Laskar Informasi

Pencarian Daftar Isi

دفع الظنة ببيان أن قنوت الفجر سنة

15 Nov 2015

http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة


    الكتاب : دفع الظنة ببيان أن قنوت الفجر سنة
    دفع الظنة ببيان أن قنوت الفجر سنة

    الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و آله و صحبه و من والاه.
    أمّا بعد،
    فاعلم يرحمني الله و إياك أنّ القنوت الراتب في صلاة الفجر سنة، و هذا خلاف ما يروَّج له، و هذا دليله:
    حديث أنس رضي الله عنه


    عن عاصم عن أنس قال:
    " سألته عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال: قبل الركوع. قال: قلت فإن ناسًا يزعمون أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت بعد الركوع، فقال: إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم القرّاء ".
    رواه البخاري (957) و مسلم (677).
    و رواه عبد الرزاق في (مصنفه 3/ 109) عن أبي جعفر عن عاصم عن أنس رضي الله عنه قال:
    " قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصبح بعد الركوع يدعو على أحياء من أحياء العرب، وكان قنوته قبل ذلك وبعده قبل الركوع ".
    و بيّنه رواية الربيع بن أنس عن أنس رضي الله عنه، و فيها:
    " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرا يدعو عليهم ثم تركه، وأمّا في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا ".
    أخرجها الدارقطني في سننه (2/ 39) و البيهقي في الكبرى (2926)، و هي - مع ما قيل في أبي جعفر الرازي - حقيقة بالتصحيح للشاهد الصحيح القوي الذي لا يسع أحدًا ردُّهُ من رواية عاصم سالفة الذكر.
    و في " شرح معاني الآثار " (1349) من رواية عاصم:
    " عن أنس رضي الله عنه قال: إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركعة شهرًا، قال: قلت فكيف القنوت؟ قال: قبل الركوع ".

    (1/1)

    قلت: الألف و اللام في (القنوت) المسئول عنه للعهد. و فيه أبين البيان و أظهر البرهان على أنّ القنوت قنوتان؛ قنوت راتب و هو المسئول عنه في الحديث، و هو الذي لم يزل رسول الله - صلى الله عليه و سلم - يفعله حتى فارق الدنيا، و محله قبل الركوع. و قنوت نوازل، و هو الذي فعله رسول الله - صلى الله عليه و سلم - لمناسبة وقعت ثم تركه لزوال سببه، و محله بعد الرفع من الركوع.
    و من أعجب ما قرأتُ من التأويل، قول الألباني رحمه الله في " الإرواء " (2/ 168):
    " ينتج معنا أن القنوت في غير النازلة - وليس ذلك إلا قنوت الوتر - وإنما هو قبل الركوع ... ولا يمكن حمل القبلية في قوله هذا إلا على قنوت الوتر كما لا يخفى على من تتبع مجموع روايات حديث أنس المتقدمة ".اهـ
    قلت: سبحان الله، لا أدري كيف أقحم (الوتر)، و حديث أنس بكل وجوهه و رواياته يدور حول (الفجر). و لعلك أيها المنصف لا تجد عناء في اكتشاف تكلف هذا التأويل و اعتسافه.
    و اعلم أنّ عاصمًا لم ينفرد بهذه الرواية، فقد تابعه عبد العزير بن صهيب، كما في صحيح البخاري (3860) حيث قال في حديثه بعد ذكر قصة القراء:
    " وسأل رجل أنسًا عن القنوت أبعد الركوع أو عند الفراغ من القراءة؟ قال: لا بل عند فراغ من القراءة ".
    و وافقه حميد عن أنس بن مالك رضي الله عنه فقال:
    " سئل عن القنوت في صلاة الصبح؟ فقال: كنا نقنت قبل الركوع وبعده ".
    رواه ابن ماجة (1183) في سننه و صححه الهيثمي و الألباني و غيرهما.
    و اعلم أنّ معنى هذا الحديث على رسم ما سبق. أي كنا نقنت القنوت الدائم قبل الركوع. فإذا كان ثمة نازلة قنتنا بعد الركوع. و هذا واضح لا إشكال فيه. و على هذا المعنى تواردت أحاديث أنس رضي الله عنه في القنوت.
    و أمّا ما رواه البخاري (956) و مسلم (677) عن محمد بن سيرين قال:
    " سئل أنس أقنت النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصبح؟ قال: نعم فقيل له: أوقنت قبل الركوع؟ قال: بعد الركوع يسيرا ".

    (1/2)

    فهذا في قنوت النوازل، كما أسلفت. بدليل أن ابن سيرين كان يقنت في الصبح قبل الركوع، كما في " المدونة الكبرى " (1/ 192).
    و هذه الرواية وقع فيها اختصار بيّنه الرواة عن أنس رضي الله عنه.
    فعن أبي مجلز عن أنس رضي الله عنه قال:
    " قنت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع شهرًا يدعو على رعل وذكوان ويقول: عصية عصت الله ورسوله ".
    أخرجه البخاري (3868) و مسلم (677) و لفظه بزيادة " في صلاة الصبح ".
    و عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
    " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرًا بعد الركوع في صلاة الفجر يدعو على بني عصية ".
    رواه مسلم (677)
    و عن قتادة عن أنس بن مالك قال: " إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا يدعو بعد الركوع".
    رواه أحمد (12872) و البخاري (3861).
    و في رواية لأحمد (14036):" في صلاة الصبح ".
    بل و في صحيح البخاري (3863):" أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرًا في صلاة الصبح يدعو على أحياء من أحياء العرب؛ على رعل وذكوان وعصية وبين حيان ".
    و هذا هو الصحيح من رواية قتادة، و أمّا ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (620) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس:
    " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم ".
    ففيه علتان:
    أحدهما: اختلاط سعيد بأخرة، و لا نعلم هل سمع الأنصاري منه قبل الإختلاط أو بعده.
    و العلة الثانية: حال محمد بن عبد الله الأنصاري، فهو و إن كان من رجال الشيخين إلا أنّ أباداود قال عنه: إنه تغيّر تغيّرًا شديدًا. و قال أحمد: ذهبت له كتب فكان يحدث من كتاب غلامه، يعني فكأنه دخل عليه حديث في حديث اهـ
    و مما يظهر ضعف ذلك، أن قتادة يقول بشرعية القنوت الراتب في الصبح، و قبل الركوع، كما في مصنف عبد الرزاق (4987).

