
    إن الأمر بالإعراض عن الجاهلين لا يعفينا من ضرورة عرض الحق عليهم - كما رأينا - إلا أن يتكبر العقل البشري ، ويكتفي بالسخرية كالذين قالوا : {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (سورة الأنفال 32).
    وكان المتوقع منهم لو عقلوا أن يقولوا : إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
    وكان العقل البشري يتوقع أن يثبت الله لهم أن القرآن هو الحق ، فيسقط عليهم الحجارة ، ولكن الله علم أنهم قالوا قولتهم استخفافاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل تكريما للنبي - صلى الله عليه وسلم - وبيانا لمنزلته عند الله :
    {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (سورة الأنفال 33).

    (1/109)

    فالأمر بالتبليغ ، والأمر بالإعراض عن الجاهلين ، أمران متلازمان.
    والجمع بينهما في الحياة العملية يحتاج إلى فطنة.
    * * *
    {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}
    الجاهل غير الأمي.
    فالأمي هو الذي لم يدرس ولم يتعلم.
    أما الجاهل فهو الذي يعتقد غير الحق ، ويصر على اعتقاده فقد يكون الجاهل دارساً متخصصا في نوع من العلوم ، ولكن لم ينتفع بعلمه في إدراك الحقيقة.
    {لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (سورة الروم 7)
    فالذين قصروا علمهم على الحياة الدنيا - في نظر القرآن - لا يعلمون.
    مع أنهم قد يكونون علماء في تخصصهم.
    * * *

    (1/110)

    * وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
    وبعد الأمر النظري بالإعراض عن الجاهلين ، يأتي القرآن بتدريبات عملية للنبي - صلى الله عليه وسلم - يُبيّن له فيها كيف يَعرض دعوته ، وكيف يُعرض عنهم.
    * النموذج الأول للعرض والإعراض
    - قال تعالى {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} (أول سورة يس)
    قلت في كتابي "حتى لا نخطئ فهم القرآن" هذا القسم هو أعجب قسم في القرآن الكريم. لأن الأصل في عملية القَسَم أن يكون المُقْسَمُ به موضع تعظيم عند المخاطب بالقسم ، حتى يحدث عنده تصديق نفسي.
    وهنا - وَجْهُ العجب - أنَّ الذي لا يؤمن بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يؤمن كذلك بالقرآن ، ولا يعظمه.
    فكيف يقسم الله بالقرآن لمن لا يؤمن به ؟
    أقول : كأن الله يقول : لا يوجد شيء يمكن أن أقسم به على نبوة محمد ، إلا نبوة محمد ، وأعرض عن الجاهلين ، وعن كلامهم.
    وجاء في الشعر العربي.
    أنا أبو المجد ، وشعري شعري.
    يعني لا يوجد شيء يصحّ أن أشبّه به شعري إلا شعري.
    وجاء مثل هذا الأمر في مطلع سورة الشورى في قوله تعالى {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فالقرآن مشبّه ، ومشبّه به. على دعوى أنه لا يصلح شيء يُشبّه به القرآن إلا القرآن.
    وهو المعنى الذي رأيناه في مطلع سورة (يس).
    فالله أقسم بالقرآن الحكيم على أن محمداً من المرسلين.

    (1/111)

    وهما متلازمان كالشيء الواحد. من آمن بواحد منهما آمن بالآخر.
    ففيها عرض لعظمة القرآن, وإعراض عن دعواهم.
    * النموذج الثاني.
    سورة يونس {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} (سورة يونس 33).
    أمر الله النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطرح عليهم السؤال وأن يجيب عنهم ، في الوقت نفسه.
    يجيب عنهم ولا ينتظر إجابتهم. لأن السؤال هنا يتعرض لقضيتين.
    - الأولى بدء الخلق : وهو يؤمنون بأن الله هو الذي بدء الخلق.
    - والقضية الثانية هي إعادة الخلق : وهم لا يؤمنون بها.
    من هنا أمر الله النبي أن يجيب عنهم. ويعرض عن إجابتهم.
    {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} ؟.
    هل من شركاءكم من يرسل الأنبياء والكتب ، ويضع المنهج ، بل ويملك جذب القلوب إلى الهدى ، كما يملك إقناع العقول ؟
    ثم لا ينتظر منهم الإجابة. {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} ؟
    {قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (سورة يونس 35)
    فالآيات تطرح عليهم أسئلة عقليّة ، ملزمة لإجابة واحدة ، لتلزمهم الحجة ، وتُعرض عن جدلهم. وهذا هو العرض والإعراض.

    (1/112)

    * النموذج الثالث للعرض والإعراض
    اخترته من القصة القرآنية. لأن القصص القرآني له دور مشهود في التربية.
    الحوار الذي دار بين إبراهيم - عليه السلام - وطاغية العراق نموذج من إعراض الأنبياء عن الجاهلين.
    أو كما أسميه نموذجا "للعرض والإعراض" يأخذ صورة عملية.
    فقول الطاغية {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} ومحاولة تفسير الإحياء والإمانة هذا التفسير ، الذي يؤكد طفولة عقلية.
    وإعراض الخليل - عليه السلام - ليس معناه تسليم الخليل لهذا التفسير الجاهل. أو انهزامه أمامه. إنما معناه إعراض الخليل عن الجاهلين ، وعدم رغبته في الجدل معهم ، وقد انتقل إلى حجة بهتت الطاغية.
    {إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (سورة البقرة 258)
    {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} أي يخلق الحياة في الجماد كما خلق النطفة الحيَّة من الغذاء الميِّت. وكما أعاد الحياة للطيور الأربعة بعد أن ذبحها إبراهيم - عليه السلام -.
    والإمانة كالإحياء لا يقدر عليها إلا الله. {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} (سورة الملك 2) بل ولا يعرف أحد سرها.
    والإمانة سلب الروح ، مع سلامة البنية.
    والطاغية في أي عصر يملك أن يقتل ، ولا يملك أن يميت.
    والقرآن قد فرَّق بين الموت والقتل {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} (سورة آل عمران 144) ولعل إبراهيم - عليه السلام - قد سارع إلى البيان الثاني {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ} مخافة أن ينفذ الطاغية حماقته ، ويقتل الرجل البرئ ليثبت أنه يمكنه أن يميت من يشاء ، وأن يحيي من يريد.
    إنَّ كلّ الدنيا - مهما تقدمت المعارف - لم تعرف سرّ الحياة.
    فكيف تحي الموتى والجماد ؟

    (1/113)

    * النموذج الرابع في العرض والإعراض
    اخترته من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ، عندما انهزم فرعون في الحوار أمام موسى - عليه السلام - لجأ إلى حيلة يقلب بها المجلس إلى مجلس مزاح ، فقال لهامان : {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} (سورة غافر 36 ، 37)
    وكل من له معرفة بشيء من علوم المصريين القدماء التي ما زال العالم حتى يوم الناس هذا يتردد عليها ، ويحاول تفسيرها {رَجْمًا بِالْغَيْبِ}
    كل من له معرفة بشيء من علومهم ، يعلم أن فرعون على يقين من عجزه عن الوصول للسموات.
    ولكن الجنون فنون. والناس يسعهم الهزل إن فاتهم الجد.
    ففرعون في طلبه كان هازلاً. من أجل ذلك لم يذكر القرآن أن موسى - عليه السلام - قال لفرعون : إن البناء مهما ارتفع فمحال أن يصل إلى السماء.
    لأن موسى علم أن فرعون انهزم ، وأنه حاول أن يُحوّل المجلس إلى مجلس مزاح ، وأوصي القارئ الكريم.
    إذا دخلت في مناقشة ، ورأيت أن الذي يجادلك لا يحترم عقله ، فحاول أن تنسحب من المناقشة.
    إذا لم يحترم عقله هو فمحال أن تصل معه إلى ثمرة.
    إن "الفيلم" الذي تم غسله "تحميضه" لا يمكن أن يقبل صورة جديدة ، غير التي سجلت عليه.
    فاعرض الحق ، فإن وجدت إصراراً على ما في ذهنه فأعرض عنه وحسبك نيتك ... هكذا يكون العرض والإعراض.

    (1/114)

    سُلّم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أدب الطعام إلى صناعة الأمراء
    ذكرت طعامه وكيف كان يأكل. ملبسه ، ونعله ، حتى عدد الشعرات التي شابت في رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - .
    وسبب اهتمام كتب الصحاح بهذه المسائل - في تصوري -
    أولاً : أن تؤكد اهتمام الصحابة بتسجيل ونقل كل شيء من حياته - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس.
    ونقلها للأمور العادية يؤكد نقلها لأصول دعوته من باب أولى.
    ثانياً : ما قد يكون في هذه الأمور العادية من تربية للنشء المسلم ، وخصوصاً في مرحلة تكوين العادات عند الطفل. فالتعويد في هذه المرحلة يجعل السنة عادة ، يأتيها المسلم بلا تكلُّف.
    ثالثاً : تعرض صورة صادقة لحياة النبي - صلى الله عليه وسلم - العادية التي تطابق ما يدعو إليه من زهد في الطعام والملبس ، وعدم الاغترار بها.
    رابعاً : الأهم عندي أن ذكر هذه الشمائل وما فيها من أمور عادية يبين أول السُلَّم الذي عبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه إلى التسامي بالأمة. فقد بدأ بالدروس التي نُدَرَّسها اليوم لتلاميذ الحضانة ، والسنوات التعليمية الأولى ، ثم ترقّى بالأمّة إلى منهج إعداد القادة والأمراء.

    (1/115)

    بدأت الرحلة من قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} (سورة المجادلة)
    ووصل بالأمة إلى إعداد مجتمع يقبل لأول مرة في تاريخه نظام الحاكم الواحد.
    وقد بلغ من شدة حرصهم على النظام الجديد "نظام الحاكم الواحد" أن يقوم الصحابة باختيار حاكم أعلى للأمة قبل أن يقوموا بدفن جسمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك حتى لا تخلو أعناقهم يوما من بيعة.
    إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفرض هذا النظام الجديد بالسيف بل بالكلمة. فالصحابة اجتمعوا لاختيار الخليفة بمجرد فراغ الساحة منه.
    لأن النبي أعدهم لهذا النظام.
    " مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " (رواه مسلم. 3441).
    بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - درّبهم تدريباً طويلاً على قبول نظام الدولة والحاكم الواحد.
    فقد طلب من كل جماعة "ثلاثة كانوا أو أكثر" يسافرون. طلب منهم ضرورة أن يولُّوا واحداً منهم.
    يقول الإمام ابن تميمة : في ذلك ضرورة أن يكون فيما هو أكثر. (الحسبة صـ 11)
    وتربية الأمة وتدريبها على قبول نظام الدولة الواحدة ، والقائد الواحد ، أخذ من النبي - صلى الله عليه وسلم - جهداً كبيراً.
    إن الرجل الذي سجلت كتب السنة تربيته لأمته في أدب الطعام "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النفخ في الشراب (أبو داود)"
    "وأمرنا بغسل اليدين قبل الأكل (النسائي)"
    هو الرجل الذي طلب من هذه الأمة أن تتحملّ "نفسياً" تكاليف الخضوع للحاكم الواحد.

    (1/116)

    جاء في نيل الأوطار حـ 7 - صـ 199 حديث عبادة بن الصامت - صلى الله عليه وسلم -.
    بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة ، في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، وعلى أثره علينا ، وعلى ألا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحا ، عندكم من الله فيه برهان "أي برهان على هذا الكفر البواح"
    وواضح من صيغة البيعة أنها لما بعد عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الراشدين. لما فيها من ذكر الأثرة عليهم من حكامهم.
    - وفي الوقت الذي يربي فيه الأمة على غسل اليدين قبل الأكل وبعده.
    - ويربي فيه الأمة على قبول نظام الحاكم الواحد لأول مرة ، في تاريخها العربي.
    - نراه يربي الأمراء الحكام على ضرورة العدل. ليبقى نظام الحاكم الواحد ، ونظام الدولة الواحدة حاميا لنفسه ، بل حاميا للأمة ، وحارسا لمصالحها.
    فالدين أساس ، والحاكم حارس.
    ومن لا أساس له مهدوم.
    ومن حارس له ضائع.
    * منهج إعداد القادة
    أول ما ربي النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمة عليه أن الإمارة أمانة.
    فعندما طلب أبو ذرٍّ من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوليه ، لم ينظر النبي إلى تدينّه ، وعبادته ، وطاعته لله. ولكن نظر لقوة تحمله لعبء جماعة من الأمة يسهر ليناموا ، ويجوع ليوفر لهم الشبع.