    (1/3)

    و يمكن توجيه ذلك اللفظ، كما سيأتي قريبًا عن أبي هريرة رضي الله عنه، بأنه أراد المحل؛ أي أنه إذا أراد أن يدعو لأحد أو على أحد دعا بعد الركوع.
    فلا اختلاف و لله الحمد.
    و ممّا قال الشيخ الألباني رحمه في (الصحيحة) عند الحديث رقم (2071): " كان إذا رفع رأسه من الركوع في صلاة الصبح في آخر ركعة قنت "
    قال:
    (تنبيه): القنوت الوارد في هذا الحديث هو قنوت النازلة بدليل قوله في حديث الشيخين: فيدعو للمؤمنين وبلعن الكفار. انظر الارواء 160/ 2 - 164. وأصرح منه رواية ابن خزيمة بلفظ: " كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو على أحد ". وسنده صحيح. اهـ
    قال الحافظ رحمه الله في الفتح (1/ 491): " ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك؛ أنّ القنوت للحاجة بعد الركوع لا خلاف عنه في ذلك، وأمّا لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع. وقد اختلف عمل الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح ".اهـ
    قلت: الأحاديث في هذا الباب سواء عن أنس أو عن غيره من الصحابة، كلها متوافقة و ترجع إلى معنى واحد. و لا ينبغي بأيّ حال طرح شيء منها بدعوى الإختلاف و الإضطراب ما أمكن الجمع. و قد تصرف الرواة في هذه الأخبار اختصارًا و بسطًا، و طيًّا و نشرًا، حتى تخيّل من لم يعطِ النظر حقه أنّ التوفيق بينها متعذر. و من أَعْمَلَ قواعد أصول الفقه في تلك الروايات فأَرْجَعَ المجمل إلى المبيّن، و المطلق إلى المقيّد سهل عليه الجمع و لله الحمد.
    و قد اتفقت الروايات عن الصحابة الذين رووا أحاديث القنوت، على أنّ القنوت للحاجة محله بعد الرفع من الركوع.

    حديث خفاف بن إيماء رضي الله عنه

    فعن خفاف بن إيماء رضي الله عنه قال:
    " ركع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله وعصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان والعن رعلا وذكوان ثم وقع ساجدًا. قال خفاف: فجعلت لعنة الكفرة من أجل ذلك ".
    رواه مسلم في " صحيحه " (679)

    (1/4)

    حديث ابن عمر رضي الله عنهما

    و عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
    " أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول: " اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا "، بعد ما يقول (سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد). فأنزل الله [ليس لك من الأمر شيء - إلى قوله - فإنهم ظالمون].
    أخرجه البخاري (3842)
    و هو مخالف لمل نُقل عنه في " الموطأ " من أنه " كان لا يَقنُتْ في شئ مِنَ الصّلَواتِ ". و هذا ليس فيه إلا جواز ترك القنوت.
    و قد روى الطبراني و البيهقي و ابن عدي في " الكامل " عن بشر بن حرب قال: سمعت ابن عمر يقول:
    " أرأيت قيامهم عند فراغ القارىء من السورة هذا القنوت؟ إنها لبدعة، ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شهرا ثم تركه ".
    قلت: (بشر) مطعون فيه؛ قال البخاري: رأيت ابن المديني يضعفه. وكان يحيى القطان لا يروي عنه. وقال أحمد: ليس بقوي. وقال إسحاق: متروك، ليس بشيء. وقال السعدي: لا يحمل حديثه. وقال النسائي وابن أبي حاتم: ضعيف. اهـ من (تهذيب التهذيب 1/ 391)
    و ممّا يدل على ضعف (بشر)؛ قوله " عند فراغ القارئ من السورة "، في حين أنّ الثابت الصحيح في القنوت شهرًا، إنما هو بعد الركوع.
    هذا، و قال ابن حزم في " المحلى " (4/ 143): - العجب من المالكيين المحتجين بقول ابن عمر إذا وافق تقليدهم ثم سهل عليهم ههنا خلاف ابن عمر وخلاف سالم ابنه وخلاف الزهري وهما عالما أهل المدينة. اهـ
    و كلامه هذا يدل على جهل الرجل بأصول الإمام مالك، الذي يقدّم عند الإختلاف مذهب عمر على مذهب ابنه.
    و قد ذكر محمد بن سيرين: أن سعيد بن المسيب ذكر له قول ابن عمر رضي الله عنه في القنوت فقال: " أما إنه قد قنت مع أبيه ولكنه نسي ".
    رواه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " (1377)
    و قد روى عنه أنه كان يقول: " كبرنا و نسينا ائتوا سعيد بن المسيب فاسألوه ". حكاه الزيلعي (2/ 78)

    (1/5)

    قال البيهقي (2/ 213): نسيان بعض الصحابة أو غفلته عن بعض السنن لا يقدح في رواية من حفظه وأثبته. اهـ

    و عن أبي هريرة رضي الله عنه:" أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع ".
    أخرجه البخاري (4284).
    و هو يدل بمفهومه أن القنوت الراتب يكون قبل الركوع، لكن الحافظ رحمه الله تعقب هذا الإستدلال فقال (الفتح 8/ 226): - تمسك بمفهومه من زعم أن القنوت قبل الركوع؛ قال: وإنما يكون بعد الركوع عند إرادة الدعاء على قوم أو لقوم. وتعقب باحتمال أن مفهومه؛ أن القنوت لم يقع إلا في هذه الحالة، ويؤيده ما أخرجه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أنس: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم ".اهـ
    قال مقيده عفا الله عنه: و لا يخفى عليك ضعف هذا الإحتمال مع ما مرّ من أحاديث أنس رضي الله عنه. و القنوت الذي لم يقع إلاّ في تلك الحالة هو قنوت الحاجة، و حديث أبي هريرة رضي الله عنه يشهد بذلك حيث فيه:
    " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع؛ فربما قال إذا قال " سمع الله لمن حمده ": " اللهم ربنا لك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش ابن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف"، يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: " اللهم العن فلانا وفلانا " - لأحياء من العرب - حتى أنزل الله {ليس لك من الأمر شيء}. الآية
    و قد سبق في حديث أنس التفريق بين هذا و ذاك، فتذكره. و الله تعالى أعلم.

    حديث ابن عباس رضي الله عنهما

    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

    (1/6)

    " قنت النبي - صلى الله عليه وسلم - شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده في الركعة الأخيرة، يدعو على حي من بني سليم؛ على رعل وذكوان وعصية، ويؤمّن مَن خلفه. قال: أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام فقتلوهم.
    قال عكرمة: هذا مفتاح القنوت ".
    أخرجه الإمام أحمد (2746)، و أبو داود (1443)، و ابن خزيمة (618)، و الحاكم في المستدرك (820) و قال: على شرط البخاري و سكت عنه الذهبي - و لم يوافقه - في " المختصر "، و ابن الجارود في " المنتقى " (198)، و غيرهم.
    كلهم من طريق ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
    قال الألباني رحمه الله في " الإرواء " (2/ 163): - وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري ". ووافقه الذهبي. قلت (الألباني): وفيه نظر فإن هلال بن خباب لم يخرج له البخاري ثم إن فيه مقالا وقد قال النووي في " المجموع " (3/ 502): " إسناده حسن أو صحيح ". قلت: والصواب أنه حسن لحال هلال. اهـ
    قلت: و كيف يكون حسنًا لحال (هلال). و (هلال) متكلم فيه:
    " ذكره ابن حبان في الضعفاء وقال: اختلط في آخر عمره فكان يحدث بالشيء على التوهم، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الساجي: في حديثه وهم، وتغير بآخرة. وقال الحاكم أبو أحمد: تغير بآخره ".اهـ من (تهذيب التهذيب 11/ 68)
    و قال في (الثقات 7/ 574): " يخطىء ويخالف ".
    و قال العقيلي (4/ 347): " في حديثه وهم، وتغير بآخرة ".
    و اختصر الحافظ ترجمته في (التقريب 1/ 575) فقال:" صدوق تغير بأخرة ".
    قال مقيّده عفا الله عنه: و قد انفرد بذكر القنوت في الصلوات الخمس و هو خلاف الثابت الصحيح في الدعاء على رعل و ذكوان و غيرها من الأحياء في قصة القراء، حيث اتفق الرواة على أنّ ذلك كان في صلاة الصبح فحسب.
    من ذلك ما رواه عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال:

    (1/7)

    " قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الفجر، دعا على قوم ودعا لقوم ".
    أخرجه الطبراني في (الكبير 11316)، و قال الهيثمي (2/ 329): رجاله ثقات.
    و أخرجه أيضًا (12311) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس:
    " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقنت في الفجر يدعو على حي من بني سليم ". يعني رعلاً و ذكوان.
    و يتخرج من مجموع ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنّ دعاء الحاجة أو النازلة محله بعد الرفع من الركوع.
    و أمّا القنوت الراتب فيكون عند الإنتهاء من القراءة و قبل الركوع، كما ثبت عنه من فعله - رضي الله عنه - فعن أبي رجاء قال:
    " صليت مع ابن عباس الغداة في مسجد البصرة فقنت بنا قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى التي قال الله: [وقوموا لله قانتين] ".
    أخرجه الطبري في " تفسيره " (2/ 578)، و الطحاوي في " شرح معاني الآثار " (1392)، و البيهقي في " السنن " (2006)
    و هذا أصحّ مما رواه البيهقي أيضًا في " السنن " (2005)، عن أبي رجاء العطاردي قال:
    " صلى بنا ابن عباس صلاة الصبح، وهو أمير على البصرة، فقنت قبل الركوع ورفع يديه حتى لو أن رجلا بين يديه لرأى بياض إبطيه. فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: هذه الصلاة التي ذكرها الله عز وجل في كتابه {حافِظُوا على الصَّلواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى و قومُوا لله قانِتِين}."
    و فيه: " رفع اليدين " في القنوت و لا يثبت.
    رواه من طريق أبي علي الحسن بن الفضل بن السمح عن سهل بن تمام عن أبي الأشهب وسلم بن زرير عن أبي رجاء به.
    و هذا السند شبه لا شيء:
    فيه (الحسن بن الفضل)، قال الذهبي رحمه الله في " الميزان " (2/ 244): " أكثر الناس عنه ثم انكشف فتركوه وخرقوا حديثه ".
    و فيه (سهل بن تمام):" قال أبو زرعة: لم يكن بكذاب، كان ربما وهم في الشيء. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: يخطىء ".اهـ (تهذيب التهذيب 4/ 217)

    (1/8)

    و كذلك ما رواه الدارقطني (21) و من طريقه البيهقي في " السنن " (2977) عنه أنه قال:
    " إن القنوت في صلاة الصبح بدعة ".
    قال البيهقي: " لا يصح وأبو ليلى الكوفي متروك، وقد روينا عن ابن عباس أنه قنت في صلاة الصبح ".اهـ
    و سيأتي توجيه ما نسب من ذلك لبعض السلف إن شاء الله.
    كما أخرج الدارقطني (20) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
    " ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت حتى فارق الدنيا ".
    و هذا لا يصح بسبب وجود مجهولَيْن في سنده؛ و هما محمد بن مصبح بن هلقام و أبوه. و لكنّ معناه صحيح ثابت عن ابن عباس كما قررنا آنفًا.
    و ما مرّ من الأحاديث و الآثار، يقوي الحديث الذي ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
    " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح: اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت ".
    أخرجه البيهقي في " السنن " (2960) بسند فيه مجهول، وله شواهد ذكرها البيهقي و قال: فصح بهذا كله أن تعليمه هذا الدعاء وقع لقنوت صلاة الصبح وقنوت الوتر. اهـ
    قلت: و روى عبد الرزاق في " مصنفه " (4957) و من طريقه ابن نصر في " الوتر " عن ابن جريج قال: أخبرني مَن سمع ابن عباس ومحمد بن علي بالخيف يقولان:
    " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت بهؤلاء الكلمات في صلاة الصبح وفي الوتر بالليل ... الحديث ".
    قال المقريزي: إسناده صحيح لغيره، و قال ابن الملقن في " البدر المنير " (1/ 128): رواية البيهقي إسنادها جيد "

    حديث عائشة الصديقة رضي الله عنها

    أخرج الهيثمي في " زوائد مسند الحارث " (179) حدثنا يحيى بن هاشم ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت:

    (1/9)

    " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في صلاة الفجر قبل الركعة وقال: إنما أقنت بكم لتدعوا ربكم وتسألوه حاجتكم ".
    قال الحافظ في " المطالب العالية " (1/ 124): فيه ضعف.
    قلت: و له شاهد رواه الطبراني في " الأوسط " (7027) بسنده عن شريك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
    " إنما أقنت لتدعوا ربكم وتسألوه حوائجكم ".
    قال الهيثمي في " الزوائد " (2/ 330): إسناده حسن.
    قلت: و يشهد لهذه الرواية، ما رواه مالك رحمه الله عن هشام بن عروة:
    " أن أباه كان لا يقنت في شيء من الصلاة، ولا في الوتر، إلا أنه كان يقنت في صلاة الفجر قبل أن يركع الركعة الآخرة إذا قضى قراءته ".
    أخرجه في " الموطّأ " من رواية أبي مصعب برقم (428) و من طريقه الشافعي في " الأم " (7/ 426).
    و عن أبي رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
    "سلوا الله حوائجكم البتّة في صلاة الصبح ".
    رواه ابن وهب في " المدونة " (1/ 192) عن سعيد بن أبي أيوب عن خالد بن يزيد به. و هذا سند صحيح لكنه منقطع؛ لأن خالدًا لم يسمع من أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم.

    حديث البراء بن عازب رضي الله عنه

    عن البراء بن عازب رضي الله عنه:
    " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقنت في الصبح والمغرب "
    أخرجه مسلم (678) و أبو داود (1441) و النسائي (1076) و الترمذي (401)، و رواه أحمد (18498) و قال: ليس يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قنت في المغرب الا في هذا الحديث.
    قلت: هذا - و الله أعلم - في قنوت الحاجة. و قد ذكر ابن قتيبة اتفاق أهل العلم على عدم القنوت في المغرب، و كذلك قال الشافعي من قبل.
    و أمّا القنوت الدائم أو الراتب فيدل عليه هذه الرواية:

    (1/10)

    " عن عمرو بن مرة قال: سمعت ابن أبي ليلى يحدث عن البراء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أنه كان يقنت في الصبح ". قال عمرو: فذكرت ذلك لإبراهيم (النخعي) فقال: لم يكن كأصحاب عبد الله، كان صاحب أُمراء. قال: فرجعت فتركت القنوت فقال أهل مسجدنا: تالله ما رأينا كاليوم قط شيئًا لم يزل في مسجدنا. قال: فرجعت إلى القنوت فبلغ ذلك إبراهيم فلقيني فقال: هذا مغلوب على صلاته ".
    رواه ابن الجعد في " مسنده " (71) قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة به.
    و فيه: أن القنوت في الصبح كان العمل به مستمرًا في مساجد السلف. يتوارثونه خلفًا عن سلف.
    قال البيهقي رحمه الله في " السنن " (2/ 205) معلقًا على الحديث: - وهذا من إبراهيم النخعي - رحمنا الله وإياه - غير مرضيّ. ليس كل علم لا يوجد عند أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، و وُجد عند غيره لا يؤخذ به. بل يؤخذ به إذا كان أعلى من أصحاب عبد الله وكان الراوي ثقة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة، وقد أخبر عمرو بن مرة عن أهل المسجد أنه لم يزل في مسجدهم. اهـ
    و قد روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " (7025) عن أبي فروة قال ابن أبي ليلى:
    " يقنت في الفجر قبل الركعة ".
    و قال في موضع آخر (7007): " القنوت سنة ماضية ".
    و هذا لا شك أخذه عن البراء رضي الله عنه الذي ثبت أنه كان يقنت في الفجر، و قبل الركوع، كما في " المصنف " (7017 و 7025) و كما هي السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم.
    فإن قلت: فما وجه الحديث الذي روي عن البراء أنه قال:
    " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها ".
    رواه الطبراني في " الأوسط " (9450) و الدارقطني في " السنن " (4) و ابن حزم في " المحلى " (4/ 139). قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن مطرف إلا محمد بن أنس.