    (1/117)

    فقال له : يا أبا ذر إنك رجل ضعيف.
    وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها. (مسلم)
    إن يوسف - عليه السلام - لم يرشِّح نفسه لإدارة شئون المال. بنبوته ، وتقواه. فقد شهد بإحسانه الجميع. ولكنه رشح نفسه لهذه المسئولية الكبيرة بحفظه وعلمه.
    {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (سورة يوسف 55)
    إنها مسئولية عظمى ، وليست تشريفا ، يُهدى لغير مستحق.
    " مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (مسند أحمد عن أبي أمامة "21268" ، وصحيح الألباني).
    ومازال النبي - صلى الله عليه وسلم - يحذر من الولاية مما جعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يقبل أن يرشح أحداً من أولاده لهذه المسئولية من بعده.
    كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربي أمة على غسل اليدين قبل الأكل وبعده, وفي الوقت نفسه يربي أبا بكر - رضي الله عنه - فينمي فيه اللين الذي يتفق مع فطرته ، وينُمّى فيه الحزم الذي لم تشهده الدنيا في حاكم بعده.
    إن التاريخ لم يعرف رجلا فتح إحدى عشرة جبهة في وقت واحد كما فعل أبو بكر - رضي الله عنه - في حرب الردة - رضي الله عنه - والذين منعوا الزكاة.
    وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع رجلاً كعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو مدرسة للإمارة ، شهد الغرب الصليبي له.
    يا من رأى عمرا تكسوه بردته ... والزيت أدم له والكوخ مأواه
    يهتز كسرى على كرسيِّه فرقا ... من بأسه وملوك الروم تخشاه

    (1/118)

    إن الخلفاء الراشدين الأربعة ، وكبار قادة الجيش ، وأشهر الذين اتصفوا بالحزم العادل من الولاة ، لم يكونوا جميعا نسخة متكررة من رجل واحد.
    حتى يسهل على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يوجهّهم لما يريد.
    ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - تعرّف على خاصيةّ كلّ واحد منهم ، وما تميّز به ، وحاول أن يصيغ منه البطولة ، كأنه تفرّع كله لصياغة رجل واحد منهم.
    هذه سنته. وهذه رسالته. وهذه مدرسته.
    تربية لرجل الشارع ، وإعداد للأمراء ... فإذا انشغل الأمراء - في أي عصر ومصر - عن منهجه - صلى الله عليه وسلم -
    فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما ... استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
    يبقى دور الدعوة والدعاة.
    هل انحصر مجالها في بيان (العاديَّات) من الأمور ؟
    هل سنبقى خدماتهم في بيان كيف تأكل ، وماذا تلبس ، لإحياء سنته - صلى الله عليه وسلم - ؟
    إذا عشت لهذا الأمر فسوف تجد آذانا واعية.
    وأنت تستثمر المسموح به من الدعوة.
    أما تجربتي الطويلة في حقل الدعوة فتحمل الكثير.
    اجتهد في الدعوة إلى الله. فهي رسالة هذه الأمة.
    ادع إلى أكل الحلال. كُلْ حلالا ، ثم كُلْ كيف شئت, لا تضركْ طريقة الأكل.
    أكل الربا لا تستقيم معه سنّة ، ولا تقبل معه فريضة ، ولا يرفع من آكله دعاء.
    وفي حديث مسلم عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
    "ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ". (مسلم. 1686).

    (1/119)

    كُلْ حلالاً ، ثم كل كيف شئت.
    وليعلم الذين يعملون في حقل الدعوة ، أن الدعوة إلى أمر نأخذ حكمه - كما سبق أن بينت.
    فمن دعا إلى فريضة ، أو نهى عن فاحشة ، فأجره أجر الفريضة.
    وله مثل أجر من عمل بها.
    ومن دعا إلى نافلة أو نهى عن مكروه ، فأجره أجر فاعل النافلة.
    فتخير عظائم الأمور ، واشغل الناس بها.
    فالإسلام بضع وسبعون شعبة ، أعلاها لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق - كما سبق أن بينت - فتخير الأمور الكبيرة.
    وعدونا واحد. فأنت وزميلك كلاكما يقاتل عدوا واحدا.
    أيكما أصاب العدو نجا صاحبه.
    هذا إذا كنتُ أنا وأنتَ نعمل لخدمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنته.
    وعلى هذا ربانا فضيلة الشيخ خلف السيد وكيل الأزهر الشريف.
    وكان زميلي يومها في الدعوة الأستاذ الدكتور كمال مصطفى محمد أستاذ الدعوة الإسلامية بأمِّ القرى - غفر الله له - وتطيبقا لهذا المنهج قام الدكتور كمال مصطفى بتدريس منهجى في الاستدلال على وجود الله ، الذي أعددته لطلاب جامعة القاهرة 1973م. درسه لتلاميذه في كلية الدعوة بالأزهر.
    إن ألف عازف أو يزيدون في (سينفونية) واحدة ، ومع ذلك لا تسمع إلا صوتاً واحدا.

    (1/120)

    فمتى ينسجم الدعاة في بيان كلمة الله.
    ويشغلون الناس بالأمور الكبيرة ؟
    * * *
    * الثعلب والنعامة
    النعام أكبر طائر على الأرض ، فيما تعلم وهو طائر لا يطير ، لكبر حجمه. لكنه أسرع مخلوق يجري على قدمين - كما يقول الأستاذ يوسف الأناس بمجلة العربي. فهو يجري بسرعة 60 كيلو في الساعة - وارتفاع النعام يبلغ مترين ونصف المتر. ووزنه يصل إلى 150 كيلو غرام. ومع ذلك فرأسها العالية لا تزيد عن نصف كيلو. وبصرها حاد جداً. فإذا جمعنا بين ارتفاع النعامة 2.5م وارتفاع الرأس الصغيرة ، وحدّة البصر الشديدة ، أمكننا أن نعلم سر كشفها للعدو من بعيد ، بحيث يشعر الحيوان - في الصحراء - بالأمان بجوار النعامة - كاشفة الأعداء ، بطريقة الإنذار المبكِّر.
    تصورت وأنا أقرأ هذه المعارف ، عن آية من آيات الله في الصحراء ، وهي النعامة ، أن الثعلب ضاق بها ذرعا ، فهي تكشفه ، فيفر صيده.
    فتظاهر الثعلب بالمرض الشديد ، وأرسل إلى الحيوانات يطلب منهم أن يقدموا له رأس النعامة ، فدواؤه في رأسها.
    وسوف يترك الثعلب جسد الناعمة ، وهو ثروة غذائية كبيرة.
    وسألت الحيوانات عن ثمن رأس النعامة ؟
    فأخبرهم الثعلب : أنَّ كل قوى الصحراء ستسالم الحيوانات.
    فهم في الأصل إخوة وإن اختلفت صورهم.

    (1/121)

    وتساءل الجميع :
    ما قيمة رأس النعامة إذا بقى جسدها الكبير لهم ؟
    إن الحيوان يفكر بمنطق البطن.
    هل يمكن أن نُقسّم هذا الطائر ، لتعيش الصحراء في أمان ؟
    هل ... هل ... تساؤلات ... وتساؤلات.
    تركتُ عالم الصحراء وما فيه من مؤامرات.
    ورجعت إلى مكتبي.
    وطلبت من القارئ الكريم أن يرجع معي إلى "سُلَّم أخلاق النبوة"
    لقد عشنا مع منهج القرآن لتربية النبي - صلى الله عليه وسلم -
    عشنا مع نماذج قرآنية في الموضوع.
    ولكن هل يكفي أن يُطلع الله نبيه على الخبر ، ثم يتركه يعاني صراع الدعوة وحده ؟
    إن مكر الباطل ، وحيله ، ومساوماته ، أمر خطير.
    من هنا كان لابد من تثبيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على الحق.
    {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} (سورة الإسراء 73)
    * مساومات
    أيقنت قوى الباطل من حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على هدايتهم ، وضرورة اتباعهم ، وأيقنت أن المستقبل لدعوته.
    فلماذا لا تساومه على أن يتنازل عن بعض ما يدعو وكل تنازل من أصحاب الحق يُعَدُّ مكسباً للباطل.

    (1/122)

    {قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ}
    قلب جائر. فلماذا تدعون إيمانكم بالقرآن الجديد ، مع أن تجربتكم مع القرآن المنزل من عند الله هو الكفر والعناد.
    أتقبلون القرآن الجديد إذا كان من عند الله.
    ثم إذا كان سيتبع من وحي نفسي ؟!
    {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (سورة يونس 15)
    ومرة ثانية جاءوا بطلب أقلّ جرُما من طلبهم الأول.
    جاءوا بمساومة اجتماعية ، يطلبون فيها أن يجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم مجلساً خاصاً لا يشاركهم فيه فقراء المسلمين هنا يحاول أحدنا أن يقارن بين طلبهم وبين إسلامهم.
    ماذا على النبي - صلى الله عليه وسلم - لو قسّم أيام الأسبوع بين جموع المستضعفين ، وسادة قريش ؟
    إنهم في هذه المرة لا يطلبون "رأس النعامة" بل ريشها.
    ولكن السماء لا تعرف المساومات في الحق.
    إن الحق شيء واحد. فإما أن يقُبل كلّه ، أو يتُرك كلّه.
    {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ؟! (سورة البقرة 185)
    لقد نزل رفض طلبهم آيات متعددة ، من القرآن الكريم ، منها.
    {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (سورة الكهف 28)
    مجالسة الأغنياء ، وأصحاب الجاه.

    (1/123)

    ولا يفهم أحد من هذا النهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رغبت نفسه في تحقيق مطلبهم. بل هو كالنهي في قوله تعالى : {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (سورة الزمر 65) مع أن الله أعاذه من الشرك.
    - وطلب ثالث :
    وطلبوا منه أن يدخلوا معه في الإسلام ، على أن يجعل واديهم "بلدهم" حراماً ، كما أنَّ مكة حرام ، ليشيع في الناس احترامهم, يريدون "وادي ثقيف"
    وطلبت ثقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يترك لهم أصنامهم عاماً ، ليجمعوا ما يُهدى إليها من العرب ، ثم يدخلون الإسلام ، ويكسّرونها.
    طلبات كثيرة ، أو مساومات ونيل من الدعوة.
    بل قل : إنها تفتيت للرسالة. والحق لا يتجزأ.
    {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} (سورة يونس 32)
    - وهنا أسأل مرة ثانية :
    هل مجرد إعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأصول الأخلاقية ، يكفي لقيادة الركب إلى الله ؟
    إن الرحلة شاقة. والرسالة أمانة. والدعوة على بصيرة. وخلف النبي أمة كاملة سوف تقتدي به ، وتهتدي بهديه.
    والميل القليل من صاحب الرسالة كبير.
    شدة القرب تولد المؤاخذة.

    (1/124)

    * القرب والمؤاخذة
    أكرر : أنَّ شدةَ القرب من الله تقتضي المؤاخذة.
    وليس كما يتصور كثير من الناس ، أنها تقتضي العفو.
    وفي الأيام الأولى من الوحي أنزل الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} (سورة الحاقة 44 - 47)
    مجرد أن يقول كلمة وينسبها إلى الله ، من غير أن يقولها الله له ، يأخذه الله باليمين - بالقوة - لأن اليمين رمز للقوة.
    {ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} عرق الحياة. فما تستطيع كلّ الأمة أن تحميه من عقاب الله له.
    والوتين شريان في القلب يموت الإنسان بقطعه.
    وقال مجاهد هو النخاع.
    وهذه سُنَّة الله مع أصحاب الرسالات. لأن كذب أصحاب الرسالات كمن يقف على رأس طريق يدل الناس. فإن أخطأ دلالة الطريق ، فكلما زاد جهد من استرشد به ، كلما زاد بُعداً عن هدفه.
    فمن أراد بلداً في المشرق ، ودلّه غبي إلى المغرب ، فكلما جد المسكين وأسرع ، زاد بُعده عن هدفه.
    * شدة القرب تسبّب المؤاخذة
    لقد أكل آدم من الشجرة ناسياً
    والأصل في الناس العفو. وعدم المؤاخذة
    ولكن شدة القرب من الله سببت المؤاخذة.
    {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} (سورة طه 115)

    (1/125)

    - يوسف - عليه السلام - طلب من الرجل الذي ظن أنه ناج أن يعرض قضيته على الملك ، فقد طال سجنه ظلما ، وعندما يطلب البريء إثبات براءته لا شيء عليه.
    {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}.
    {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)}.
    {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)}.
    فطلب إثبات البراءة من يوسف - عليه السلام - أمر مطلوب . ومع ذلك آخذ الله يوسف - عليه السلام - لأنه طلب ذلك من البشر.
    والله يريد أن يجرد أنبياءه من طلب شيء من غيره.
    فقضاء حوائجهم بيده وحده ، وهذا من شدة قربهم.
    {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)}.
    رابعا : ونساء النبي جعل الله قربهن من النبي - صلى الله عليه وسلم - سببا في مضاعفة العقوبة عليهن إن أتين بفاحشة.
    {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}.
    فشدة القرب تسبب المؤاخذة.
    من أجل ذلك حفظ الله النبي - صلى الله عليه وسلم - من فتنة أهل الباطل ، فلم يركن إليهم حتى ولا شيئا قليلا ، وذلك لعصمة الله له ، وسلامة فطرته.
    {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)}.