    (1/11)

    قلت: و محمد بن أنس قال عنه الحافظ في " التقريب " (1/ 469): صدوق يغرب من التاسعة. اهـ فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة، و غرابته ظاهرة.
    حديث ابن مسعود رضي الله عنه

    عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
    " قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثين يومًا يدعو ثم تركه ".
    رواه الطبراني في " الكبير " (9974)، و أبو يعلى (5043)، و قال الهيثمي في " المجمع " (2/ 137): رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير وفيه أبو حمزة الأعور القصاب وهو ضعيف. اهـ
    قلت: هذا اللفظ - أعني قوله " ثم تركه " - ثابت من حديث أنس رضي الله عنه؛ ففي صحيح مسلم (677): " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه ".
    قال بعضهم: أي ترك لعن الكفار، و قال الخطابي: معنى قوله " ثم تركه " أي ترك الدعاء على هؤلاء القبائل وهي؛ رعل وذكوان وعصية، أو ترك القنوت في الصلوات الأربع ولم يتركه في صلاة الصبح.
    و تعقبه البدر العيني رحمه الله في " عمدة القاري " (7/ 17) بقوله: هذا كلام متحكم متعصب بلا توجيه ولا دليل، فإن الضمير في (تركه) يرجع إلى القنوت الذي يدل عليه لفظ (قنت)، وهو عام يتناول جميع القنوت الذي كان في الصلوات. وتخصيص الفجر من بينهما بلا دليل من اللفظ يدل عليه باطل. وقوله: " أي ترك الدعاء " غير صحيح لأن الدعاء لم يمض ذكره ولئن سلمنا، فالدعاء هو عين القنوت وما ثَمَّ شيء غيره فيكون قد ترك القنوت والترك بعد العمل نسخ. اهـ
    و هو – كما ترى - تعقب قوي و وجيه في بعض أجزاءه. و يؤيده لفظ بعض الرويات من حديث أنس رضي الله عنه؛ ففي سنن النسائي (1077) و مسند أبي يعلى (3028):
    " ثم تركه بعد الركوع "،
    و هذا نص في محل النزاع. و هو يفيد أن المتروك إنما هو القنوت بعد الركوع، و هذا ليس بسبب النسخ، كما يزعم الأحناف، و لكن لعدم وجود مقتضاه.

    (1/12)

    و أمّا القنوت الدائم الذي موضعه قبل الركوع فقد بيّنته رواية عاصم المخرّجة في الصحيحين. و هي مفسِّرة، ومعلوم عند الأصوليين " أن المفسر مقدم على النص لقوة المفسر، لأنه لا يحتمل تأويلا ولا تخصيصا، والنص يحتملهما ".
    و القنوت المتروك هو الذي كان السلف ينكرونه، و على هذا يحمل حديث سعد بن طارق قال: قلت لأبي:
    " يا أبي إنك قد صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعثمان وعلي، أكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني، محدث ".
    أخرجه أحمد (15920) و الترمذي (402) و قال: حسن صحيح. و ابن ماجة (1241) و غيرهم.
    و في رواية النسائي (1080): " صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت. ثم قال: يا بني إنها بدعة ".
    و لا شك أنّ الإلتزام بالدعاء كل يوم في صلاة الصبح بعد الرفع من الركوع، مع الجهر و التأمين و رفع الأيدي، كما هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، مخالف لما ورد في السنة الصحيحة.
    و أمّا قول العيني رحمه الله: " والترك بعد العمل نسخ "، فيرده حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي فيه الدعاء لضعفة المسلمين، وهو بعد واقعة القراء بيقين. قال الإمام الشافعي (الأم 7/ 210): فلا أعلم أنه تركه بل نعلم أنه قنت في الصبح قبل أهل بئر معونة وبعد. اهـ

    حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القنوت في الصبح هو ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، ليس في ذلك اختلاف. و الأصل في هذا الباب الجمع ما أمكن إلى ذلك سبيلاً. و من تتبع الروايات عن عمر رضي الله عنه وجدها تنقسم إلى أربعة أقسام:
    الأول: إثبات القنوت مطلقًا، كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه:
    " أنه كان يقنت في صلاة الصبح بسورتين؛ اللهم إنا نستعينك واللهم إياك نعبد ".

    (1/13)

    رواه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " (1373)
    و كما روى ابن سيرين قال: " سألت أنس بن مالك: هل قنت عمر؟ قال: نعم ومن هو خير من عمر؛ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع ".
    رواه أحمد (12721 و 13208) و قال الألباني رحمه الله في " الإرواء " (2/ 160): إسناده حسن. اهـ
    و القسم الثاني: نفي القنوت مطلقًا، كما ورد عن سعيد بن جبير قال:
    "لم يكن عمر يقنت في الصبح ".
    رواه عبد الرزاق في " مصنفه " (4956) و ابن أبي شيبة (6972) و سعيد لم يدرك عمر رضي الله عنه.
    و كما روي عن الأسود وعمرو بن ميمون قالا:
    " صلينا خلف عمر رضي الله عنه الفجر فلم يقنت ".
    رواه ابن أبي شيبة (6964 و 6965) و البيهقي في " الكبرى " (3695) و الطحاوي في " شرح معاني الآثار " (1379 و 1382).
    قال البيهقي رحمه الله: وقد روينا في باب القنوت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عن الخلفاء بعده أنهم قنتوا في صلاة الصبح. ومشهور عن عمر من أوجه صحيحة أنه كان يقنت في صلاة الصبح، فلئن تركوه في بعض الأحايين سهوًا أو عمدًا، دل ذلك على كونه غير واجب، وحين لم ينقل عن أحد منهم أنه سجد سجدتي السهو لذلك دل على أنه لا سجود في السهو عنه والله أعلم. اهـ
    قلت: يبدو - و الله أعلم - أنّ الذي نفياه إنما هو القنوت بعد الركوع، كما هو مذهب الإمام الشافعي. بدليل ما رواه البيهقي في " سننه " (2932) عن حماد عن إبراهيم عن الأسود قال:
    " صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السفر والحضر فما كان يقنت إلا في صلاة الفجر ". فهذا فيه إثبات القنوت الراتب.
    و روى البيهقي كذلك في " الكبرى " (1385) من طريق أبي حنيفة عن حماد رحمهما الله عن إبراهيم عن الأسود قال:
    " كان عمر رضي الله عنه إذا حارب قنت وإذا لم يحارب لم يقنت ". و هذا فيه إثبات قنوت النازلة الذي موضعه بعد الركوع.