    (1/126)

    * أسلوب الآية الكريمة
    كما أن الآية الكريمة بينت حفظ الله - سبحانه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الميل لاقتراحات المشركين ، مع محاولة إغرائهم للنبي باعتناق دعوته.
    فقد بينت الآية أيضاً عظمة النفسية المحمدية ، وصلابتها.
    أولاً : الامتناع. المفهوم من سياق الآية.
    ثانياً : فعل المقاربة "كدت"
    يعني لولا تثبيت الله لك لقاربت الركون
    فلم يقل له : لولا أن ثبتناك لوقعت. بل لقد كدت تقع.
    ثالثاً : تقليل الركون المستفاد من كلمة (شيئاً)
    رابعاً : وكلمة قليلاً في وصف الشيء وكلمة (لولا) حرف امتناع لوجود.
    والمعنى : لولا أن ثبتناك لتحقق قرب ميلك ولكن امتنع ميلك القليل لتثبيتنا لك". (التحرير والتنوير حـ 15 صـ 176)
    لا بدَّ من تثبيت الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ولأصحاب الدعوات المخلصين بعده ، لأن التنازل عن "رأس النعامة" وهي الطائر الكاشف للعدو ، لا تقاس الخسارة بحجم الرأس للجسد ، ولكن يُقاس بفقد الأمان.
    وخسارة الإنذار المبكر ، وللنبي المثل الأعلى - صلى الله عليه وسلم - إن الله لم يُضيّع محمداً - صلى الله عليه وسلم - صبياً يتيما ، لن يُضيّعه نبيا.
    {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} (سورة الضحى)
    * * *

    (1/127)

    الجزء الثاني مكارم الأخلاق وكيف تممها النبي - صلى الله عليه وسلم -
    إنّما بُعثت لأُتّمم مكارم الأخلاق.
    البخاري في كتاب الأدب المفرد والحاكم في المستدرك

    (1/129)

    أعلى درجات السلم
    كيف تّمم النبي مكارم الأخلاق ؟
    * (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
    * حفظ الله القرآن ليُخلّد جهود الأنبياء جميعاً.
    * التوارة - التي بين أيدينا ولُعْبَةُ هدم القدوة.
    * الأخلاق عند السيد المسيح - عليه السلام - غارقة في الروحانية ، لتعالج غرق اليهود في المادِّية.
    * دور الأخلاق في تأديب المخطئ ، وليس في العفو الدائم عنه.
    * المال بين المثالية والواقعية.*
    * المال - في القرآن - خير. إذا استوفى شروطه.
    * السفيه يسرق حذاء من المسجد ، ويهودي يضع نظرية في الاقتصاد ، فيسرق نصف أموال الدنيا.
    * السمنة والورم. من يمكنه أن يُفرّق بينهما ....
    وأبحاث أخرى.

    (1/130)

    * كل نبي على خلق عظيم
    عهد القرآن شهادة حق ، عن الله - سبحانه - أن كل الأنبياء على خلق عظيم. وأن اله قد اختار بعضهم وجعل منه قدوة للنبي - صلى الله عليه وسلم - {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (سورة الأنعام 90)
    ولم يكد يدعو القرآن لمكرمة أخلاقية إلا وجعل منها صفة عملية لخُلق نبي من الأنبياء. بل إن تكامل أخلاقهم هو عامل من عوامل اختيار الله لهم {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} (سورة الأنعام 124)
    وشهادة القرآن لكمال أصحاب النبوات ، يمثل فارقا كبيراً بين القرآن الكريم وبين التوراة - التي بين أيدي الناس - والتي لم تترك نبيا من أنبيائهم إلا ونسبت إليه من النقائص ما لا يليق برجل الشارع.
    وذلك حتى تقضي اليهودية على المثالية ، فلا يقف شيء أمام اليهود ، يُحدّ من نشاطهم لجمع المال ، حتى يقيم لليهود دولة.
    وقد جمعتُ هذه الافتراءات في كتابي "هذا نبيك يا ولدي"
    وبينت موقف القرآن منها.
    ومن أجل الجهود الكبيرة التي بذلها الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - في خدمة الحق.
    ودفاعاًَ عن سيرة الأنبياء المظلومين ، حافظ رب العالمين على القرآن بنفسه.
    {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (سورة الحجر 9)
    فما دور النبي - صلى الله عليه وسلم - في إتمام مكارم الأخلاق ؟
    الذي وصلتُ إليه في دراستي :

    (1/131)

    أن الأخلاق قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت أخلاقا مثالية فقط.
    أخلاقا لم تراع الطاقة الإنسانية المحددة. وما فيها من متقابلات. كالخير والضر ، والقوة والضعف ، والشهوة والروح.
    كانت الأخلاق - قبل الإسلام - أخلاقا ملائكية في سلوك بشري.
    وأقرب الأنبياء إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - هو أخوه المسيح - عليه السلام - من ناحية الزمن.
    ودعوة المسيح الأخلاقية دعوة غارقة في المثالية ، لتواجه الإغراق المادي عند اليهود.
    كما يقول أستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي.
    الأخلاق التي دعا إليها المسيح لا يقوى المأمور بها على تنفيذها.
    فهي مثالية تتوج مجالس الكرماء بالحديث عنها ، تم تنفض المجالس ، وتنتهي الأخلاق.
    يقول السيد المسيح :
    "أحبّوا أعداءكم ، وباركوا لاعينكم ، وصلُّوا من أجل الذين يسبونكم" ..
    ويقول : "إذا ضربك رجل على خدِّك الأيمن ، فأدر له خدَّك الأيسر"
    مثالية مطلقة ، لا يقوى عليها المخاطبون بها ، والأخلاق لم يشرعها الله - سبحانه - ليجعل منها وسيلة للعفو عمَّن ضربني فقط ... ولكن شرعها - سبحانه - لتعالج من أساء وضربني.
    فليس كلّ الناس يُصلحهم أن أدير لهم الخدَّ الأيسر.
    فهل العفو المطلق ، وإدارة الخد الآخر ، ستعالج من يعتدي على الناس ؟
    * فلنبحث معاً عن المتمم - صلى الله عليه وسلم - ودوره.
    جاء الإسلام لينتقل بالأخلاق من المثالية المطلقة ، إلى الواقعية المثالية.

    (1/132)

    التسامي في حدود البشرية. أو قل : أخلاق للجميع.
    جاء النبي ليُبين أن الكمالات نهر واسع ، لا يمكن لأحد من البشر أن يستوعبه كله ، فليشرب كل إنسان على قدر استعداده.
    {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} (سورة البقرة 265)
    الكمالات ظلال لأسماء الله الحسنى ، وأنت بشر ، فلا تطلب ممن عرفته أن يشرب النهر كله. حتى ولو كان من دعاة الفضيلة ، ورجالات الأخلاق.
    * الذين يتطوعون بالمثالية.
    على أن بعض الجماعات المسلمة قد أجهدت نفسها ، وألزمت نفسها بالمثالية, لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتنازل في كثير من سلوكه عن المثالية.
    لقد تحمل غُرم الإسلام ، وجعل غُنْمه للمسلمين.
    وتحمل نفقات الدعوة من مال زوجته السيدة خديجة - رضي الله عنها - ومن مال أصهاره أبي بكر وعثمان - رضي الله عنهما - ولما شرع الإسلام الصدقة. وفرض الزكاة ، حرمهما النبي - صلى الله عليه وسلم - على نفسه ، وعلى آل بيته. ولم يجعل الغنُم بالغُرم.
    وقد قرأت في كتاب مدارج السالكين للإمام ابن قيم الجوزية :
    دعوة إلى ما نسميه "الأخلاق المثالية"
    قال : أنْ تقرِّب من يُقْصيك - أي يباعدك عنه - وتُكرمَ من يؤذيك ، وتعتذر إلى من يجني عليك. سماحة لا كظماً ، ومودة لا مصابرة ثم قال :
    إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
    ثم يقول : إن الذي جنى عليك فعل ذلك لذنب ارتكبته.

    (1/133)

    {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (سورة الشورى 30)
    فأنت الجاني في الحقيقة ، لأنك أنت البادئ بالمعصية.
    وما وقع بك عقوبة عليها. هذا رأيهم ومعلوم من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جاء بالواقعية المثالية ، ولكنه التزم مع الله بالمثالية في أكمل صورها ، وإن كان لم يطلب من أمته. الالتزام بها.
    وبعد :
    إن الإسلام أتى من الأخلاق بما يُطاق.
    فلم يطلب منك أن تدير الخدَّ الأيسر إذا ضربك رجل على الخد الأيمن ، إلا إذا عرفت أن الذي أخطأ معك في حالة انفعال أفقده الصواب ، وأن عفوك عنه سيصادف نفسا طيبة ، تعيده إلى صوابه. {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}
    (سورة فصلت 34)
    هذا طراز من الناس ، يخطئ ، ولكنه سرعان ما يعود لرشده ، وتثمر فيه المروءة ، فيعيش وفيًّا لمن عاقبه بالعفو عنه.
    ولمثل هؤلاء شرع الله العفو عن الناس ، وتولي جزاءهم.
    إن مثالية السيد المسيح - عليه السلام - تصلح مع هذا الطراز من الناس. ولكن ليس كل الناس كراما. فكثير من الناس لا يُصلحهم العفو عنهم بل يعيثون في الأرض فسادا إذا لم تقلم أظفارهم ، ولا أحد يحب العفو أكثر من الله ، ومع ذلك نراه يعاقب ، يعاقب ليعالج الجاني ، أو ليعالج به الآخرين.
    أو ليمسح الآلام عن مظلوم لم يتب ظالمه.
    والأخلاق الإسلامية لا تطلب من المسلم أن يحب عدوه ، وتكتفي منه بالعدل معه. مما جعل سجل القضاء الإسلامي حافلاً بصور من العدل ، بين المسلمين وغيرهم.

    (1/134)

    بل بين بعض القادة الفاتحين ، وأبناء البلاد. وقصة ابن عمرو بن العاص مع المصري ، غير بعيدة عن الأذهان.
    إن ثقة القبطي في عدل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جعلته يتحمل صعاب السفر من مصر إلى المدينة المنورة.
    لم يكن مقامراً بهذا السفر البعيد ، ولكنه كان واثقاً من عدله.
    * نُصرة عمر
    - نصره عندما أرسل لواليه على مصر ليحضر إلى المدينة. لمجرد دعوى من قبطي ، لم يُحضر معه أحد من الشهود. فمجرد الحضور عقوبة في ذاته.
    - ونصره عندما حكم له بالقصاص من ابن عمرو. ابن والي مصر وحاكمها.
    - ونصره عندما عنف عمرو بن العاص بكلمته المشهودة : "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
    وبعد أن أخذ القبطي حقه ، قال له عمر :
    اضرب عمرو على صلعته لأن ابنه لم يفعل ما فعل إلا لأنه ابن عمرو.
    ابن الوالي.
    فقال القبطي : لا أضرب إلا من ضربني.
    وشكوى القبطي عمرو بن العاص أمام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دليل أيضاً على ثقة القبطي في عدل والي مصر ، وأنه لن يضيق عليه
    إذا عادا لمصر.
    - واقعية مثالية ، أو مثالية واقعية.
    أمر بالعدل مع العدو. وألزم الأمة بهذا العدل عندما جعله
    تشريعا له قداسته ، وجعل الأمة مسئولة عن تنفيذه.
    وليس مجرد شعارات. فما أرخص الشعارات.
    وملَّف القضاء - كما قلت - يشهد بعدل الإسلام مع أعدائه. حتى ولو كان الخصم هو الخليفة - الحاكم الأعلى -

    (1/135)

    أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يفقد درعه في معركة صفين.
    ويرى الدرع عند نصراني. فيرفع أمره للقاضي شُريح ،
    الإمام : الدرع درعي. وأنا لم أبعه ، ولم أهبه.
    النصراني : أمير المؤمنين ليس كاذباً. ولكن الدرع درعي.
    القاضي : هل مع أمير المؤمنين بينة ؟
    الإمام : لا. ثم يضحك. ويقول : أصاب القاضي.
    فيقضي شريح بالدرع للنصراني. لأنه تحت يده.
    يقول ابن كثير في البداية والنهاية : لم يمش النصراني خطوات حتى عاد يقول : أما أني أشهد أن هذه أحكام أنبياء. أمير المؤمنين يدينني عند قاضيه ، فيقضى لي عليه !!
    أشهد أن لا إله إلا الله. وأن محمداً رسول الله.
    الدرع درعك يا أمير المؤمنين. اتبعت الجيش وأنت منطلق من "صفين" فسقط من بعيرك.
    فقال الإمام عليّ : أما إذ أسلمت فهي لك.
    ونماذج كثيرة أفرد لها بعض الكتاب مؤلفات طوال.
    - ومن عدل الإسلام مع أعدائه المساواة في الحقوق والواجبات.
    فلهم ما لنا ، وعليهم ما علينا ، إلا ما يلزم أن يتولاه مسلم ، لمساسه بأمور الشريعة كالإمامة. لأن الخليفة يخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يكون إلا مسلماً.
    والقضاء لما فيه من أمور الشريعة. وولاية على المسلم.
    ما مصادر العيش ، وما يجيدونه من فنون الثراء ، فالإسلام لا يُضيق عليهم.

    (1/136)

    وقد ذكرت في كتابي "هذا نبيك يا ولدي" أن الإسلام أعطى أهل الكتاب حقوقا لم يعطها للمسلم.
    من ذلك أن الإسلام اعترف بمالية الأمور التي اعترف دينهم بماليتها.
    وأجاز لهم ملكيتها ، وحماها لهم.
    فمن اعتدى على خمر أو خنزير لمسلم وأتلفه لا يحكم الإسلام للمسلم بالتعويض المادي. ولا يعاقب الفاعل ... أما من اعتدى على خمر أو خنزير لأحد من أهل الكتاب - في بلاد الإسلام - يُعاقب ويُغرم.
    وهذا مذهب الأحناف.
    حتى الكلمة التي تسيئه لا يجوز للمسلم أن ينطق بها احتراما لذمة الله ، وذمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، هذا ديننا.
    لم يأمرنا أن ندير له الخدَّ الأيسر ، إذا ضربنا على الخد الأيمن ،
    كما قال السيد المسيح - ولم يأمرنا بحب أعدائنا ، ولكن أمرنا أن نرعي شيخوختهم وعجزهم. رعاية ينص عليها التشريع الإسلامي ، نصاً صريحاً ، عندما أمرنا بالوفاء بالعقود.
    جاء في كتاب "الخراج" لأبي يوسف - صاحب أبي حنيفة - رضي الله عنه - صـ 144 إن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - عندما كتب عقد الذمة لنصارى الحيرة بالعراق قال : وجعلت لهم. أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات ، أو كان غنياً فافتقر ، وصار أهل دينه يتصدقون عليه ، طرحت عنه جزيته ، وعيل من بيت مال المسلمين ، هو وعياله.
    وقد كتب خالد لأبي بكر - رضي الله عنه - بهذا العهد فأقره ، وأقره من بجواره من الصحابة ، فأصبح إجماعاً. والإجماع مصدر من مصادر التشريع.
    وهذا ما فعله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع اليهودي الذي أقعدته الحاجة عن الكسب.
    وقال ما أنصفناه ، عندما أخذنا منه الجزية شابا ، ثم نخذله عند الهرم.

    (1/137)

    وقد وضح الشيخ الرملي - رحمه الله - أن لهم حد الكفاية ، وليس ما يسد الرمق فقط. ويلحق بالطعام والكسوة ما في معناهما ، كأجرة الطبيب ، وثمن الدواء ، وخادم منقطع لخدمته ، بل زاد الشيخ الرملي بضرورة فك أسراهم ، لو وقع أحدهم في الأسر. "غير المسلمين للدكتور يوسف القرضاوي"
    * واجب الضيافة بين الكرم والقضاء
    عرفنا أن لأهل الكتاب حق العدل مع المسلمين. بل رأيناه مع الخلفاء - كما في :
    - قضية سيف سيدنا عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
    - ولهم تأمين مستقبلهم ماديا - كما رأينا في معاهدة خالد بن الوليد ، وتصرف عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - مع الرجل اليهودي وهذا سلوك دولة ، وليس شعارات للانتخابات. وتلبية لأوامر الله - سبحانه - وليست شفقة المنتصر.
    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (سورة المائدة 8)
    أما عندما أقرأ عن موضوع استضافة المسلم لغير المسلم ، استضافة يفرضها الشرع الحكيم ، فهذا أمر يحتاج إلى دراسة.
    في كتاب شرح الشروط العمرية لابن قيم الجوزية تحقيق الدكتور صبحي الصالح صـ 128 قال : في موضوع ضيافة المسلم لغير المسلم : "وتجب الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار ، لعموم الخبر.
    واستدل على وجوب ضيافة المسلم وغير المسلم لقوله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الضيافة حق واجب على كل مسلم.
    فدل الحديث على أن المسلم والمشرك يُضيّفان.

    (1/138)

    بل إنه قال أي ابن قيم الجوزية : وإذا نزل يه الضيف - مهما كان دينه -
    ولم يضيفه كان دينا على المضاف - صاحب البيت - وللضيف أن يطالبه به قضاء ، وله أن يتنازل. هذا رأي بعض الأئمة.
    وجاء في كتاب (إغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية) حـ 2 صـ 75 مثل هذا الكلام مفصلاً.
    فقد ذكر في مقام حديثه عن الحقوق التي يجوز للإنسان أن يأخذها النكاح والقرابة والضيافة.
    قال : وفي هذه الأمور يجوز للإنسان أن يأخذ بقدر حقه.
    وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يضيفوه أن يعْقُبّهم في مالهم بمثل قِرَاه.
    كما في الصحيحين عن عقبة بن عامر قال : قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - "إنك تبعثنا فتنزل بقوم لا يقرونا ، فما ترى ؟
    قال لنا : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا. فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم.
    وفي مسند الإمام أحمد : من نزل فعليهم أن يقُرْوه. فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قِرَاه "المسند عن المقدام أبي كريمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -" وفي المسند أيضاً عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ قراه ، ولا حرج عليه.
    ويؤكد هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"
    وأستدل بوجوب الضيافة - من قال بوجوبها بإباحة العقوبة عند منع الكرم. والثاني قول النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الليلة الأولى
    "فما سوى ذلك صدقة" فدل ذلك على أن الليلة واجبة وسواها صدقة.
    وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "ليلة الضيف حق"
    وفي رواية : ليلة الضيف واجبة.

    (1/139)

    وهذه الأحاديث تدل على كرم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، الذي جعل إكرام الضيف واجباً.
    وجعل الضيف صاحب حق في الكرم.
    وعموم العلماء يرون الضيافة نوعاً من الكرم وليست واجبة.
    نعود إلى ابن قيم الجوزية في شرح الشروط العمرية :
    قال : والضيافة الواجبة يوم وليلة. وتمتد إلى ثلاثة أيام صاحب البيت.
    وإذا كان الضيف مريضاً ، أو مرض في ضيافتهم ، فله الرعاية ، لأنه أكثر احتاجاً لها ، من الطعام والشراب.
    فإن زاد عجزه عن السير عن ثلاثة أيام ، وله ما ينفقه على نفسه ، لم يلزمهم القيام بنفقته. ولكن تلزمهم المعونة والخدمة ، وشراء ما يلزمه على نفقته - أي نفقة الضيف. وإن لم يكن له ما ينفق منه على نفسه ، لزمهم القيام عليه ، حتى يبرأ أو يموت.
    فإن أهملوه وضيعوه حتى مات ضمنوا دينه. هذا مذهب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد مر رجل بقوم في عهد عمر - رضي الله عنه - فطلب منهم السقاية ، فلم يسقوه حتى مات ، فغرمهم عمر ديته !!
    * هذا ديننا
    الضيافة حق. فإن قصر الموسر فللضيف أن يطالب بحقه ، أو يعفو عنه.
    حق وليست تطوعا - كما يعتقد كثير من الناس.
    أما المريض فله حقوقه ، من الرعاية ، حتى ينتهي مرضه ، ولا عبرة باختلاف الدين.
    مرة ثانية أقول : هذا ديننا الذي نزل في الصحراء !!

    (1/140)

    في هذه الصفحات
    * السيد المسيح يُعالج الغرق المادي.
    * الرسول الأعظم يربي الأغنياء.
    * تصور الإسلام للمال.
    * سورة المسد تُبيّن ملامح الدين الجديد.
    * قدرة الله ، وسنّة الله متلازمتان.
    * غنائم بدر أوَّل تجربة للمسلمين.
    * صدقاتنا متى تخدم دعوتنا ؟
    * من التجارب الحيَّة التي عشتها.
    * مَن لهؤلاء الشباب ؟
    * أرباح البنوك الربوية أين تذهب ؟
    * المال بين الفردية والجماعية.
    * أموال السفهاء ودور الجماعة في حمايتها.
    * أموال اليتامى هل فيها زكاة ؟
    * والتضخم وخطره على مال اليتيم.

    (1/141)

    * الغني بين المثالية والواقعية
    مرة ثانية نلتقي مع السيد المسيح - عليه السلام - وهو يحاول هدم صرح المادّية ، التي تمكنت من نفوس اليهود. ليقيم على أرضها عالم المثالية الأخلاقية. هذا العالم الذي لا يجاوز دائرة النفوس وطاقاتها.
    نلتقي مع موقف المسيح من المال. ومن الأغنياء.
    في إنجيل متّى إصحاح 19 آية 23 جاء قول المسيح لتلاميذه :
    " الحق أقول لكم ، إنه يعصر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات ، وأقول لكم أيضاً : إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله ".
    إن السيد المسيح يعالج قضية قديمة ، قضية متأصلة في المجتمع اليهودي.
    وهي قضية عبادة المال ، وليس ملكية المال.
    وقد شهد القرآن بتمكن المال من نفوس اليهود ، عندما حكى قصة الملك طالوت ، في سورة البقرة آية 247 وسوف تأتي.
    فقضية المال تمكنت من نفوس اليهود جعلهم يبيحون كل شيء.
    بل إنهم تفاخروا بأموالهم على الله - سبحانه - {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} (سورة آل عمران 181) فهم يعبدون المال. أكثر مما يملكونه.
    وعندما أرسل الله إليهم مَلكاً يقودهم للنصر ، ويخلصهم من الذل ، ويعيدهم إلى ديارهم وأبنائهم ، اعترضوا على اختيار الله - سبحانه - بأن هذا الملك لم يؤت سعة من المال.

    (1/143)

    {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}
    لهذا - ولأكثر منه من مفاسد - أغلق المسيح ملكوت السموات في وجوه الأغنياء من اليهود.
    * ثم جاء محمد - صلى الله عليه وسلم -
    جاء ليتمِّم مكارم الأخلاق.
    جاء ليجعل الأخلاق واقعية مثالية.
    جاء ليصنع طرازاً من الأغنياء على يده ، ويربيهم برعايته ، كما ربَّى القادة ، والأمراء.
    وكما ربَّى الخلفاء الراشدين ، فكل لما تربَّى له. فلننظر ماذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في تربية الرأسمالية الإسلامية.
    أولاً : وضح مفهوم المال في الإسلام.
    * المال خير.
    ولكن الإنسان - في هذا الدين الجديد بما في قلبه ، لا بما في يده. ومن أوائل السور نزولاً سورة المسد ، فقد نزلت بعد المدَّثر والفاتحة.
    نزلت في عم النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبب كلمة حمقاء ، قالها الرجل في ابن أخيه. هذا هو سبب النزول. ولكن مقاصد السورة أكبر.
    لقد نزلت لتبين خصائص هذا الدين وجوهره.
    فالإنسان فيه بما في قلبه ، وليس بما في يده.
    وأقرب الناس للنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما خلا قلبه من الإيمان لم ينفعه نسبه ، ولا ما في يده من مال.

    (1/144)

    {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ} وانتهى أمره ، وأُغلقت صفحته ، وانفضحت خاتمته وآخرته.
    * المال خير. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} (سورة العاديات 6)
    {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (سورة البقرة 180)
    وكان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - اللهم إني أسالك الهدى والتقى والعفاف والغنى (رواه مسلم)
    وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص "نعم المال الصالح للمرء الصالح" (رواه أحمد بسند جيد)
    فالمال جيد ، إن ملكه الإنسان من مصادر أحلها الله ، وكان سببا في حدوث الغنى النفسي عند مالكه. فإن خلت نفس مالكه عن الغنى النفسي فلا خير في ملكية الأرض كلها - وإن ملكها.
    "ليس الغني عن كثرة العرض ، إنما الغني غنى النفس".
    (رواه البخاري ومسلم)
    * غنى النفس
    وغنى النفس يزداد كلما شعر المسلم بفقره إلى الله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (سوة فاطر 15)
    وغَنِيُّ النفس يجود بما يملك ليقينه أن مصدره الحقيقي هو إيمانه بالله رزاقاً ، وليس ما في يده ، مما ينتهي بأقرب الأجلين.
    إما أن يفوتني بالخسارة ، وإما أن أفوته بالموت.
    - كما يقول الشيخ محمد الشعراوي.
    غَنِيُّ النفس - كما ربَّاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ينفق.