    (1/14)

    و القسم الثالث: ممّا ورد في قنوت عمر رضي الله عنه؛ إثباته بعد الركوع، كما روي عن أبي رافع قال:
    " صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح فقنت بعد الركوع. قال: فسمعته يقول: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ... "
    رواه عبد الرزاق (4968) من طريق علي بن زيد بن جدعان به.
    و رواه أيضًا (4980) و البيهقي (2968) كلاهما من طريق محمد بن راشد عن سعيد عن قتادة عن أبي رافع وأبي قتادة.
    و رواه البيهقي أيضًا في " سننه " (2954) عن الحسن عن أبي رافع.
    قلت: في الطريق الأولى (علي بن زيد) و هو ضعيف.
    و في الثانية (محمد بن راشد) قال الحافظ في " التقريب " (1/ 478): صدوق يهم و رمي بالقدر. اهـ و قال ابن حبان في " المجروحين " (2/ 253): كان من أهل الورع والنسك، لكن لم يكن الحديث من صناعته فكان يأتي بالشيء على الحسبان ويحدث على التوهم فكثر المناكير في روايته فاستحق ترك الاحتجاج به. اهـ
    و ثمة علة أخرى؛ و هي اختلاط (سعيد بن أبي عروبة)، و ثالثة و هي عنعنة قتادة فإنه كان مدلسًا.
    و ممّن روى القنوت عن عمر بعد الرفع من الركوع:
    أبو عثمان النهدي.
    رواه عنه (العوام) رجل من بني مازن. أخرجه الدارقطني في " السنن " (10) و البيهقي (2952).
    و (جعفر بن ميمون) أخرجه ابن أبي شيبة (7041) و البيهقي (2967).
    قلت: و (العوام) و هو ابن حمزة قال يحيى و أحمد و غيرهما: أحاديثه مناكير، و عدّوا حديثه في قنوت عمر من مناكيره. انظر " الكامل " (5/ 383) و " ضعفاء " العقيلي (3/ 413)
    و (جعفر بن ميمون) قال يحيى و النسائي: ليس بذاك، و في رواية: ليس بثقة. و قال أحمد: ليس بالقوي في الحديث. انظر " تهذيب التهذيب " (2/ 93)
    و روى البيهقي في " السنن " (2953) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس الأموي ثنا الصغاني ثنا عفان بن مسلم ثنا شعبة عن عاصم الأحول وسليمن التيمي وعلي بن زيد أخبرني كل هؤلاء أنه سمع أبا عثمان يحدث عن عمر:
    " أنه كان يقنت بعد الركوع ".

    (1/15)

    و هذا يحمل على قنوت الحاجة.
    و القسم الرابع: و فيه إثبات القنوت قبل الركوع، روى ذلك:
    - أبو عثمان النهدي كما في مصنف ابن أبي شيبة (7019)
    - و طارق بن شهاب، كما في " مصنف عبد الرزاق " (4959 و 4949) و ابن أبي شيبة (7033) و " شرح معاني الآثار " (1375)
    - و عبد الله بن معقل، كما في " مصنف ابن أبي شيبة " (7016) و لفظه: " أن عمر وعليا وأبا موسى قنتوا في الفجر قبل الركوع "
    - و زيد بن وهب، كما في " مصنف ابن أبي شيبة " (7018)،
    - و عبيد بن عمير، رواه ابن أبي شيبة كذلك (7021)،
    - و عبد الرحمن بن أبزى كما في " شرح مشكل الآثار " (1372) و لفظه: " أن عمر رضي الله عنه قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين ".
    قال الألباني رحمه الله في " الإرواء " (2/ 171): قد ثبت القنوت قبل الركوع عن عمر من عدة طرق صحيحة عنه كما تقدم بيانه برقم (418) فالصواب القول بثبوت الأمرين عنه كما بيناه هناك. اهـ
    قلت: المسألة التي أحال عليها إنما هي برقم (424)، و إقراره بصحة الأمرين عن عمر معناه الإقرار بقنوتين، خاصة و قد رواهما عنه معًا جماعة منهم أبو عثمان النهدي و عبيد بن عمير و غيرهما. و قد ثبت بما لا يمكن التردد في صحته أنّ قنوت النازلة إنما محله بعد الركوع، و لا يظنّ بعمر رضي الله عنه أن يخالف ما ثبت من السنة، خاصة و قد شهدها كما وقع في بعض طرق حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    و كون الأمرين ثابتين عن عمر رضي الله عنه يبيّن ضعف الحديث الذي صححه الألباني رحمه الله في " الإرواء" (2/ 161) عن حميد عنه قال:
    " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت بعد الركعة وأبو بكر وعمر حتى كان عثمان قنت قبل الركعة ليدرك الناس ".
    أخرجه ابن نصر في " قيام الليل " (133) بإسناد صحيح وهو من طريق عبد العزيز بن محمد عن حميد. اهـ

    (1/16)

    قلت: كذا قال، و (عبد العزيز بن محمد) ضعيف، قال أبو زرعة: سيء الحفظ ربما حدث من حفظه الشيء فيخطيء. (تهذيب التهذيب 6/ 315)
    و نستخلص ممّا مضى أنّ القنوتين يفترقان - على الصحيح المعتبر - في أمرين، زيادة على المحل:
    الأمر الأول: الدعاء في القنوت الراتب يكون بالسورتين؛ كما في " مصنف " عبد الرزاق (4969) عن ابن جريج قال: " أخبرني عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يأثر عن عمر بن الخطاب في القنوت أنه كان يقول:
    " اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين.
    بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك.
    بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.
    قال: وسمعت عبيد بن عمير يقول: القنوت قبل الركعة الآخرة من الصبح ".
    و في " مصنف عبد الرزاق " أيضًا (3/ 115): قال الحكم: وأخبرني طاووس أنه سمع ابن عباس يقول:
    " قنت عمر قبل الركعة بهاتين السورتين، إلا أنه قدم التي أخر عليٌّ وأخر التي قدم عليّ، والقول سواء ".
    و في " شرح معاني الآثار " (1373) عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس نحوه.
    و في " السنن الكبرى " للبيهقي (2963): عن عبد الرحمن بن أبزى قال:
    " صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة الصبح فسمعته يقول، بعد القراءة قبل الركوع: اللهم إياك نعبد ... "
    و فيه أيضًا (3/ 116): قال ابن جريج في حديثه عن ابن طاووس قال:
    " كان يقولهما أبي في الصبح وكان لا يجهر به ".

    (1/17)

    الأمر الثاني: الدعاء في قنوت النوازل يكون بما يناسب الحاجة كاستنصار على عدوٍّ، أو فك أسرى محبوسين، أو دفع بلاء ... و يكون بالجهر، و رفع الأيدي، و تأمين المأمومين.