    (1/145)

    لأنه يؤمن أن لغة الأرقام التي نتعامل بها تختلف عنها عند الله.
    فأنت إذا أخرجت زكاة المائة دينار نقص العدد في لغة "الحاسوب" ولكنها لم تنقص في لغة السماء. وهي أصدق.
    قال - صلى الله عليه وسلم - "مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍة" (الترمذي زهد 17).
    ولم تنقص - حتى في عُرف رجال الزراعة -
    فمن خصَّص للبذور كمية من الحبّ ، ثم طرحها في الحقل ، فلا يمكن لعاقل أن يقول : نقص الحبّ. بل هو في الحقيقة قد زاد ، وتضاعف.
    {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (سورة البقرة 261)
    ولم ينقص المال بما يخرج من صدقة ، لأننا نرى المهندس يأتي على شجر الموالح وقد امتلأ أول الإنبات ، فيحاول أن يقلل العدد ، فيسقط كمية منه ، ليتوزع الغذاء على الباقي ، فيحسن نتاجه.
    فالمال خير. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ربّي نفوساً ملكت المال ، ولم يملكها.
    تحري الحلال في الكسب. فكان أحدهم يتعفف عما فيه شبهة.
    فضلاً عن التعفف عن الحرام البواح.
    ولست أعيش في الماضي فيعزلني بقصصه عن الحاضر ومشكلاته.
    أو يشغلني عن محاولة تقديم الحلول الإسلامية - في حدود معارفي -
    * ضيق الشباب لماذا ؟
    إن شيئاً من الضيق قد يصيب بعض الشباب المسلم ، عندما يرى قضية الحلال والحرام تَضيَّق الواسع أمامه - على الأقل في تصوره.
    إن زميله في التخرج من الجامعة ، شقَّ طريقه كيفما اتفق ، ولم يشغل باله بالحلال والحرام.

    (1/146)

    إن القلق الذي يصيب كثيراً من الشباب سببه أن الشباب يريد أن يحقق آماله بمعزل عن عنصر الزمن. مع أن سُنة الله في الكون أن تتحقق قدرة الله تعالى "التي تقول للشيء كن فيكون" تتحقق حسب "سُنّة الله" التي جعلت الزمن جزءا من الخلق.
    إن الله خلق الكون كله بقدرته. بـ "كن فيكون" ولكنه خرج إلى الوجود حسب "سنته" - سبحانه - التي جعلت الزمن جزءا من الخلق
    {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} (سورة يونس 3)
    إن الشجر ينبت بقدرة الله ، حسب سُنّة الله.
    والمرأة تحمل ، ويتكون الجنين بقدرة الله ، في مدة الحمل ، حسب سُنّة الله.
    وما كان الله ليطوى قانون سنته ، مجاملة لشاب مسلم {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (سورة الفتح 23)
    فليؤمن شبابنا بسنّة الله ، كإيمانهم بقدرته.
    إن سنوات الدراسة الطوال صبرنا عليها. ولم نحاول طيها.
    ومن حاول أن يطوي سنوات الدراسة عاش محدود المعرفة.
    وليعلم الشاب المسلم أن تعجل الرزق لا يعجله.
    يقول أستاذنا الدكتور يوسف القرضاوي :
    "إن خطر الحرص على الغنى قد يجعل الإنسان يستعجله قبل أوانه ، وأحكام الله القدرية والشرعية : أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بالحرمان منه.
    كما أن شدة الحرص - على الغنى - قد تجعل المسلم يفُرط أو يتساهل فيما لا بدَّ منه شرعا.

    (1/147)

    والذي لابد منه شرعاً أن تراعي شروط الكسب الحلال للمال ، وشروط تنميته ، وشروط إنفاقه ، فيكسبه من حلال ، وينفقه في حقه ، ولا يبخل به على مستحق ، ومراعاة هذا كله من أصعب ما يكون على النفس". (الفتاوي المعاصرة حـ 2 صـ 417)
    وعلى الشاب المسلم أن يتدرج في صعود السلم ، فلن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها ، "فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" - رواه ابن ماجة -
    شارِكْ من تعرف أصالتهم ودينهم وأمانتهم.
    واحذر من مشاركة من تدفعك الضرورة لمشاركتهم. مجرد الضرورة.
    فسوف تزول الضرورة ، ويبقى شريك السوء.
    ومن غشَّ غيرك غشَّك. ومن أكل الحرام ، لا يمكن أن يستغنى بالحلال ، فماء البحر لا يروي شاربه {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} (سورة الواقعة 55)
    والهيم مرض يصيب الجمال ، يجعلها تشرب فلا تشبع حتى تموت.
    * غني النفسي يترفع بصاحبه عن الحرام
    سبق أن قلت في الجزء الأول : إنَّ أخذ صدقة الفطر من الفقير - الذي لا يملك إلا قوت يوم العيد وليلته ، مسألة تربوية رفيعة.
    وهذا في بعض المذاهب.
    فالأصل أننا نجمع له الزكاة. أما أن نأخذها منه فلحكمة بالغة.
    إن الإسلام يريد أن يعود يده على العطاء في سبيل الله ، ولو مرة كل عام ، لأن اليد التي اعتادت أن تقدم ما تملك حِسبةً لوجه الله ، لا تقبل أن تمتد لسرقة ما يغضب الله. أو تمارس من الأعمال ما يغضبه - سبحانه - فالإسلام يدرب الفقير على العطاء. فكيف بأصحاب الأموال.
    القرآن يصف أحوالهم وواقعهم في مجال الإنفاق كما يصف المشاهد سيول الماء

    (1/148)

    تغمر المكان من كل جانب.
    والقرآن قال لهم {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} (سورة إبراهيم 31)
    وبمجرد أن سمعوا مثل هذا الأمر ونفوسهم تفيض بكل تملك ، فيض السيول الطافية. حرصا على رضوان الله. وجنته. حتى كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرد على بعضهم عطاءه ، لأنه لا حيلة له للكسب أن قبلها النبي. راجع في المصحف هذا الخضم من الآيات التي تصور التزامهم بأمره - سبحانه - بالمبالغة في العطاء. وسوف أدلك على سورها وأرقامها. آيات كثيرة ، ضرب الله فيها المثل الأعلى للذين يجعلون من أموالهم سبيلاً لربهم. وخدمة لدينهم ، وقنطرة للجنة. فهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} (سورة التوبة 11)
    يوم أن خيرهم المشركون بين مصادرة أموالهم والسماح بالهجرة إلى المدينة مع التنازل عن أموالهم. ففرحوا ببيع أموالهم لله {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (سورة الحشر 8) فأموالهم كانت تحيط بهم من كل مكان لكثرتها ، فأخرجوا منها : فقراء ، لأنهم باعوا أموالهم لله ، وتنازلوا عنها ثمنا لهجرتهم. وصحبتهم لنبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
    ولقد لقى النبي - صلى الله عليه وسلم - واحداً منهم ، مجرداً من كل ماله ، فقال النبي له : ربح صهيب. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - عالج أصحاب الأموال "الأغنياء" وجعل من مالهم وسيلة لفتح ملكوت السموات لهم.

    (1/149)

    فالصحابي - أبو طلحة - من أكثر الأنصار مالاً بالمدينة ، وكان أحب أمواله إليه "بير حاء" وكانت مستقبلة المسجد النبوي الشريف. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ، ويشرب من مائها الطيب.
    قال أنس بن مالك - رواي الحديث : فلما نزل قول الله تعالى : {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (سورة آل عمران)
    قال أبو طلحة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنَّ أحبّ أموالي إلىَّ (بير حاء) وإني جعلتها صدقة لله ، أرجو بها برها ، فأجعلها حيث أراك الله.
    فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : بَخٍ بَخٍ ، ذلك مال رابح.
    وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين.
    فقسمها أبو طلحة في أقاربه ، وبني عمومته (البخاري ومسلم)
    - قال عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - عندما نزلت الآية الكريمة السابقة. لقد راجعت كل ما أملك ، فوجدت أحب شيء إلى جارية رومية ، فقلت هي حرة لوجه الله - سبحانه - فلو أني أعود في شيء جعلته لتزوجتها. "ابن كثير في تفسير الآية" فالإسلام صنع الأغنياء كما صنع القادة والأمراء.
    صنع رجالاً ملكوا الدنيا ، وما ملكتهم. لأنها كانت في أيديهم ، ولم تكن في قلوبهم.
    والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يغلق ملكوت السموات في وجوهم ، ولك يُحرِّم عليهم جنات النعيم ، لأنهم ملكوا المال ، ولم يعبدوه.
    وسخَّروا أموالهم لخدمة دينهم ، ولم يسخروا دينهم لجمع أموالهم.
    فأصحاب الأموال الذين رباهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على يده ، علمهم أن المال مال الله {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (سورة النور 33)

    (1/150)

    وعندما اختلف المسلمون في غنائم بدر.
    فقال الشباب : نحن أولى بها لأننا قاتلنا ، وقال الشيوخ : نحن لم نقعد عن القتال. عندما حدث الاختلاف على المال ، نزع الله الغنائم منهم.
    وردها لله والرسول. وطلب منهم أن يتقوا الله ، فهذه أول تجربة لهم مع المال ، فلابد من الحسم في التربية.
    نزع الله الغنائم منهم ، وكلفهم أن يعيدوا وحدة صفهم ، وأن يصلحوا ذات بينهم فوحدة الجماعة أحبُّ إلى الله - تعالى - من كل أموال الدنيا وفي السورة الكريمة نفسها {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة الأنفال 63).
    فوحدة الأمة خير من كل أموال الدنيا.
    والطاعة لله ورسوله ، وإصلاح ذات بينهم ، دليل على الإيمان مع الشدة في الأسلوب في قوله تعالى {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (سورة الأنفال)
    فلما عاد النفوس إلى رشدها ، وصفائها ، وزالت سحابة الصيف - كما يقولون - أعاد الله الغنائم لهم ، على منهج الله في التقسيم. للمقاتلين أربعة أسهم تقسم بينهم ، والخمس الباقي للمحتاجين.

    (1/151)


    فموضوع غنائم بدر عملية تربوية عالية ، ساقها القرآن في أول تجربة للمسلمين. وأظنها لم تتكرر. أما ما حدث من المؤلفة قلوبهم بعد ذلك فهم حديثوا عهد بالإسلام.
    وبعد : فهكذا ربي النبي - صلى الله عليه وسلم - أغنياء أمته ، ربي الرأسمالية الإسلامية ، كما ربي القيادات الإسلامية ، والأمراء الإسلاميين "وكل ميسر لما خلق له"
    ربي الرأسمالية الإسلامية ، لحاجة الناس ، لحاجة الدولة ، ولحاجة الدعوة ، للمال. أليس المال خيرا ؟
    ألم يمنّ الله على النبي {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} (سورة الضحى) والغني الذي يمتدحه الإسلام ، ويطلبه النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعائه هم غني النفس ، "اللهم إني اسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى"
    وغنى النفي - كما بينت - هو الشعور بالفقر لله - سبحانه -
    وللفرد حقوق في الملكية ، تجعل حارسة لماله. ومصالحه.
    وللجماعة حقي في الملكية ، تجعل الفرد في خدمة الجماعة. فلا تعسف في استخدام الحق ، ولا استثمار فيما يضر الجماعة - كما سنعرف - إن شاء الله -
    مرة ثانية أكرر. هكذا بني - صلى الله عليه وسلم - ملائكة البشر ، وبني مُؤدّبي الجبابرة ، وبني ملوك الدنيا. الذين ملكوها وما ملكتهم.
    كل هذا وهو يربي الجموع المسلمة على ضرورة غسل اليدين قبل الأكل وبعده. وأن يتفسحوا في المجالس. فلا ينشغل دعات الحق بالعاديات والتحسينيات عن تربية الناس على الأمور الكبيرة.
    فليس للحق حراس سواكم.

    (1/152)

    * صدقانتا ... إلى أين ؟ ولمن ؟
    إن الغني الذي رباه الإسلام - في كل عصر - ينفق حق الله ، وكل ما تحت أيدينا هو حق الله. فالله - سبحانه - هو المالك لكل ما في الكون.
    {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (سورة النور 33)
    فالمال مال الله.
    وكثير منهم يصادف الأفضل في مجال الإنفاق فينفق عن وعي ، لفقه الأولويات.
    {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (سورة البقرة 215)
    ولكن كثيراً من المسلمين مع أن فيه خيراً ، ولكنه لا يجيد قيادة السفينة إلى الله.
    إن الدور الكبير الذي أداه مال خديجة - رضي الله عنها - في مكة ، ومال عثمان وأبي بكر - رضي الله عنهما - في المدينة ، عامل ظاهر في نجاح الدعوة الإسلامية ، وضرورة لها.
    وكل دعوة - في أي عصر - لا بدَّ لها من عثمان.
    والذين كفروا - في كل عصر - ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله.
    يصدون عن الإسلام في حملات على اليلاد الإسلامية ، تبشر بالصليبية ، أو تُفرِّغ الشباب من الإسلام ، وخدمة الباطل فنون.
    فهل وعي عباد الله - المسلمين - ما يدبّر العدو لهم ؟!!
    وهل جعلوا من أموال زكاتهم سهماً لخدمة الحق كما جعله الله في سورة التوبة ؟
    إن سهم "في سبيل الله" سهم يحسن أن يوجه لكل عمل يخدم الإسلام.
    فكل عمل يخدم الإسلام جهاد في سبيل الله.
    سواء كان الجهاد بالقلم واللسان ، أو كان

    (1/153)

    بالسيف والسنان. بل إن الغزو الفكري - في عصرنا أهم بكثير من الغزو العسكري.
    فقد يئس العدو من الغزو العسكري ، بعد الحروب الصليبية ، وبقى أن يحاول فتنة المسلم ثقافياً وفكرياً عن دينه.
    فالجهاد بالتعليم اليوم ، كالجهاد بالسيف ، لفرط الحاجة إليه. {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} (سورة الفرقان 52)
    أي جاهدهم بالقرآن ، جاهدهم بالكلمة ، وابعث في قلوبهم اليقين ، عن طريق هذا الكتاب العجيب.
    وفي الظلال : "أن السورة الواحدة لتهز الكيان الإنساني في بعض الأحيان ، وتأخذ على النفس أقطارها ، ما لا يأخذه جيش ذو عدة وعتاد.
    فلا عجب أن يأمر الله النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يطيع الكافرين ، وألا يتزحزح عن دعوته ، وأن يجاهدهم بهذا القرآن ، فإنه يجاهدهم بقوة لا يقف أمامها كيان بشري ولا يثبت حيالها جدال أو محال"
    فالجهاد هنا بالكلمة. فلا بدَّ من جعل جزء من الزكاة وهو سهم "في سبيل الله" لخدمة هذه المعركة. معركة الكلمة.
    وعندما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الجهاد أفضل ؟
    قال : "كلمة حق عند سلطان جائر". (أحمد والنسائي).
    وقال - صلى الله عليه وسلم - جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ". (أحمد وأبو داود والنسائي).
    إنشاء دورات لتحفيظ القرآن الكريم ، وتحفيظ المسلم مجموعة من الأحاديث الصحيحة ، أمر في سبيل الله.
    قد جعلتُ من هذه الفكرة حقيقة ، في بغداد عندما أقمت أول دورة لتحفيظ القرآن الكريم لأكثر من 1350 تلميذاً ، و950 تلميذة ، تجمعهم السيارات ، وتعيدهم ، من

    (1/154)

    أموال الزكاة ، ومن عائد البنوك الربوية.
    ووما يسرني أنني أكتب هذه السطور الآن بعد صلاة فجر الرابع من صفر 1418 هـ وأمامي رسالتان من بعض تلاميذ الدورة الأولى للقرآن الكريم ببغداد 1974م مما يجعلني أشعر أن القرآن رابطة بين المسلمين ، لا تقوى الأيام على غلبتها. وعمر الداعي للحق لم يضع. {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (سورة يس)
    إن القرآن جعل جزءا من أموال الزكاة للجهاد في سبيل الله والجهاد اليوم بالقلم والكتاب ، فأين هذا السهم ؟!
    مكتبة عامة بالمسجد تُخْرج إمام المسجد من وحشة الجلوس وحده ،
    إلى أُنس المعرفة ، فينعكس هذا الأنس في دروسه.
    وينتفع الناس من علمه.
    إن الدعوة إلى الله - في كثير من بلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - تعاني من فراغ الدعاة.
    - لقد وفق الله أهالي صلالة. وبعض العاملين العرب بها ، في تكوين مكتبة جامعة ، لها أثر كبير في كل ندوة ، أو درس ، أو بحث دراسي يُعدّ في صلالة. وينتفع الدارس به ، وذلك بجامع أحمد عيسى المعشني.
    - كما وفقنا الله لعمل صوتي لتسجيل القرآن الكريم على أشرطة لتلاميذ المدارس ، والراغبين للاستماع في البيوت للقرآن الكريم ، وجميع خدماتنا مجاناً والمشروع من مال الزكاة - كما قلت ومن عائد البنوك الربوية.
    إن الناس في كل بلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - بحاجة إلى خدمات لهذا الدين. وإليك بعض الحق المرّ.
    لتأكيد ما أقول :
    - طالب - في بلد عربي - يقول : إلاهُكُم التكاثر ؟ ؟ بدلاً من {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}

    (1/155)

    - ومعلمة التلاميذ تقول : "ورفعنا لك ذكرك" بفتح الذال والكاف !!! -غفر الله لها -
    - وطالب بالثانوية العامة - في بلد من بلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - يسألني : لماذا يلعب المسلمون في أصابعهم بعد الصلاة ؟!!
    - ومدرس بالجامعة يسألني : هل في المال زكاة غير زكاة الفطر ؟
    * وهذه أدهى وأمر :
    شاب من بلد عربي التقيت معه في فندق كبير يقول لعامل التليفون :
    والنبي "إلي" خلق ربنا تعجل المكالمة !!!
    النبي الذي خلق ربنا !!!
    فقلت له : قل والله الذي خلق النبي.
    قال لي : "ما يخالف" كلهم أنبياء !!!!!
    كل هذا وأكثر ، والمسلمون يتساءلون ويختلفون ويجادلون : هلى يجوز أن نوجه عوائد البنوك الربوية لخدمة الإسلام ، أو لا يجوز ؟!!
    - شاب من تلاميذي يعمل ملاحاً في شركة طيران عالمية ، قال لي :
    في إحدى رحلاتي لبلاد أوروبا ، لقيني شاب مسلم من أبناء البلاد ، ففرح بي : وأراد أن يقدم لي تحية ، فقال : أنا أدعوك لكأس من (الويسكي) في صحة محمد !!
    من يطوف في بلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - يخلع ملابسه ، لا من ستر العورة ، يقول : أنا النذير العريان. يا أمة محمد أشغلوا الناس بقضايا الإسلام الكبيرة - فإن الله الأكبر لا يرسل نبيه إلا لأمر كبير.

    (1/156)

    وفي العالم الإسلامي مؤامرة لشغل المسلم بالأمور الصغيرة.
    أو أقول بالتحسينيات عن الضروريات.
    يا أمة محمد. أنا النذير العريان. ما تتركونه من عائد البنوك الربوية لو وجهناه لخدمة الإسلام لفعل الإسلام في القلوب حصانة من الغزو الفكري ،
    إنني على يقين من أن عائد البنوك الربوية ليس أمامك إلا تصرفات أربعة.
    لا خامس لها - كما يقول أستاذي الدكتور يوسف القرضاوي.
    أولاً : أن تأخذ هذا الحرام لنفسك أو لمن تعول. وهذا لا يجوز شرعا ،
    وقد أجمعت المؤتمرات الإسلامية على ذلك في كل جلساتها.
    وفي كل البلاد الإسلامية.
    ثانياً : أن تتركه للبنك الربوي ، وهذا حرام - أيضاً - لأنه إعانة لجهة أعلن الله الحرب عليها.
    أقول : وقد تطوعت دولة إسلامية كبيرة وتنازلت عن أربعة مليار دولار للبنوك في سويسرا عام 1976 م - غفر الله لهم - فطبيعة هذه البنوك التنازل عن هذه المبالغ للجمعيات التبشيرية لحرب الإسلام.
    وغزو بلاده فكريا. فالحل الأول حرام ، والتنازل للبنوك لا يجوز.
    وخصوصاً البنوك الأجنبية.
    ثالثاً : أن يتخلص من هذه الأموال بإتلافها. وهذا الرأي قد ورد عن بعض الورعين من السلف. ولكن رد عليه الإمام أبو حامد الغزالي بأننا نهينا عن إضاعة المال. وكره لكم "قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال". (البخاري).
    رابعاً : أن يصرف - هذا العائد - في مصارف الخير ، للمؤسسات الخيرية الإسلامية ، كبناء المساجد والمراكز الإسلامية ، وطبع الكتب الإسلامية ، وتكوين المكتبات العامة ، وهذا هو الأمر المشروع.
    يا أمة محمد ... دعوا الجدل ، وابدأوا العمل.

    (1/157)

    وأريد أن أبين هنا أن هذا الأمر ليس من باب الصدقات حتى يُعترض ويقُال : "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" (رواه مسلم)
    إنما هو من باب صرف المال الخبيث أو الحرام في مصرفه الوحيد.
    إننا نحاول أن نستفيد من مياه المجاري في زراعة الورود.
    فهو هنا ليس صدقة ، ودافعه لم يحسب نفسه متصدقاً.
    ولم يحسب هذا المال من الزكاة.
    وقد دعوت إلى هذا الحل عام 1976م في كتابي "المال في القرآن" ولم أذكر لمجال صرف هذه الأموال سوى خدمات الإسلام فقط. ولكن أستاذي الدكتور يوسف القرضاوي - نفع الله به - قال في كتابه "فتاوى معاصرة عام 1993م" إنه يجوز أن تدفع هذه الأموال لفقراء المسلمين.
    وأما عن دعوى أحد الناس : ما لنا وهذه الخلافات ، أقول : إن فاعل هذا الخبر يثاب من الله - سبحانه - لا يثاب على أنه متصدق "فالله طيب لا يقبل إلا طيبا" (حديث مسلم) ولكنه يثاب على أنه حرم هذا المال على نفسه ، خوفا من الله - سبحانه - ولم يستحله بقتوى فرح بها الآخرون ، فأكلوا ما حرمه الله ، فهو يثاب من باب {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (سورة الرحمن 46)
    وددت لو يعلم الذي يتنازل عن أمواله للبنوك الأجنبية في أوروبا ، أن هذه البنوك تتنازل للجمعيات التبشرية المتعددة عن هذه الأموال.
    جمعيات تعمل بأموال المسلمين - غالباً - لعزل الإسلام عن أمته. وغزوه فكرياً في بلاده - كما قلت.
    - سألوا مبشراً كبيراً عاش في أفريقيا نصف قرن من الزمن. أخذ خلالها ملايين الدولارات.

    (1/158)

    سألوه : كم شابًّا مسلماً نصرته ؟ - جعلته نصرانيا -
    فقال لهم : لا تسألوني كم شابا مسلماً نصرته.
    ولكن سلوني كم شابا مسلماً فرغته من الإسلام !!
    وماذا بعد أن يتم تفريغ الشاب المسلم من الإسلام ؟ أعني من جوهر الإسلام.
    يذكر الدكتور / أحمد السايح أكثر من عشرين باباً لغزو الإسلام فكريا في كتابه (في الغزو الفكري صـ 70).
    لا يتسع المجال للحديث عنها. المهم عندي أن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ، فهل ستتحرك في المسلمين عزيمة ؟! لينفقوا جزءاً من زكاتهم "في سبيل الله" لنصرة دينه.
    وفي معركة الكلمة المؤمنة ، أم الغزو الفكري ؟ ؟
    فإن لم يفعلوا فلينفقوا عائد أموالهم الربوية لخدمة الإسلام. فالعالم يزرع البساتين بماء المجاري القذرة - كما قلت -
    فإن لم يفعلوا فليتركوا غيرهم يفعل الخير. نشرت هذا الأمر في كتابي "المال في القرآن" 1976م ونشرته في كتابي "شريعة الله يا ولدي" 1979م وطبقت هذا الأمر عملياً في بغداد - كما سبق أن قلت - وبعد ذلك في صلالة.
    - تكوين مكتبة عامة هي أول مكتبة بالمساجد بصلالة.
    - معمل صوتي - بأحدث الأجهزة لتسجيل القرآن الكريم ، لتلاميذ المدارس ، وتسجيل المصحف المعلم لكل راغب في التعليم - كما سبق أن قلت.
    اخدم دينك ، بما لا يضرك. ووجه هذه الأموال لخدمة دينك. فهذا خير من تركها للبنوك الربوية. هذا رأي اجتهدت فيه منذ عام 1976م قد أكون - بعد هذه الدراسة مخطئاً في رأيي. فلست أدَّعي العصمة.

    (1/159)

    كذلك قد يكون من ينكر عليّ هذا الرأي مصيبا ، وقد يكون مخطئا. فلماذا يُصرُّ أحدهم على أنه المفتي المعصوم ؟
    إن شبابنا دعاة ، وليسوا قضاة ، ولا مفتين ، إن مال الربا يسبب انتفاخا في المال ، كالأورام الخبيثة التي تصيب الجسد. فيحسبها الجاهل سمنة.
    وهي قاتلة. {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (سورة 276 البقرة)
    وأنا لا أتحدث هنا عن الربا. ولكن حديثي عن عائد البنوك الربوية فقط.
    وعنه من ناحية واحدة ، وهي :
    أيهما أفضل ؟ أن أخدم به الإسلام في ميدان من ميادين الخير ؟
    أم أن أخدم به البنوك الربوية ؟
    إن دولة مسلمة تنازلت للبنوك الأجنبية عن أربعة مليار دولار 1976م كما سبق أن قلت. وأكثر هذه الأموال توجه لغزو بلاد الإسلام غزوا فكريا.
    وللغزو الفكري لبلاد الإسلام فنون ومعايير مدروسة دراسة جيدة بحيث لا يتيه مرماها. وعلى القارئ المسلم أن يستفتي قلبه ، وأن يفعل الخير.
    * ملكية المال بين الفرد والجماعة
    معارك فكرية طويلة حول موضوع الفردية والجماعية ، في الاقتصاد الإسلامي.
    هل الإسلام دين فردي ؟
    هل الإسلام دين جماعي ؟
    فكلّ في الهوى يزيّن دينه ... ألفْ مُفُتٍ ومالِكٌ بالمدينة
    والحق أن الإسلام وسع أصحاب النزعتين.
    نزعة الفردية ، ونزعة الجماعية.