    حديث علي رضي الله عنه

    لا يختلف الحال بالنسبة لعليّ رضي الله عنه عن غيره من السلف، فقد ثبت عنه بالسند المتصل الصحيح أنه قنت قبل الركوع بالأدعية المأثورة، و قنت بعد الركوع للحاجة. قال البيهقي رحمه الله (2/ 204): و هذا عن عليّ صحيح مشهور.
    فإن قلت: إن كان الأمر كذلك، فما وجه الرواية التي ذكرها ابن أبي شيبة في " مصنفه " (6982) بإسناد صحيح عن الشعبي قال: " لما قنت علي في صلاة الصبح أنكر الناس ذلك، قال: فقال: إنما استنصرنا على عدونا ".
    فالجواب: أنّ المنكَر ليس القنوت كما يوهم ظاهر الخبر، و لكنّ المنكَر هو كون القنوت وقع فيه الدعاء على مسلم، و هذا أمر لم يُعهَد من قبل. و قد بيّن ذلك رواية عبد الرحمن بن مغفل:
    قال: " صليت مع علي صلاة الغداة، قال: فقنت فقال في قنوته: اللهم عليك بمعاوية وأشياعه، وعمرو بن العاص وأشياعه، وأبا السلمي وأشياعه، وعبد الله بن قيس وأشياعه ".
    رواه ابن أبي شيبة (7050) بإسناد صحيح.
    هذا، و الوارد عن عليّ رضي الله عنه في قنوته أنه كان يدعو مرة بالسورتين، و تارة بما رواه البيهقي (2958) عن أبي الحوراء قال:
    " سألت الحسن بن علي: ما عقلت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: علمني دعوات أقولهن:
    اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك. أراه قال: إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت.
    قال: فذكرت ذلك لمحمد بن الحنفية فقال: إنه الدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر في قنوته ".
    قال ابن عبد البر في " الإستذكار " (2/ 296): وهذا يرويه الحسن بن علي من طرق ثابتة.

    (1/18)

    الشاهد ممّا مضى، أنّ القنوت بقسميه سنة ماضية، كان العمل بها مشهورًا لدى السلف و لم يخالف في ذلك إلا النزر القليل الذي يمكن توجيه إنكاره كما مرّ.
    قال الزيلعي رحمه الله في " نصب الراية " (2/ 77): قال الحازمي في " كتابه الناسخ والمنسوخ (26) ":
    اختلف الناس في قنوت الفجر فذهب إليه أكثر الصحابة والتابعين فمن بعدهم من علماء الأمصار إلى يومنا؛ فروى ذلك عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة مثل: عمار بن ياسر، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وسهيل بن سعد الساعدي، ومعاوية بن أبي سفيان، وعائشة.
    ومن المخضرمين: أبو رجاء العطاردي، وسويد بن غفلة، وأبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصانع.
    ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والحسن، ومحمد بن سيرين، وأبان بن عثمان، وقتادة، وطاوس، وعبيد بن عمير، والربيع بن خيثم، وأيوب السختياني، وعبيدة السلماني، وعروة بن الزبير، وزياد بن عثمان، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمر بن عبد العزيز، وحميد الطويل ... وذكر جماعة من الفقهاء. اهـ
    و قال ابن شاهين (1/ 211): - والذي عليه العمل؛ القنوت في الفجر، وأنه الناسخ لغيره لما رواه أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أنس:" أن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - قنت في صلاة الغداة حتى مات ".
    وعلى ذلك أهل المدينة، وإذا كان أهل المدينة على شئ فهو الحق. وسئل مالك بن أنس عن القنوت في الفجر؟ فقال: لم أدرك أحدًا يعيبه. فقيل له: أَوَ كانوا يقنتون؟ قال: نعم. ومذهب مالك أن القنوت في الصبح قبل الركوع. وسئل ابن أبي ذئب عن القنوت في الصبح؟ فقال: هو الأمر بهذا البلد منذ كان الاسلام. وهو قول أبي الزناد وابن هرمز. اهـ
    خلاصة البحث:

    (1/19)

    شرعية القنوت الراتب و محله قبل الركوع، ثبت ذلك من حديث أنس رضي الله عنه، رواه عنه عاصم الأحول، و عبد العزيز بن صهيب، و حميد الطويل، و الربيع بن أنس. و لم يختلف أحد من الرواة في كون قنوت النوازل الذي فيه لعن الكفار و الإستنصار، بعد الركوع.
    شُبَه النفاة و الرد عليها:

    من العلماء الذين تكلموا في أدلة المثبتين للقنوت الراتب بشيء من النقد، و بحثوا في ردها و بسطوا بما لا يمكن الزيادة عليه، العلامة ابن القيّم رحمه الله في " الزاد ". و لمّا كان كلامه مستوعبًا لكل الشبه التي يثيرها النفاة، فإني أعرض منه بعض الفقرات مع الرد عليها، و الله وليّ التوفيق.
    قال رحمه الله (1/ 256):
    فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر ولا الجهر بالبسملة لم يدل ذلك على كراهية غيره ولا أنه بدعة ولكن هديه - صلى الله عليه وسلم - أكمل الهدي وأفضله والله المستعان. اهـ
    الجواب:
    هذا الكلام في غاية الإشكال؛ لأنه إمّا أن يكون مشروعًا فلا كراهة حينئذِ. و إمّا أن يكون غير مشروع و مخالف للسنة، فهذا ينبغي أن يكون مكروهًا. و ربّما اقتبس السيد سابق هذا الكلام فثبته في كتابه " فقه السنة " و ذكره بالمعنى، فقال " أن هذا من الإختلاف المباح ". فشنّع عليه الألباني رحمه الله في " تمام المنة " و قال: كيف يستوي الفعل و هو غير مشروع مع الترك و هو المشروع؟.اهـ و هذا الإستفهام الإستنكاري وجيه من حيث المبدأ، و لكنه غير كذلك في مسألتنا التي نحن بصددها.
    و لعلك تذكر - و العهد بك غير بعيد - ما قررته في البحث من شرعية القنوت الدائم لتدرك مدى مجازفة مَن يقول بخلاف ذلك.
    و قال رحمه الله:

    (1/20)

    وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس قال: " ما زال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا "، وهو في المسند والترمذي وغيرهما. فأبو جعفر قد ضعفه أحمد وغيره وقال ابن المديني: كان يخلط، وقال أبو زرعة: كان يهم كثيرا، وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير. اهـ
    الجواب:
    الإنصاف يقتضي ذكر مَن وثق (أبا جعفر) مع مَن ضعفه، حتى يتسنى للناظر إصدار حكم قريب من الصواب، ليس فيه ظلم و لا شطط. و ها أنا ذا أنقل لك بأمانة كلّ ما قيل في الرجل حتى تكون على بيّنة من أمرك:
    أبو جعفر الرازي
    فيه عن أحمد روايتان:
    قال مرة: " ليس بقويّ في الحديث "
    و قال في أخرى: " صالح الحديث ".
    و لابن معين فيه أربعة روايات:
    الأولى: " كان ثقة خراسانيا "
    و الثانية: " يكتب حديثه ولكنه يخطىء "
    و الثالثة: " صالح "
    و الرابعة: " ثقة وهو يغلط فيما يروي عن مغيرة "، و هذه هي المعتمَدَة لأنها مبيّنة.
    و لابن المديني فيه ثلاث روايات:
    قال في اثنتين منها: " كان عندنا ثقة "
    و في الثالثة قال: " وهو يخلط فيما روى عن مغيرة ونحوه ".
    وقال ابن عمار الموصلي: ثقة
    وقال عمرو بن علي: فيه ضعف، وهو من أهل الصدق، سيء الحفظ.
    وقال أبو زرعة: شيخ، يهم كثيرا.
    وقال أبو حاتم: ثقة، صدوق، صالح الحديث.
    وقال زكريا الساجي: صدوق ليس بمتقن.
    وقال النسائي: ليس بالقوي.
    وقال ابن خراش: صدوق، سيء الحفظ.
    وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وقد روى عنه الناس وأحاديثه عامتها مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به.
    وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان يقدم بغداد فيسمعون.
    وقال ابن حبان: " كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات ".
    وقال العجلي: ليس بالقوي.
    وقال الحاكم: ثقة.
    وقال ابن عبد البر: هو عندهم ثقة عالم بتفسير القرآن. اهـ من " تهذيب التهذيب " (12/ 59)