    (1/160)

    وكان لهذه الازدواجية دور كبير في التربية.
    الفردية : اعترف الإسلام بملكية من يقع المال تحت يده ، وليس له منازع فيه ، وسوف تأتي الآيات التي تؤكد هذا.
    ويقصد القرآن بذلك أن يثبت لك الملكية للمال بحملك ما ألزمك كما أن القرآن بهذه الملكية يُشبع فيك غريزة الملكية الفردية والني يختلف في إثباتها علم النفس الشيوعي مع علم النفس الرأسمالي.
    الجماعية : ويعترف الإسلام بالجماعية. والجماعية تعني أن المال ملك لله - سبحانه - ولعباده حق فيه.
    والقرآن بهذا يُلزم المالك بضرورة الحفاظ على حق الجماعة.
    وسوف يأتي بيان ذلك.
    كما يُشعر الجماعة بضرورة الحفاظ على مالك ، فالخير يعود عليهم ، والنفع راجع لهم.
    وقد فرض الإسلام العقوبات لحماية الجماعة من طغيان الفرد ، وحماية الفرد من ظلم الجماعة.
    * * *

    (1/161)

    * آيات وآيات
    {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} (سورة يس 71)
    وفي الآية الثانية من سورة النساء.
    {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}
    الملكية الفردية واضحة في الآيتين.
    وفي سورة البقرة آية 188 جاء إثبات الملكية مرتين.
    {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} "أموالكم" و"أموال الناس".
    وفي سورة التوبة آيتان.
    الأولى قوله تعالى :
    {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
    والآية الثانية في التوبة آية 111
    {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}
    في سورة الذاريات يثبت ملكية المال للمحسنين ثم ينفقون منه على المحتاجين ، البين ثواب الله وجنته.
    {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (سورة الذاريات 19)

    (1/162)

    هذه آيات تثبت ملكية الفرد للمال. لتشبع فطرته ، ولتُحمَله ما عليه من واجبات.
    وآيات أخرى كثيرة تثبت ملكية الجماعة ، وحقها في المال - مال الله - وهم عبيده.
    نذكر من هذه الآيات :
    {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (سورة النور 33)
    {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} (سورة الحديد 7)
    {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (سورة الأعراف 128)
    * حقوق وواجبات
    راجعت كل ما تحت يدي من كتب في الموضوع فرأيتها تتحدث عن حقوق الجماعة في ملكية الفرد. ولم أجد مرجعاً واحدا تكلم عن حق الفرد - أو الملكية الفردية على الجماعة.
    فقلت : أولاً : إن الفرد واحد من الجماعة.
    وهو إن كان تاجراً - مثلاً - فهو أيضاً يتعامل مع تجار أكبر منه ،
    والإسلام عندما يحافظ على الجماعة منك ، فهو يحافظ عليك من كل الجماعة.
    ومهما كان بطشك ، فالجماعة أقوى منك.
    ثانياً : آيات العقوبات
    كعقوبة السرقة - مثلاً - شرعها الله لتحافظ الجماعة على مال الفرد.
    وقد أمر الله الجماعة أن تحافظ على التجار الذين يقصدون البيت الحرام ، ليبيعوا

    (1/163)

    حوله ، وفي ساحته {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا} (سورة المائدة 2)
    وهؤلاء التجار الرحل الذين لم يقصدوا البيت الحرام إلا للتجارة غالباً ما ينتهي أمرهم بانتهاء بضائعهم ، ومع ذلك طلب الله منا الحفاظ عليهم.
    أما تاجر الحيّ ، فزكاته ، وخيراته ، وجلبه للبضائع ، وتصديره للفائض من إنتاج البلد ، كل هذا يعود على المجتمع. وقد يُقرض المحتاج قرضاً حسناً ، ويهنئ ويعزي من ماله. كما أن خبرته بالتجارة تجعله لا يغش في البضائع - حتى ولو كان غير ذي دين ، لأنه يعلم أن الغش في صفقة واحدة - مهما ربح فيها - فقد خسر سمعته. وصرف الناس من حوله.
    كل هذا يجعل الجماعة تحافظ على الملكية الفردية. وتتطهر جواّنيَّتها من الحقد عليه. فمن تربى على الإسلام ، يؤمن بأن الله هو الرزاق ، {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} (سورة النحل 70)
    {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} (سورة الزخرف 32)
    فإذا رأت الجماعة واحداً منها ذا همة كبيرة يعمل في الليل والنهار ، (تعلم أن سُنّة الله في الكون تأييد القادرين المستعدين للصعود ، وتخذل العاجزين نفسياً ، الحاسدين الذين لا يصعدون ، ولا يُحبّون لغيرهم الصعود". (الفلسفة القرآنية للعقاد)
    هذا هو دور الجماعة في الملكية الفردية. الحماية لماله ، مبُاركة جهده ، مشاركة بأموالهم لاستثمار المبالغ القليلة ، التي لا تكفي لعمل مشاريع مستقلة.
    على أن يكون عقد المشاركة بعيداً عن فنون الربا ، وحِيَل المرابين.

    (1/164)

    * حقوق الجماعة
    سبق أن تحدتث عنها في فصل "إنفاق العفو" عند حديثى عن قوله - تعالى - خذ العفو.
    * لا غش
    " فمن غشنا فليس منه ". (الجماعة إلا البخاري).
    وقد أجمعت دول العالم على ضرروة عدم الغش التجاري ، ليس ذلك بسبب الاقتصاد الأخلاقي ، ولكن لأن الغشّ التجاري يغلق أسواق العالم في وجه إنتاجهم ، فهي أخلاق المنفعة ، وليست أخلاق القيم.
    * لا تجارة في المحّرمات.
    كل ما يضر الجماعة في جسدها أو عقلها أو مالها. فالتجارة فيه قد حرمها الله.
    والكتب التي تفسد عقول الشباب ، تستوي مع المخدرات. ولا نسمح لعلماني يقول : حرية الفكر تبيح نشر كل شيء ، فنحن أمة لها دينها ، ولها فكرها ، ولها معالمها ولا يقلُّ دور الحكومات في مراقبة الفكر الضال ، عن دورها في مراقبة الأغذية الفاسدة.
    * لا احتكار في الضروريات
    "لا يحتكر إلاّ خاطئ". (رواه مسلم).
    ومع إيجاز كلمة خاطئ إلا أنها تجعل المحتكر للأقوات مع فرعون وهامان {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} (سورة القصص 8)
    من احتكر أقوات المسلمين أربعين يوماً فقد برئ من الله ، وبرئ الله منه "أحمد الحاكم" وقد ناقش الدكتور يوسف القرضاوي هذه الممنوعات في كتاب (فتاوي معاصرة حـ 2)

    (1/165)

    فذكر ما يلزم الدارس ، ولا يستغنى عنه الباحث ، ومن يريد النجاة.
    * أقول
    - إذا تعارضت الحقوق قدم الإسلام حق الجماعة ، وعوّض الفرد تعويضاً عادلاً.
    - لا يجوز التعسف في استخدام الحق المشروع والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بخلع نخيل سَمُرةَ بن جُنْدبُ لأنه تعسف في استخدام حقه.
    وخلع النخيل سببه ما ترتب على وجوده من إيذاء صاحب البستان ، مع عدم إمكان التوفيق بين المصلحتين ، وقطعه نُصرةً للمظلوم ، وليس لعرق ظالم حق ، وإن كان ذلك لا يمنع من التعويض.
    * القرآن وأموال السفهاء
    وقف بعض علماء التفسير طويلاً عند قوله تعالى : {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (سورة النساء 5)
    ما بال القرآن قال : {أَمْوَالَكُمُ} مع أن المال مال السفيه ؟ فكان الموافق أن يقول : "أموالهم" وسوف لا أذكر الآراء الطوال التي قالها المفسرون. وأكتفي بما أرتاح إليه.
    إن القرآن يؤكد في كثير من آياته وحدة هذه الأمة. فجعل وحدة الأمة في المال والنفس. قضية مسلَّمة.
    بل إن القرآن كان يخاطب الأمة كلها في شخص واحد ، هو شخص نبيها - صلى الله عليه وسلم -

    (1/166)

    كما جاء في مطلع سورة الطلاق {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وفي قوله تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} (سورة التوبة 128) وجاءت وحدة الأمة في مالها في قوله تعالى :
    {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} (سورة النساء 25)
    هنا جعل ملكية يمين البعض كملكية يمين الجماعة.
    {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ومعلوم في يد غيره. ولوكانت في يده - كظاهر الآية - ما احتاج للزواج بها.
    وفي قوله تعالى : {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} ملمس إنساني كبير. أنه جعل للأمة أهلا تخطب منهم. ولم يقل : فانكحوهن بإذن سادتهن.
    جعل سادتها أهلها. فكلهم لآدم. وفي وحدة دم الأمة جاء قوله تعالى :
    {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} (سورة البقرة 85)
    قال صاحب المنار : ومعلوم أن الرجل منهم لم يكن يقتل نفسه ، وإنما كان بعضهم يقتل بعضا حـ 4 صـ 380 فالوحدة بين الأمة مالاً ونفساً هي التي عناها القرآن وسوغت الإضافة في قوله تعالى {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} (سورة النساء 5) ولم يقل أموالهم.
    أما قوله تعالى : {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} ولم يقل "وارزقوهم منها" فيقصد إلى ضرورة استثمار مال اليتيم ، حتى ينفق من ربحه ، لا من أصله.

    (1/167)

    * أموال اليتامى
    مرة ثانية أعود إلى اليتيم في زحام الحديث عن المال.
    فقد شدَّد القرآن في حديثه عن مال اليتيم تشديداً يؤكد أنه كان يحارب منكراً موجوداً بالفعل في المجتمع المسلم من بقايا الجاهلية الظالمة.
    وأسباب النزول للآيات الكريمات ، وآيات الميراث بعدهن تؤكد هذا.
    شددّ القرآن الكريم على آكل مال الضعيفين اليتيم والنساء. وسورة النساء تهتم بهذا الأمر كثيراً. ولا تغني هذه السطور القارئ الكريم ، فلابد من قراءة سورة النساء - في المصحف الشريف - وظلالها. حتى يقي نفسه النار.
    والآية الأمّ في الموضوع هي الآية العاشرة من سورة النساء {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}
    إنه يأكل ناراً ، وتقوده لنار أعظم ، نار تطلع على الأفئدة.
    إن أصحاب البصائر إذا سمعوا هذه الوعيد شعروا بحرارة النار في وجوهم ، لشدة يقينهم بها. لقد أثر مجموع آيات الموضوع على الأوصياء الذين تربوا على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - فبلغوا من الخوف حداً جعلهم يقاطعون اليتامى ، فلا يأكلون معهم ، ولا يشربون معهم ففسد طعام اليتيم ، فسألوا رسول الله فنزل قوله تعالى : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} (سورة البقرة 220).
    ولم يقل القرآن الكريم : قل إصلاحهم خير.

    (1/168)

    ولكن قال : إصلاح لهم خير.
    وذلك حتى لا يُتوهَّم قصر الإصلاح عليهم.
    وفي "التحرير والتنوير" : والمقصود هنا جميع الإصلاح ، لا خصوص إصلاح ذواتهم. فيشمل إصلاح ذواتهم ، وهو في الدرجة الأول ، ويتضمن إصلاح عقائدهم وأخلاقهم بالتعليم الصحيح ، والآداب الإسلامية ، ومعرفتهم لأحوال العالم ، ويتضمن إصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأمراض (حـ 2 صـ 356)
    - ومن آيات التحذير من مال اليتيم قوله تعالى : -
    {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} (سورة النساء 6)
    هنا بين القرآن وسائل أكل مال اليتيم كاستبدال الأرض الحسنة بالأرض السيئة. استبدال أرض صالحة للبناء أو الزراعة بأرض ميته. أو الأنعام السمان بالأنعام العجاف. أو المال - فالعملات تختلف ، قوة وضعفا.
    وقد بلغت خشية الصحابة من الله حداً جعلهم يقاطعون اليتامى ، فبين الله لهم أن المحرم هو الأكل ظلماً.
    * الوصيُّ كيف يعيش ؟
    الوصيّ. إما أن يكون غنياً عن مال اليتيم.
    يشرف على اليتيم. ويوجهه ، فلا يمنعه ذلك من إدارة أعمال نفسه ، التي منها معاشه.

    (1/169)

    ومثل هذا يجب أن يستعفف عن مال اليتيم. فلا يأكل مال اليتيم إلى ماله. {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} فالوصية امتحان صعب.
    فأنت تملك التصرف ، والشرع يريد العفاف أما الوصي الفقير ،
    والذي يغطي عمله في خدمة اليتيم وقتا يُؤثر على قيامه بأعمال نفسه ، فهنا يجوز أن يحصل على راتب المثل.
    قال صاحب المنار حـ 4 صـ 389 : - ومن كان فقيراً لا يستغني عن الانتفاع بشيء من مال اليتيم - الذي يصرف بعض وقته ، أو كله في تثميره "استثمار المال" وحفظه ، فليأكل بالمعروف - الذي يبيحه الشرع ، ولا يستنكره أهل المروءة والفضل ، ولا يعدونه طمعاً ولا خيانة.
    ثم ذكر تفسير العلماء للأكل بالمعروف ، فقال : إنه القرض ، يأخذه بنية الوفاء ، وهو رأي عمر بن الخطاب ، وابن عباس - رضي الله عنهما -.
    وقد روي ابن جرير الطبري عن ابن عباس : "وإن كان فقيراً فليستقرض منه ، فإن وجد ميسرة فليعطه ما استقرض منه ، فذلك أكله بالمعروف.
    والذي أرتاح له ، أن الوصي الفقير له أن يؤاجر نفسه لليتيم بأجرة معلومة ، إذا كان اليتيم محتاجاً لمن يتفرغ ليقيم حاجته.
    وعهدنا يختلف عن عهد عمر وابن عباس.
    ولو أعطيناه قرضا لانصرف المخلصون الأمناء. لأعمالهم هم.
    ورزق أولادهم. ووقع اليتيم في يد أصحاب الورع الكاذب.
    ونقل صاحب تفسير المنار عن عمر بن الخطاب أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : ليس لي مال ، وإني وليٌّ يتيم ، فقال : "كل من مال يتيمك غير مسرف ، ولا متأثل مالاً ، ومن غير أن تتقي مالك بماله". (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة).
    هذا ما يضمن الحفاظ على اليتيم وماله.
    والله المطلع على خفايا النفوس.

    (1/170)

    * مال الصبي وحقوق الجماعة
    صبيٌّ ورث أمه. أو أُهدى إليه مال كثير. فأصبح غنيا مالكاً.
    أقول : "صبيّ" سواء كان يتيماً أم غير يتيم.
    هل للفقراء حق في هذا المال ؟
    هل يخرج الولي الزكاة من مال الصبي ؟
    طال اختلاف الأئمة والعلماء ، في هذا الموضوع.
    هل في مال الصبيّ زكاة ؟
    إن آيات الزكاة عامة. تشمل الكبير والصغير.
    ولكن بعض الأئمة نظر إلى صغر الصبي واليتيم. ورأي أنَّ العبادات بصفة عامة لا تجب على الصبي - دون البلوغ. فقال : لا زكاة على الصبي.
    وبعض الأئمة نظر إلى المال ، ونظر إلى حقّ الجماعة ، نظر إلى الفقير الذي ظهرت حاجته ، وضاق رزقه وعيشه. ثم نظر إلى الأدلة في الكتاب والسنة فأفتى بوجوب الزكاة في مال الصبيّ.
    وجعل بعضهم الزكاة فيما يستثمر من المال كالزراعة ، والماشية لأن الزكاة لا تؤثر على أصل المال.
    وفي هذا المعنى جاء قول رسول - صلى الله عليه وسلم -
    "ابتغوا في مال اليتيم" - أي تاجروا فيه.
    وإن كان في سند الحديث كلام ، فقد تكررت روايته ، بما يقوّى بعضها بعضاً.
    عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتجروا في مال اليتم ، لا تأكلها الزكاة. (قال العلامة العراقي : إسناده حسن).

    (1/171)

    وعن عمر بن الخطاب : " ابتغوا في مال اليتيم لا تأكلها الصدقة".
    غير أن الإسلام لا يوجب الزكاة إلا في المال الزائد عن حاجة الإنسان الضرورية ، كالأكل والسكن والتعليم والدواء ، فإذا تعلَّق مال اليتيم بالضروريات اللازمة لبقائه حتى يبلغ رشده ، فلا زكاة في هذا المال ، لأنه مال مشغول بحاجته الأصلية.
    يبقى أن يكون للصبي مال لحاجياته ويزيد. الزائد يزكى.
    وكما أقول دائماً : من ينظر إلى اليتيم بعين عطف ، فلينظر إلى الفقير الذي أقعدته الحاجة ، والمريض الذي لم يجد ثمن الدواء ، والغارم الذي ذهب ماله في محنة ، ينظر إليه بالعين الثانية ، فهذا هو عدل الله.
    والله - سبحانه - حرم أكل مال اليتيم ظلماًَ. والزكاة هي عدل الله وليس فيها ظلم.
    * مال اليتيم والتضخُّم الاقتصادي
    كثيراً ما يقع مال اليتيم في يد أمينة.
    وفي بعض البلاد الإسلامية هيئات مسئولة عن حفظ مال اليتيم ، تتبع وزارات العدل. والقرآن يطلب من الوصيِّ أن يُشهد على عملية التسليم لمال اليتيم ، حفاظاً عليه ، وضمائر الناس أكثر حفاظاً من كلّ النظم القضائية. ولكن شيئاً يقع أحياناً تنهزم أمامه كلّ الاحتياطات.
    إنه عملية التضخم الاقتصادي ، والذي يتعامل مع مال اليتيم - كما يتعامل مع كل أموال الأمة ، فيهلك الحرث والنسل. بلاء لا يبقى ولا يذر. حدث أن تسلم الوصيّ مبلغ 1500 جنية مصري عام 1970م وسلّم المبلغ "بأمانة وشرف" لليتيم عام 1990م "شكر الله له"

    (1/172)

    ولكن ماذا حدث ؟
    لقد ضاع المبلغ إلا قليلاً.
    ضاع في الحقيقة ، مع بقاء القيمة العددية فقط.
    كان المبلغ يكفي لشراء كيلو من الذهب الخام يوم وفاة والد اليتيم.
    ألف جرام من الذهب.
    كان يكفي لشراء فدان من الأرض الزراعية.
    أما عند تسليمه لليتيم فلا يكفي لشراء 30 جرام ذهب. "مجرد مثال" هذا هو خطر التضخم في البلاد المعتدلة اقتصادياً.
    أما البلاد التي أصيبت بالحصار الاقتصادي ، فقل ؛ {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ولا أنعي على الذي مات ، فقد رحمه الله ، ولكن على مال اليتيم.
    لي صديق استشهد في حادث سيارة ، عليه رحماتُ الله - ترك مالاً يكفي لشراء حيٍّ راق كحيِّ المنصور ، - الذي به السفارات في عاصمة بلده.
    أصبح هذا المبلغ الآن يكفي لشراء شقة واحدة في الحي المذكور - بعد الحصار الاقتصادي. خطر التضخم في البلاد المحاربة ، أو المحاصرة اقتصادياً خطر عظيم. خصوصاً على المال المعطَّل عدّة سنوات كمال اليتيم.
    فماذا يمكن أن نفعل ؟
    خبراء الاقتصاد لهم حلول وفنون.
    {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (سورة الأنبياء 7)
    {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (سورة فاطر 14)

    (1/173)

    وأسهل الحلول هو شراء عقارات بالمبلغ المحفوظ - أو شراء ذهب سبائك ، فالذهب قيمته ذاتيه فيه.
    والذهب السبائك لا يخسر صاحبه عند بيعه قيمة الصناعة.
    فليحذر وصيُّ اليتيم من ضياع مال اليتيم ، بضياع القيمة الشرائية للمال ، مع بقاء القيمة العددية فقط.
    يتاجر في مال اليتيم - كما وردت الأخبار ، فإذا لم يستطع فليحتفظ به عقاراً يُدرُّ عائداً ، أو ذهباً سبائك ، يحفظ قيمة نفسه.

    (1/174)

    * العسكرية الإسلامية والواقعية
    ومن الواقعية التي رفعها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المستوى الأخلاقي أنه قبل من الجنود في المعارك أن يقارنوا بين المثالية في الإقدام ، والواقعية التي تُحتِّم الانسحاب عند الضرورة. فالمسألة توزن بميزان الحكمة ، وليس بميزان الشجاعة فقط. فالقائد العبقري خالد بن الوليد - سيف الله - رأى أن استمرار المعركة في غزوة مؤتة أمام جيوش الروم وهو ثلاثة آلاف مسلم أمام مائة وخمسين ألفا من الروم ، استمرار المعركة لون من المغامرة الخاسرة ، فاحتال للانسحاب.
    وفي المدينة لقيهم (المثاليون) من الشباب المتحمسين للشجاعة ، مهما كان الثمن ، التقوا معهم يرمونهم بالحصى ، ويصفونهم بالفُرَّار.
    ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - دافع عنهم ، واعتبر عملهم حنكة حربية وقال "بل هم الكُرَّار - إن شاء الله -".
    يقول أستاذي الدكتور يوسف القرضاوي :
    إن القرآن يجيز للمقاتل أن يفرَّ من الزحف ، إذا كان "مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ". ويُرخّص له في حالة الضعف أن ينسحب من المعركة ، إذا كان جيش العدو أكثر من ضعف المسلمين {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (سورة الأنفال 66)
    كانت الآيات التي قبلها تطلب ثبات الواحد من المسلمين أمام عشرة من المشركين {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} (سورة الأنفال 65)
    والمسافة الزمنية بين الآيتين كبيرة - كما قال الكشَّاف.

    (1/175)

    وفي الآية تخفيف واضح من الله - سبحانه - والآية الثانية تصورُّ (الواقعية) في الطاقات الإيمانية الصابرة بل إن صاحب الظلال يذهب إلى أن آية الواحد أمام اثنين لا يُقصد بها التشريع ، ولكن يُقصد بها أن تطمئن قلوبهم ، وتثبت أقدامهم.
    وأشعر أن الحق مع صاحب الظلال ، خصوصاً بعد تطور السلاح ، فقد يكون الواحد بسلاحه أخطر من عشرة ، بل مائة. وللقائد المسلم الصابر أن يقدر الأمر إقداماً وإدباراً ، كرًّا وفرًّا.
    * * *
    وكانت التربية العسكرية ، والاختبارات العسكرية ، تنبني على الصعاب دائماً. حتى جاء الإسلام يشهد لهذا التحول العسكري الكبير من المثالية إلى الواقعية ، ما حكاه القرآن من قصة "طالوت" في سورة البقرة {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} (سورة البقرة 249)
    {مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} تربية مثالية عنيفة ، فالقوم في ظمأ عظيم,
    يأتي نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - ويحكم بسقوط الصوم المفروض شرعاً عندما يكون الصائم مسافراً "يعني أيام السفر يُفطر وتلزمه أيام أخر".
    وعندما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - زحاما ، ورأى رجلاً قد ظلل الناس عليه ، قال : من هذا ؟
    فقالوا : صائم.
    فقال : "ليس من البر الصوم في السفر" متفق عليه عن جابر ، ومعلوم أن الإسلام يكره صوم المسافر إذا أوصله الصوم إلى المشقَّة.
    كما في الرجل الذي رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس حوله.

    (1/176)

    أفطر نبي الرحمة عندما كان مسافراً لفتح مكة. أفطر أمام كل أصحابه ، ليشاهدوه فيفطروا.
    وفي الحديث الشريف "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان ، فصام حتى بلغ كراع الغميم ، فصام الناس ، ثم دعا بقدح من ماء ، فرفعه حتى نظر الناس إليه ، ثم شرب ، فقيل له بعد ذلك : إن بعض الناس قد صام فقال : "أولئك العصاة ، أولئك العصاة".
    (رواه مسلم)
    وفي حديث آخر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه إنكم دنوتم من عدوكم ، والفطر أقوى لكم ، فكانت رخصة فمنا من صام ، ومنا من أفطر.
    ثم نزلنا منزلاً آخر ، فقال : إنّكم مُصبِّحون عدوكم ، والفطر أقوى لكم ، فأفطروا ، وكانت عزيمة. (صحيح مسلم)
    بل إن الإمام ابن تيمية أفتى الجنود بالإفطار ، داخل مدينة دمشق ، في حربهم ، من غير سفر. وذلك لأن الفطر أقوى لهم.
    ولقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنّكم مُصبِّحون عدوكم ، والفطر أقوى لكم ، فأفطروا. (مسلم)
    إن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمم مكارم الأخلاق عندما جعل الحدَّ الأعلى للأخلاق هو الواقعية المثالية ، وليس المثالية الخيالية ، فهو لا يقول لأتباعه : {فمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} كما قال المَلِكُ في سورة البقرة : ولكن يقول عن الذين أوجبوا الصوم عليهم ، ولم يقبلوا رخصة النبي - صلى الله عليه وسلم - : "أولئك العصاة" ويكرِّرُها.
    سلامٌ عليك يا نبيَّ الرحمةِ ، وسلامٌ على الذين معك.
    *******************

    (1/177)