    (1/21)

    قلت: قول ابن عدي - و هو من أهل الإستقراء - هو أمثل هذه الأقوال و أعدلها.
    و اعلم يرحمني الله و إياك، أنّ أصل حديث (أبي جعفر) في الصحيحين، ولم ينفرد بشيء. فقد سئل أنس رضي الله عنه - كما سبق ذكره - عن القنوت فأخبر بأنّ المشروع منه قنوتان، أحدهما بعد الركوع دام شهرًا ثم تُرك. و الآخر قبل الركوع، يعني لم يُترك. فليس في رواية (أبي جعفر) إلا البيان.
    و قال ابن القيم رحمه الله:
    وقال لي شيخنا ابن تيمية قدس الله روحه: وهذا الإسناد نفسه هو إسناد حديث [وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم] (الأعراف: 172). حديث أبي بن كعب الطويل وفيه: " وكان روح عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم فأرسل تلك الروح إلى مريم عليها السلام حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فأرسله الله في صورة بشر فتمثل لها بشرا سويا قال: فحملت الذي يخاطبها فدخل من فيها ". وهذا غلط محض فإن الذي أرسل إليها الملك الذي قال لها [إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا] (مريم: 19) ولم يكن الذي خاطبها بهذا هو عيسى ابن مريم، هذا محال.
    والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير لا يحتج بما تفرد به أحد من أهل الحديث البتة ...
    و الجواب:
    أن هذا التقرير يحتاج إلى تأمل. ذلك أنه لا يوجد راوِ ليس عنده مناكير، حتى الأئمة المعروفين بالإتقان. و لو أننا طرحنا حديث كل مَن رُوي عنه خبر منكر لذهب جلّ الحديث بما في ذلك ما في الصحيحين.
    و قد قال هو نفسه في " الفروسية " (241): (وهنا يعرض لمن قصر نقده وذوقه عن نقد الأئمة في هذا الشأن نوعان من الغلط، ننبه عليهما لعظيم فائدة الاحتراز منهما ..
    النوع الثاني من الغلط: أن يرى الرجل قد تُكلم في بعض حديثه وضُعِّف في شيخ أو في حديث فيجعل ذلك سبباً لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجد، كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظاهر وغيرهم.

    (1/22)

    وهذا أيضاً غلط فإن تضعيفه في رجل أو في حديث ظهر فيه غلط لا يوجب تضعيف حديثه مطلقاً، وأئمة الحديث على التفصيل والنقد، واعتبار حديث الرجل بغيره، والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثقات. اهـ
    و قال رحمه الله:
    ولو صح لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء فإن القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع كما قال تعالى: [وله من في السماوات والأرض كل له قانتون] (الروم: 26) وقال تعالى: [أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه] (الزمر: 9) وقال تعالى: [وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين] (التحريم: 12) وقال صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصلاة طول القنوت ". وقال زيد بن أرقم: لما نزل قوله تعالى: [وقوموا لله قانتين] (البقرة: 238) أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. اهـ
    و الجواب:
    أن القنوت يفسَّر بالمعنى المناسب الذي يدل عليه الكلام. و المشهور في اللغة أنّ القنوت هو الدعاء. ويرد بمعان متعددة كالطاعة والخشوع والعبادة والقيام والسكوت فيصرف إلى ما يناسبه منها بحسب القرائن والمقامات، والمراد منه هنا: الدعاء.
    قال رحمه الله:
    وأنس رضي الله عنه لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعا صوته " اللهم اهدني فيمن هديت " إلى آخره، ويؤمّن من خلفه. اهـ
    قلت:
    لا شك أنه لم يقل ذلك، و قد بيّنت في هذا البحث ضعف مذهب مَن يقول بذلك كالإمام الشافعي رحمه الله.
    قال رحمه الله:
    ولا ريب أن قوله: " ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شئ بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد " إلى آخر الدعاء.
    والثناء الذي كان يقوله قنوت، وتطويل هذا الركن قنوت، وتطويل القراءة قنوت، وهذا الدعاء المعين قنوت، فمن أين لكم أن أنسا إنما أراد هذا الدعاء المعين دون سائر أقسام القنوت؟!
    و الجواب:
    ما ذكره من بعد،
    و هو قوله:

    (1/23)

    ولا يقال: تخصيصه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها وأنس خص الفجر دون سائر الصلوات بالقنوت ولا يمكن أن يقال: إنه الدعاء على الكفار ولا الدعاء للسمتضعفين من المؤمنين لأن أنسا قد أخبر أنه كان قنت شهرا ثم تركه فتعين أن يكون هذا الدعاء الذي داوم عليه هو القنوت المعروف وقد قنت أبو بكر وعمر وعثمان وعلى والبراء بن عازب وأبو هريرة وعبد الله بن عباس وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وغيرهم
    والجواب من وجوه
    أحدها: أن أنسا قد أخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والمغرب كما ذكره البخاري فلم يخصص القنوت بالفجر وكذلك ذكر البراء بن عازب سواء فما بال القنوت اختص بالفجر؟!
    فإن قلتم: قنوت المغرب منسوخ قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة: وكذلك قنوت الفجر سواء ولا تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إلا كانت دليلا على نسخ قنوت الفجر سواء ولا يمكنكم أبدا أن تقيموا دليلا على نسخ قنوت المغرب وإحكام قنوت الفجر
    فإن قلتم: قنوت المغرب كان قنوتا للنوازل لا قنوتا راتبا قال منازعوكم من أهل الحديث: نعم كذلك هو وكذلك قنوت الفجر سواء وما الفرق؟ قالوا: ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوت نازلة لا قنوتا راتبا أن أنسا نفسه أخبر بذلك وعمدتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة ثم تركه ففي الصحيحين عن أنس قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على حي من أحياء العرب ثم تركه. اهـ
    الجواب:
    هذا بعد الرفع من الركوع كما قررنا سابقًا باتفاق. فأين القنوت الذي ذكره أنس في الصحيحين و قال: إنه قبل الركوع؟
    قال رحمه الله:
    الثاني: أن شبابة روى عن قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان قال: قلنا لأنس بن مالك: إن قوما يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يقنت بالفجر قال:

    (1/24)

    " كذبوا وإنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا واحدًا يدعو على حي من أحياء العرب ".اهـ
    الجواب:
    العجب من ابن القيم رحمه الله كيف يعارض رواية عاصم المخرّجة في الصحيحين بمثل هذه الرواية، حتى يحتاج إلى الدفاع عن قيس بن الربيع. مع أنّ ظاهر الرواية التي ذكرها لا تنفي القنوت الراتب الذي محله قبل الركوع.
    قال رحمه الله:
    وقيس بن الربيع وإن كان يحيى بن معين ضعفه فقد وثقه غيره وليس بدون أبي جعفر الرازي فكيف يكون أبو جعفر حجة في قوله: "لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا "، وقيس ليس بحجة في هذا الحديث وهو أوثق منه أو مثله؟
    الجواب:
    كيف يكون (قيس) أوثق من (أبي جعفر) أو مثله؟ و (قيس) قال فيه السعدي:
    " ساقط "،
    و قال النسائي: " متروك الحديث ". و تركه يحيى القطان و كذّبه ابن معين ... و ليس مثل هذه النعوت في (أبي جعفر).
    و قال رحمه الله:
    والذين ضعفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعفوا قيسا. اهـ
    الجواب:
    يمكنك أيّها النبيه أن تراجع كتب التراجم و الرجال لتحكم بنفسك على مدى دقة هذا الكلام.
    قال رحمه الله:
    فإنما يعرف تضعيف قيس عن يحيى وذكر سبب تضعيفه فقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم: سألت يحيى عن قيس بن الربيع فقال: ضعيف لا يكتب حديثه كان يحدث بالحديث عن عبيدة وهو عنده عن منصور ومثل هذا لا يوجب رد حديث الراوي لأن غاية ذلك أن يكون غلط ووهم في ذكر عبيدة بدل منصور ومن الذي يسلم من هذا من المحدثين؟
    الجواب:
    قال الحافظ في " التقريب " (1/ 457): قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به. اهـ
    قلت: فهل مَن كانت هكذا حاله يعارَض به الصحيح؟؟؟
    قال رحمه الله:

    (1/25)

    فنقول وبالله التوفيق: أحاديث أنس كلها صحاح يصدق بعضها بعضا ولا تتناقض والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير القنوت الذي ذكره بعده والذي وقته غير الذي أطلقه. فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصلاة طول القنوت ".اهـ
    الجواب:
    أنّ هذا يرده رواية عبد العزيز بن صهيب في صحيح البخاري (3860) حيث قال في حديثه - بعد ذكر قصة القراء -:
    " وسأل رجل أنسا عن القنوت أبعد الركوع أو عند الفراغ من القراءة؟ قال: لا بل عند فراغ من القراءة ".
    و في " مصنف عبد الرزاق " (4959) بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب: " أن عمر بن الخطاب صلى الصبح فلما فرغ من القراءة قنت ثم كبر حين يركع ".
    و مثله عن البراء بن عازب رضي الله عنه.
    و قد مرّ في البحث بيان ما يكانوا يدعون به. و هذا كله يدل على أنّ القنوت ههنا لا يراد به القراءة، فتنبّه.
    و قال رحمه الله:
    والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء فعله شهرا يدعو على قوم ويدعو لقوم ثم استمر يطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا كما في الصحيحين عن ثابت عن أنس قال: " إني لا أزال أصلي بكم كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا قال: وكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسي. وإذا رفع رأسه من السجدة يمكث حتى يقول القائل: قد نسي ". فهذا هو القنوت الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا. اهـ
    الجواب:
    يرحم الله العلامة ابن القيّم فقد أبعد النجعة!! فلا علاقة لِمَا ذكر بما نحن بصدده.
    و قال رحمه الله:

    (1/26)

    ولما صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثر الناس هو هذا الدعاء المعروف: اللهم اهدني فيمن هديت ... إلى آخره. وسمعوا أنه "لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا " وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة، حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ من لا يعرف غير ذلك فلم يشك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا مداومين عليه كل غداة، وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب بل ولا يثبت عنه أنه فعله. اهـ
    الجواب:
    هذا الكلام ينسحب على مذهب الشافعي رحمه الله. و أمّا الإمام مالك رحمه الله فمذهبه موافق للصحيح من الأخبار و الآثار. ففي " المدونة " (1/ 192) قال مالك: " والذي آخذ به في خاصة نفسي (القنوت) قبل الركوع. وقال فيمن نسي القنوت في صلاة الصبح قال: لا سهو عليه. وقال: وليس في القنوت دعاء معروف ولا وقوف موقت ".اهـ
    و من مذهبه اسحباب الإسرار به في حق الإمام و المأموم و المنفرد كسائر الأدعية، و لا تُرفَع الأيدي فيه و لا يُؤَمَّن عليه. و هذا كله مؤيَّد بالأثر و النظر.
    و قال رحمه الله:
    ومما يدل على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيام للدعاء والثناء ما رواه سليمان بن حرب: حدثنا أبو هلال حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة قلت: هو السدوسي قال: اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح فقال قتادة: قبل الركوع وقلت أنا: بعد الركوع فأتينا أنس بن مالك فذكرنا له ذلك فقال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فكبر وركع ورفع رأسه ثم سجد ثم قام في الثانية فكبر وركع ثم رفع رأسه فقام ساعة ثم وقع ساجدا وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء وهو يبين مراد أنس بالقنوت فإنه ذكره دليلا لمن قال: إنه قنت بعد الركوع فهذا القيام والتطويل هو كان مراد أنس فاتفقت أحاديثه كلها وبالله التوفيق. اهـ
    الجواب:

    (1/27)

    كان الأولى بابن القيمّ رحمه الله أن يثبت العرش أوّلا ... فحنظلة السدوسي هذا قال عنه أحمد: يروي عن أنس أحاديث مناكير. و في رواية: منكر الحديث، يحدث بأعاجيب. و قال ابن معين: ليس بثقة و لا دون الثقة. انظر " تهذيب التهذيب " (3/ 54)
    و قال رحمه الله:
    وأما المروي عن الصحابة فنوعان:
    أحدهما: قنوت عند النوازل كقنوت الصديق رضي الله عنه في محاربة الصحابة لمسيلمة وعند محاربة أهل الكتاب وكذلك قنوت عمر وقنوت علي عند محاربته لمعاوية وأهل الشام
    الثاني: مطلق مراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء والثناء والله أعلم
    الجواب:
    الحمد لله. هذا الذي ذكره ابن القيّم رحمه الله في آخر تقريره، هو عينه الذي نقول به. و قد حاولت في هذا البحث إثباته، بأدلة لا يمكن لعالم منصف إلا الإعتراف بدلالتها. و إن كان قوله رحمه الله:" المروي عن الصحابة " يوهم وقف العمل عليهم. و الصحيح ثبوت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه و سلم - كما سبق بيانه.
    قال ابن العربي رحمه الله في " العرضة " (2/ 192): ثبت أنّ النبيّ - صلى الله عليه و سلم - قنت في صلاة الفجر، و ثبت أنه قنت قبل الركوع و بعد الركوع، و ثبت أنه قنت لأمر نزل بالمسلمين من خوف عدوّ و حدوث حادث. و لكن قنت الخلفاء بالمدينة و سنّه عمر و استقرّ بمسجد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فلا تلتفوا إلى غير ذلك. اهـ

    تمّ بحمد الله و حسن توفيقه ما قصدتُ له. أسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا لقَبول الحق و العمل به، و أن ينفع به مَن قرأه، و أن يدخر لي أجره يوم ألقاه. آمين، و الحمد لله رب العالمين و صلى الله و سلم على سيّد الأولين و الآخرين نبيّنا محمد و آله و صحبه أجمعين.

    أبو محمد عبد الوهاب مهية

    (1/28)